نصّ - حين ترك الديك صيحته في فمي

19 كانون الأول 2015 | 00:00

تفصيل من لوحة لجميل ملاعب.

حفنة زعفران

حريتي وهي الجزء السائب مني، سيكون من حقها بعد اليوم أن تتركني لتجلس على ناصية الشارع وهي تتأمل العابرات الفاتنات بنضارة حقولهن. أنثى صيفية تضيق بفكرة عنوستها الخريفية. لن أكون جاداً في تقصي الحقائق التي تندسّ في السطور بين فصل وآخر من فصول السنة التي ستنتهي بخبر مشؤوم. لقد التهم ديكي أكياساً من الحنطة لكي يبدو نهارياً من غير أن يفكر في مصير ليله. صار من حق ليله ولو في المسافة التي تفصل بين شفتَي شهرزاد ومنقار صيحته أن يفكر في صوت رمادي. كان على ذلك الديك أن يهبني كل سبت حفنة زعفران. وهذا ما جعلتُ منه عادةً منزلية.
قبل أكثر من عشرين ستة بقليل كان عليَّ أن احتاط لمستقبل كلماتي. بعد ذلك اكتشفتُ بالمصادفة أن لا مستقبل لكلماتي. كان في انتظاري الكثير من الجمل الغبية. ما لم يقله الغراب، لن يقوى الديك على قوله، فهل سيكون عليَّ أن أمتص لعابه؟ "تمتع من شميم عرار نجد/ فما بعد العشية من عرار". ترك ديك النهار على سياج الجيران صيحته واختفى. سأعدّ حبّات مسبحته إلى العشرة لكي أحظى بنور حورياته.

في الفم صيحته
أتسلّق ساقه التي وقف عليها وأنظر إلى اليابسة. كنا نشقّ حبّ الرمان بحثاً عن ثقب أسود هو بحجم حفرة الناي، ليبتلعنا. أتقوى خطوتي على التقاط الثمرة التي سقطت ثم ارتدّت إلى الأعلى مثل كرة ثم عادت لتسقط ولتختفي هذه المرة في عصيرها مثلما أفعل حين أكتب. كلما كتبتُ امحت خطوطٌ من بصمات أصابعي. لا يملك المرء سوى أن يقرّ بضعفه وهو يرى الأشياء من حوله تفقد الكثير من وزنها.
الحمامة التي اكتشفت الحياة في قفص، غالباً ما تكون أقل اضطراباً من حمامة أخرجت رأسها من البيضة في وقت مرور العاصفة. يضحك الديك من فطنتي، وهو الذي مرّت من فوق رأسه قذائف المحبة التي كان يتبادلها الأخوة في عطلة نهاية الأسبوع. يومها استسلمت لكسلي وكانت يدها على الباب تطرق. بين كل ضربتين كان يقع صمت، هو خزانة موسيقى. بين حين وآخر يفقد الديك صبره فيتثاءب. أليلٌ بعد كل هذا الليل ليكون بمثابة ليل يفيض عن ليله الذي يتصبب عرقاً كلما رأى ليلاً جالساً على الرصيف وهو يبكي؟ أدرِكْني يا شفيع الجنّيات، لا من أجلي بل من أجل ذلك الديك الذي ترك صيحته في فمي ومات.

ريشٌ للروح أيضاً
أضحك حين يُوصف أحدهم بالمفكر. نادراً ما سمعنا بمفكرات. واحدة مثل حنا أرندت كان من الممكن أن تُخلَق رجلاً لتستريح. سيمون دو بوفوار رفضت أن تكون ظلاً لسارتر، غير أنها كانت رجلاً ناقصاً. لقد احتكر الرجل التفكير. وهي كذبة. استعمل الرجل الكذبة ليقهر الكائن الذي شغف بالتفكير بل أن الله يمتحنه في كل لحظة عيش. في كل الأحوال، المرأة هي مَن تخرجنا من الظلمات إلى النور. لذلك فإن التفكير خارج الكتابة هو فعل أكثر نفعاً من التفكير داخلها. في حقيقة ما كنت أفعله دائماً فإن التفكير كان يقع في أدنى المستويات. لم تكن مياه خيالي لتصل إليه. أكتب لأكون كاتباً، لأسمح لفعل الكتابة في أن يتنفس فأكون كمَن يعثر على عدّائين يستفزون رغبته في الركض. أسلّمك البريد فأقع ولن تكتشف صلابة معنى ما فعلت إلا حين تقع بعد أن يكون البريد قد وصل إلى أيدٍ أمينة. أمانة يا ديك. كنتَ تفكر لتتركنا أحراراً نهذي، ومن بعدك سنتوجه إلى الله بالشكر. لقد علَّمتَنا ومحوتَ جناحيك لئلا تطير. ما بين بلد الوصول وبلد الاقلاع هناك هواء لأجنحة لا يزال ريشها في طور التشكل. هل سنتعلم الرسم على يد تيرنر ليكون الأبيض هو أبيض الروح تماما؟

على سياج جارتي
"لقد خرّبتَ حياتي يا عقل". صرتُ بسببكَ أرى ما لم أكتبه، كما لو أنني كتبته. سيكون هنالك وقت يغاث فيه الناس. ذلك هو الوقت الذي ستطفئ فيه شاشة كومبيوترك لتذهب إلى البيت متوّجاً بأبهة فقراء لم تلتقهم وعمائم أشباح، ستقودها سراً إلى مخبئك لتُريها صوراً لم تُلتقط، غير أنها ظلّت مثل فاكهة صامتة تظهر في كل لحظة نظر، كما لو أنها التُقطت فعلاً. ما الذي يمكن أن يحدث لو قلت للمضيفة "إنني جائع؟" على ارتفاع سبعة وثلاثين ألف متر من الأرض يجلس رجل جائع. أنا ذلك الرجل. وكان عقل قد غادرني قبل أن يكتب دانتي اليغييري "الكوميديا الالهية" وبعد أن أنهى أبو العلاء المعري "رسالته في الغفران". "هل خَلقنا لنتذكر أم لننسى؟" في الحالين فإن الحياة هي أول شيء يتعرض للهدم. ما نتذكره من الكتابة سيصمّ الأذن بطنين حشراته، وما ننساه من الحياة سيطاردنا بندم فراشات حرثت النار بأجنحتها. حين لا يكون هناك سبت آخر، فهل سيكون القفز من الجمعة إلى الأحد واحدة من علامات القيامة؟ ترك الديك شبحه واقفاً على سياج جارتي واختفى.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني