شذرات - نصوص غير منشورة

19 كانون الأول 2015 | 00:00

لوحة لبول غيراغوسيان.

ذات
الكلمات تشتاق الى تخطّي حدودها فتتخطّاها. كذلك التراب والأيادي والأرواح.
ويُسمّى ذلك خَلْقا.
ماذا يَحدث إذا تاقت الأشياء، بالعكس، الى النكوص على ذاتها والتغلغل متقهقرةً الى ضباب الأغوار؟
يَحدث فرارٌ من الوجود الصارخ الى وجود لطيف، رؤوف.
ولا يُسمّى خَلقاً.
لكنه أرحم من الخلْق.
■■■

ظلماتي في خدمة الشمس، تلك أوجاعي. تحويل شياطيني الى شموع، حَرْق النار لتصبح نافذةً، نهراً. الليالي تحرس الطفولة! ناطورة الحبّ!
ظلماتي في خدمة الشمس، تلك أوجاعي. لم أعرف غير سماء الليل، في النجوم رأيت البلاهة والفزع. لم أستكشف غير سماء الليل، تلك الصحراء المضيئة كئيبةً في العدم. أعطيتُها اندفاعة النهار، نفختُ فيها شمساً، نظّفْتُها من نجومها المسلولة، أنسيْتُها وحشة عَدَمها وصارت تحبّني! وصارت تنتظرني! وشيءٌ من أحلام طفولتي تحقّق، شيءٌ يتعلّق بالشرّ، بالمجهول، بوقتٍ للإله لا يرى فيه أحداً غيري!
■■■
هذا الاستغراق في الليل يبدو التباساً، إنه غرام بالليل. الحقيقة أنه بَدَل من ضائع هو نهارٌ مشمس وظليلٌ خالٍ، كما في ساعات القيلولة، من الكائنات والحركة، إلاّ نسمات الأرض والجسد.
نهارٌ محَرَّر مستعادُ الأحلام، وهو ليلٌ مُخلَّصٌ من غياهب الصَدْر.
■■■
كم مرّةً في لحظةٍ انهار كل شيء! وفي لحظة ينهار مَرّة ما بَعدها مَرّة. من أية عناصر رَخْوَة هذا الطبع! لمّا ظننتُني مفتَّحاً كنتُ مكفوفاً، ولما تلأمنْتُ، تلأمنْتُ على الأكثر طيبةً منّي، ودَرَيتُ وما دَرَيْتُ أني في المواضع الأكبر والمحلاّت الأخطر كنتُ مخدوعاً ومستَعمَلاً فيما كنتُ أحسبني فطناً عزيز الجانب.
حياةٌ توتَّرتْ واتّضعَتْ وتفلَّتتْ وضاعتْ وأُكِلتْ وفي لحظة لم يبقَ شيء. ولم يُطرَق الباب، ودخلَ الأخذُ ولم يُطرَق الباب.
انفتح الباب من تلقائه، أطلَّ ظَرْف الرسالة من العدَم، وانغلقَ الباب، بدون تَدخُّل أحد.
لمَمْتُ المغلّف وأفرغْتُه: نزلتْ منه مسبحةٌ خضراء حمراء صفراء زرقاء بيضاء كشمس الكلام، وفرَطتُ حبّاتها بلا حساب، حبّة صادحة وحبّة صارخة، حبّة للتراب وحبّة للزوابع، فَرْط مَن يوهم النفس بأنه لن ينتهي أبداً من هذه اللعبة.
ولم أنظر ما فرَطتُ. لأن من يَعدُّ خُطاه لا يعود يمشي.
■■■
البحث عن الحقيقة، نقول. مَن يتحمَّل الحقيقة؟ لماذا البحث عنها، لماذا الحقيقة، ولا أحد- ابتداءً من الطفل و"حقائق" الحياة، وانتهاءً بالمريض وحكم موته، مروراً بالعاشق وحقائق محبوبه بين العيوب الجسدية والخيانة- لا أحد يتحمّل الحقيقة.
إن الجمْع الأفلاطوني بين الحقّ والخير والجمال يجافي الخير ويكذِّب الحقّ ويهاجم الجمال. الجمال هو المَهْرب من الحقّ. الخير لا ينجم إلاّ عن الطيبة- وما أدراك ما في الطيبة من رحمة ونقاء بعيداً جداً عن صرامة الحقّ- لا ينجم إلا عن الطيبة أو عن نقاء الجهل.
وحتى لو أخذنا الحقّ بغير معنى الحقيقة فهو فظّ لا يحتمله الحيّ الذي سيموت.
الحقيقة للشرطة. للتجريد المتوحّش وللشرطة المتوحّشة. الحقيقة عدوّة أو عاجزة. عدوّة للقلب الضعيف وهو حتماً أجمل منها، وعاجزة عن إغاثة المظلوم لأنها منذ الأزل وهي تأتي بعد فوات الأوان.
الحقيقة برهان الباطل.
■■■
كان هذا سهواً.
لم أكتب هذه الرسائل ولا تلك المقالات، ولم أكن إلاّ قليلاً في الأيام حيث كنت.
للمرء الحقّ بإنكار حياته إنْ هي لم تشبه مُناه، وأن لا يعترف في عباب هذا البحر المترامي وراءه إلاّ بحبّات من الملح وبضع نقاط من البخار.
■■■
الفرار من. القفز، اللعب، الكذب. الفرار من. والفرار من التوقّف طويلاً حتى لا تستوعب فكرة جبنك فيُرديك الوعي. جبانٌ وشجاع. فارٌّ من رأسكَ ولكنْ بتهديم نفسك. هاربٌ ومرتمٍ على نار. هاربٌ ومستهتِر. باحثٌ عمّا يأتي عليك. لذّة وانحطام. وضَرْبُ ذاتٍ حتى الشَفا. الفرار من القفز بميتاتٍ مشتعلة فوق مستنقعٍ أخرس.
■■■
أنتَ قصّة قد تعرفها وحدك، وقد لا تعرفها، ولا أحد يبالي. تمنيتَ الغَمْر، والموج الذي سيجرفك لن يدري بك.
كل هذا الوقت الضائع، ألم تعرف أنه كان سيكون الحياة؟ هذا الوقت الضائع الذي كان تحت يدك، بين شفتيك، ولم تتحرّك لأخذه.
أيها الداخل في غير دوره، الخارج من غير بابه، النازف بلا دم، أيها الحامل أسرار الهباء الى ملكوت الغياب.
ستذهب الى مكان تُسْمَع فيه روحُكَ أكثر. ينتشر غيابكَ في قيلولة السكون لاغياً حسّ الحدود.
مَن كان يَهدي قد يَبْطُل هادياً ولكنّ مَن أحيا سوف يظلّ يُحْيي.
■■■
فَتْحُ فجوةٍ يدخل منها هواءُ عدَمٍ مُحَرِّر.
■■■
الموت في النهار مُحاط.
■■■
الى ليلى
هناك موت يُحرِّر أصحابه، وما أحسبكِ من هؤلاء. لا يؤوب الملاك الحارس إلاّ مهموماً على رعيّته.
كان موتكِ بخَفَره يعتذر لأنك لم تريدي، رغم الأوجاع والخوف، إزعاج أحد. وتلك كانت حياتكِ بأسرها. وظلَلْتِ تجسّدين التضحية حتى هالتْني عظمتها فيكِ وكرهتُها لفرط ما أرتني حقارة أنانيتي.
يا أمّي الثانية، كان وجهي التائه بين يديكِ وأنتِ تُحْتَضَرين، لمّا وضعتِ أناملكِ بمنتهى الرأفة على رأسي ولفَظْتِ كلمتيكِ الوحيدتين بصوت مَن يَحتضن ويؤاسي: "ليش مقهور؟". ظنَنْتكِ حينها لا تعرفين، أو أنك صرتِ في دنيا ملؤها الحبور. والآن أدركتُ أنكِ كنتِ تمسحين رأسي بالغفران.
كي أخفّف عن نفسي أقول: ربما استحققتكِ ذات يوم بالحبّ. ولكن أيّ تخفيفٍ وقد فشلتُ أن أستحقّكِ بممارسته؟ وظَلَمْتُكِ كما لم يظلمْني أحد.
وداعاً أيتها الرفيقة، ليس أجمل من هذه المناداة. رفيقة لرفيق جعَلْتِهِ بكرَمكِ يحْسَب نفسه، بينكما، هو الأقوى، والحقيقة أنه الضعيف الأضعف، ولا يكشف الحقيقة مثلُ انسحاب الحقّ حين يأخذ غطاءه.
لن تغادر عينيّ صورتكِ لحظةَ الفراق: كان وجهكِ مطمئنّاً كما تكون روح الخالق الذي يموت فداء عن خلائقه.
(تموز 2004)
■■■

ميتافيزيك
أن تكون ملاكاً، تبرئة لكَ.
أن تكون شيطاناً هو أيضاً تبرئة لك.
■■■
في مطلع العمر
وبعدما كانت حياتي حتى ذلك الوقت
انتظاراً كاملاً وهائلاً لمجيء الله فيَّ
غضبتُ لأني انتظرتُ ولم يحدث شيء
وخرجتُ من دائرة الانتظار
ولعنتُ نفسي.
...
وفي إحدى الأمسيات
في واحدة من تلك الأمسيات اللطيفة
التي تنسيكَ أن أيَّ شيء على الإطلاق يمكن أن يحدث
أو أن يكون قد حدث
وتركِّز فيك الشعور بأن شيئاً لن يحدث أبداً
وأن الحياة هي هذه الهدهدة المريحة المقطوعة بين الفترة والفترة
بمزعجاتٍ قَدَريّة لن تهزّك بعد اليوم
في تلك الأمسية
جاءني الله
وأنا لا أنتظره
ولا أنتظر شيئاً ولا أحداً
جاءني ولم يعد يفارقني.
...
الحياة هي هذا الاستعداد للّذي قد ينقضي معظم العمر قبل أن يحدث لكنه سيحدث
الحياة هي هذا الاستعداد الكامل والهائل والدائم لحدوث الحياة.
■■■
إذا كان القدَر سيّدنا، فأين النعمة
هل تكون في مقدار الذوق الذي نعيش به القدَر؟
...
الإستسلام هو مِن أعذب أشكال الإيمان،
ولا يُرَدّ له سؤال لو أوتي همَّة السؤال.
■■■
أقول إني ذاهب الى العدم
لكني أظلّ أعلّل النفس بأن أحداً هناك لا يقبض يأسي، وسوف يُعدّ لي مفاجأةً سارّة.
■■■
هنالك بعض الرغبة الشرّيرة في كلّ ارتماء وكلّ "تجديد"، لعلّها تشبه ما كان يعتمل في النفس أثناء عبور حوّاء وآدم من الباب الشرقي في الجنّة الى أسفل الصخرة، في السهل المنخفض، حيث قادهما الملاك المرافق الى هناك بدايةً للمنفى، واختفى.
■■■
إحفِرْ في الهاجس، تابِع الحَفْر،
حتى ينبجس اللبّ من الطرف الآخر.
فإمّا جوهرة وإمّا فرَج الفراغ.
■■■
قارئة وصفتْني بـ"الطائفي" لأني كتبتُ عن قدّيسين وقداسة وعن المسيح إلخ... مع أني تنازلتهم أيضاً أحياناً من زاوية المجادلة والشكّ. ولا مرّة، على كلّ حال، "طائفيّاً". وقد يزيد مؤمن أُصوليّ: ولا "دينيّاً".
لكني أفهم تذمّر القارئة. وقبلها سواها في دنيا العرب (ليبيا، الخليج...). مرّةً سألني أحد الأدباء العرب، في لحظة صدْق: "بربّكَ لماذا أنت مسيحي!؟" يقصد: لماذا أنت مختلف، وتكتب في هذه القضايا "الاغترابية"، عوض أن تكون كالجميع، وإذا كان لا بدّ من التشكيك والتساؤل والكفر فلماذا لا تكونها مسلماً مثلنا بدَل أن تكونها مسيحياً فلا نفهم عليك ولا تزيد عمّن سبقك؟ كان بِودّي. لكنّ الظروف شاءت غير ذلك. ثمّ لو كنتُ مسلماً هل كنتُ حتماً سأُشكِّك وأجادل وأكفر؟ ربّما كنتُ سأرتاح الى الأجوبة المعطاة. ربّما هذا القلق لا منبت له بالنسبة الى شخص مثلي بغير المسيحيّة، مذهب الندم و"الضعف" والثورة عليهما.
أفهم تذمّر هؤلاء الشعراء لأنه يشبه تذمّري من إغراق أدباء عرب في البحث الفقهي أو في فكّ طلاسم اللغة الصوفيّة الإسلاميّة، حيث كاد التخاطب الديني السرّي يخترع لنفسه لغة يريد هؤلاء الأدباء إسقاطها على الأدب المطْلَق والفكر المطْلَق إسقاطاً فيه شيء من الإكراه.
لكني أعود فألجم تذمّري عندما أحاول إقناع نفسي بأن الشأن الفئوي الخاص يغدو إنسانيّاً عاماً حين يرتفع به الخَلْق. وهذا ما حصل للصوفيّة وهذا ما حصل قبلها وبعدها للكتابات الميتافيزكيّة بأيّ دينٍ طافتْ.
لماذا لم أكتب في الإسلام، سألني مرّةً مسلم علمانيّ، فأجبته: حتّى لا أمتدح فأبدو منافقاً، أو أنتقد فلا يتبقّى من انتقادي غير "تهجُّمٍ طائفي". الكلام من خارج، يظلّ طعناً، ولو كان محقّاً. الدين كالذات، لا تُحاكى من خارجها وإلاّ كان الأمر عدواناً. الإسلام يجادله المسلمون أولاً وثانياً وثالثاً. يجب أن يتساوى الموسومون بالأديان في التحرّر كلٌّ حيال دينه أولاً حتّى يستحقّ كلٌّ منهم أن يثور على "الدين الآخر".
الدين اللاحق تنتابه حيال الدين السابق شهوة إلغائه، خصوصاً إذا كان متفرّغاً منه، ولو تظاهر بوفاء له. الدين السابق يشعر، حيال الأديان اللاحقة المتفرّغة منه قليلاً أو كثيراً، بأنه اختُلس وبأنه الأصيل وسواه انقلاب عليه. وعندما تكون الأديان اللاحقة أكثريّة عدديّة والدين السابق أقليّة، وأقليّة متعصّبة وعنصريّة، ينتابها حيال أديان الأكثرية وأكثريّات تلك الأديان شعور الاحتراق والحقد، تغذّيه ذكريات الاضطهاد.
فلنتخيّل تسلسل التاريخ بين اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.
■■■
صخَب الحياة يرافِق الولادة والحَبْوُ الأول يلهي عن إدراك أخطار المشروع.
سكون الموت، قام جسد في منتهى الهدؤ، يقدّم لك الألغاز والأسئلة التي كانت مكتومة بداعي مرور الحياة. في سياق الحياة لحظاتُ نشوة أو دمار أو اجتياز للحدود، ولكنها كلها تشعر في قراراتها بأنها ما زالت هاربة مما تخشى مواجهته. سكون الميت يوفّر لك الركن الصافي حيث لا تحضر سوى الأرواح الحاسمة.
تجلس الى حافة سريره تتأمّل وجهاً لم يعد له نعمة المفاجأة ولا إزعاجها، وعوّض عنها بطمأنينة لا تلبث أن تنقل إليك الشعور الغامض بأنك مهدَّد... بأنك مشبوه أو متّهَم... بأنك نشاز وسط هذا الهدوء.
الصخَب الأول منذ الولادة ينساك حتى النهاية فتحسب أنك حُرّ. وتجلس الى حافة سرير شحص توفّي الآن وينقل إليك سكونُهُ ما يخلْخل طمأنينتك من جذورها.
الميت ينتظرنا بلا استعداد في ثياب عاديّة، من دون مراسم، وبُرْكة من الصمت حول وجهه تتّسع وتتّسع وتَبْتلع.
■■■
يَسمع الموتى. البعض يعرف ذلك. يَشوف الموتى. البعض ارتجف من اختباره ذلك. الموتى لا يخذلون مخاطبيهم، وهم يعطونهم نظرة امتنان مفعمة بحرارة التشجيع. إن خاطبتَهم افتَحْ قلبك فهُم عطاش الى الصدق. وإن نظرْتَ إليهم لا تجزع فعيونهم أجمل من عيون الأمّهات.
الموتى أصدقاء يبتسمون.
■■■

أدب
اللحظات القصوى، ومثلها تلك الدنيا، لحظات الأسى العاصر والكآبة القابضة، لحظات الانكساف والعار، لحظات الإخفاق والانفضاح، هذه اللحظات عندما يعيشها الانسان لا يستطيع أن "يقولها"، وعندما يقرأ عنها قد يجد ما يذكّره بما عاشه منها، ولكنه لن يلقى وصفاً مطابقاً لأصل حالاته. أكثف لحظاتنا تضيع بين هصْر التجربة التي نجتاز، وانرباط اللسان المأخوذ عقله بالمعاناة، والأدب الذي "يَنقل" في ما بعد- والنقْل نَقْل، حتى لو كان لتجربة صاحبه.
تلك اللحظات لا يقولها أحد.
لججٌ أيْتَمُها تائهة تومض فيها، كأرواحٍ تفيض، نجومُ تلك اللحظات المخنوقة.
■■■
الشرّ هو أكثر ما يتأثّر فينا بالجمال. الجانب الخيّر يمرّ عليه ماء الجمال كما ينسكب الجمال على ذاته. الشرّ يتوعّك من الجمال. ينكوي. يُصاب بمرآه إصابة العليل بالشفاء أو المعافى بعلّة. أقوى مَن عبَّر عن لوعة الجمال هذه هم الشعراء الأعظم شرّاً، الأكثر حَمْلقةً في المَهُول وتمزّقاً في الجَمْر وانتهاش الذات.
الشرّ فينا يَقْدُر الجمال كما يَقدُر الشيطان معنى سيّده.
الشذا المنبعث من غرام الشرّ بالجمال هو جواب التساؤل عن ماهية الشعر. بالمقدار نفسه يُصاب الخير بعشق الشرّ الجميل؟ حتى لو أكثر، لن يولِّد ذلك عنده استنارة افتتان الشرّ بالجمال. انجذاب الخير الى الشرّ انحلال، وانجذاب الشرّ الى الجمال، خيّراً أو شرّيراً، وَجَعُ إلهٍ يتجسّد.
الفنّان الشاعر، يَخلق الجمال؟ بل، مع ذلك، هو مَن يؤجِّج الشعور بنواقصه حين يُسلِّط الحواس على شروطه وما يتهدّده.
أكثر من يستطيع تشويه الجمال هو خبيره.
■■■
ومْضة الجمال قد تعوّض عن فقدان الحقّ والخير. ما دامت قضيّة الشرّ مستعصية على الحلّ الميتافيزيكي، فلا يبقى متداولاً غير تفسيراتٍ لها. المشروع الأخلاقي الأزلي محو الشرّ والظلم، محوهما لا تفسيرهما، وخاصة أنّ كل تفسير جديد كان يزيد البشريّة إيماناً بالإلحاد.
جمالُ وجهٍ ألمَحُ فيه ألوهة. هشاشةُ طفل أو عفرَتتُه. انكسارُ عجوز استسلمت الى هزيمتها بلا استعراض لمأساتها، فجعلني تقشّفها أستطلع الضفاف المستترة.
ومْضةُ جمال من وجه عابر قد تسكب في عيون جنود الفرقة المارّة وتستحوذ عليهم وتجعلهم يخونون ولا يَقتلون.
لحنٌ وصوت، وجْهٌ يقتحم ذكرى، عطرٌ...
تُنسى المرارة في لحظة. يُغفَر للخَلْق للخالق للظلم للموت.
الجمال، لا الحق ولا الخير، هو الجواب المتاح على ما يسحقنا.
■■■
ينْفُذ الخيال من لحظة وَهْم الى ما يغدو حقيقة ومِثالاً.
الوهم واقعٌ مرغوب وقصيدة خالدة، ومضحكٌ مرارةً لمَن لا يكون فيه.
لمَن لا يعود فيه، كالشاعر "في ما بعد".
■■■
أنا الذي عرف جنون اليأس وعرف أيضاً سلامه، يحق لي أن أدعو الذات، وكل آخر، أن يتقدّم بما يعطيه أملاً.
إن لم يكن من باب الحكمة والعقل، فعلى سبيل الكَرَم.
■■■
مهما تأخّر وصول صاحب الضوء، فهو يعوِّض، عندما يصل، عن الأوقات التي لم يكن فيها، بل وعن تلك التي لن يكون فيها.
مَن يعزّي المفكّر والعالِم، والفنان، والكاتب... عن كونه يزرع، أيضاً، لمَن لا يحبّهم؟
الزرع الناهد الى الظهور محتاجٌ الى التراب والماء والهواء وحشرات الأرض وأيدي الفلاّحين وأسنان الآكلين، كما هو محتاج الى ما لا تعرفه الأرض عن عطائها ولا العناصر عن فوائدها ولا الفلاّحون ولا الآكلون عما ينتظره الزرع منهم ولا عما يستطيعون أنفسهم.
لولا ما نستعين به ممّا لا نحتاج إليه، لكنّا خسرنا ما نظنّ أننا ربحناه.

* من كتاب يصدر قريباً لمناسبة الذكرى السنوية الثانية لغياب الشاعر في شباط 2016.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني