قصة - البطل

19 كانون الأول 2015 | 00:00

كانت أمّي تضع على رأسي سفرة حديد مطقشة قليلاً، بها ثلاثة أرغفة وقنان (رغيف صغير يخبز للأطفال)، أمشي بها ويداي مثبتتان عليها. أحياناً أمشي بها من دون أن أمسكها بيدي. حفظُ توازنٍ ولّده تكرار الأمر كلّ عشية.
لا أدري ماذا كانت علامة خبزتنا: فروين وقرصة أم قرصة وفروين؟ (ثقبان ولمّة بإبهام وسبابة). أسلّم السفرة للكواش وأنتظر مع بقية الأطفال. لا أذكر عما كنا نتحدث زمان.
أذكر أننا كنا نضحك باستمرار. عندما أصل إلى الكوخ بالخبزة، آخذ القنان الصغير، أشقّ وسطه وأملأه بالزيت وطماطم العلب والفلفل الأحمر، وإن توجد حبّة طماطم طازجة، أضعها في وسطه وأضغط على جانبيه، فتنفجر الطماطمة داخله. أصعد فوق الكوخ لآكل على مهل. من حي رأس عبيدة (مكان سكني طفلاً) أرى الشمس وقد غربت ناحية الميناء، وأرى منارة خريبيش وقد بدأت عملها الرتيب في الومض والانطفاء، وأرى كذلك القمر في السماء، وأسمع صوت الآذان من مساجد قريبة في أحياء سيدي حسين والسلماني والرويسات، وأسمع أمّي تناديني: "انزل يا ولد من فوق البراكة، أبوك جاء".
كان أبي يعود كلّ مغرب من عمله في البناء بثلاثة أكياس ورقية، كيس برتقال وكيس موز وكيس تفاح. أقول لهم لا أريد عشاء، شبعتُ من القنان وأتناول ثلاثية الفواكه، ثم أجلس قرب الفنار.
يضع أبي كمّاشتَي البطارية على حلمتَي السالب والموجب، ويفتح تلفزيون الشارب 14 بوصة. بعد انتهاء الرسوم المتحركة، "القط والفار"، يقول لي: "هيا خلاص. انطمر في فراشك. تصبح على خير". أطفال الشارع يتحدثون عن مسلسلات مشوّقة تعرض في التلفاز، مسلسل "القط الأسود" وغيره، لكن أبي يسمح لي بحضور الرسوم المتحركة فقط، وكل جمعة يعطيني 5 قروش لدخول سينما الشعبية بالسلماني بثلاثة قروش ونصف قرش، وبعد أن أعود يسألني عن الفيلم، فأحكي له عنه بحماسة، بينما أمّي تنصت إليَّ من المطبخ وتبتسم.
عموما كان أبي يحزن مثلنا، عندما يعرف أن بطل الفيلم مات. كنا نحب الأفلام التي لا يموت فيها البطل. كنا دائما نسأل بائع التذاكر هل البطل يموت أم لا؟ فيقول: يا بني كلنا نموت.
ونلحّ عليه ونستحلفه بسيدي عبد السلام الأسمر وبن عيسى والشاذلي، فيقول يموت من أول الفيلم، فنقول له شكراً شكراً، وننشر الخبر بيننا وفي المدرسة والشارع والكوشة، ولا ندخل إلى الفيلم، ونشتري بدلا من تذاكر الفيلم سندويتشات حرايمي وفاصوليا وقلايا من مطعم عبد العظيم، ونسمع لاحقاً أن بائع التذاكر قد تعرض للتوبيخ والتهديد بالطرد من صاحب السينما، لأن الكراسي معظمها صارت خالية، وطلبت منه إدارة السينما، أن يقطع تذاكر وحسب، ولا يحكي عن الفيلم البتة.
الآن أحبّ أيّ فيلم يموت فيه البطل. أحبّ أن يموت البطل في أيّ مجال. صرت أكره البطولة سواء أكانت حقيقة أم زيفاً، سواء أكانت من حديد أم من ورق.
لقد ضيّع البطل مستقبلنا، وعلينا أن نضيّع أسطورته لنستعيد أنفسنا. لقد تم فصل قاطع التذاكر المسكين لاحقاً، لأنه فعلاً قال الحقيقة: "البطل يموت من أول لقطة". لا بد أن تقول إن البطل لا يموت، كي يدخل الحياة أو الفيلم كلّ الموتى.

(ليبيا)

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني