وداعاً!

19 كانون الأول 2015 | 00:00

الى الصديق عقل العويط

نقول وداعاً ونحن نرى "الملحق" يرتحل.
نقول وداعاً، بيد أننا لا نعرف وجهة الرحيل.
سفر للراحة والاستجمام الثقافي!
أم إجازة إجبارية عقلية طارئة!
أم رحيل معرفي يشبه الاغتيال؟
نقول وداعاً ونحن نعرف أن طرق الرحيل متشعبة، غامضة، مسكونة بالوعد والوعيد، مسكونة بالفقد الأكيد، وربما بما هو أكبر من الفقد.
لماذا لا يكون الفقد قتلاً؟ ولماذا لا يكون الرحيل استشهاداً؟ وهل الكلمة أقلّ شأناً من الإنسان، لكي لا تكون شهيدة؟ في ذكرى استشهاد جبران تويني، يذهب "الملحق" الثقافي، أحد أركان بيروت الثقافية، الى أجله المكتوب.
لا كنيسة، ولا مسجد، سيقيمان على روحه قدّاس الشهادة.
لا شارع يُقطع، ولا خيمة عزاء أو احتجاج تـُنصب، ولا إطار سيارة يُحرق.
"الملحق"، جندي الثقافة اللبنانية المختطف، لا أمّ ولا ابنة ولا أب ولا أخت سيرفعون له راية الحداد.
لا عزاء للثقافة ولا معزّين.
الثقافة يتيمة الأم والأب والأهل.
الثقافة وليد لقيط، رمته أمه على طرق الحياة، والتقطه محسن ما، ورعاه ليكون صوته، وحينما لم يعد يحتاج الى هذا الصوت، أعاد اللقيط مجدداً الى قدره المحتوم، فوضعه على عتبة مجهولة، في طريق لا يسلكه أحد.
تعرفتُ على "الملحق" جيداً حينما كانت بغداد تُقصف بالقنابل الأميركية.
كان "الملحق" سبّاقاً في إعداد ملاحق تدين الغزو والحرب والتدمير.
وكان كتاب "صرخة من أجل العراق"،  الصادر عن "الملحق"، ثمرة من ثمار هذا السباق الشرس بين الحرب والكلمة، بين الاحتلال والحرية.
"الملحق" يتوارى الآن مرتحلاً.
الى أين؟
لا أعرف الى أين! لكنني أعرف جيداً أن أخر كلماتي فيه وعنه سترحل أيضاً، ماضية الى حتفها.
سترحل، كالملعونين والعصاة والكفرة، سترحل من دون قدّاس.
في الأزمان الرديئة تموت الكلمة وحيدةً على فراش اليأس.
... على الرغم من أن الله النصراني، والله المسلم، الله اليساري، والله اليميني، بدأوا دساتيرهم السماوية والأرضية بالكلمة، باعتبارها معجزة الخلق.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard