الحبّ الأول الحبّ الأخير

19 كانون الأول 2015 | 00:00

  • ع. ع.

لوحة لحسين ماضي.

تلقي هذه الافتتاحية بعض الضوء "المتفلسف"، لكن البسيط والمتواضع، على جانب من العلاقات الإنسانية المعقّدة بين الرجل والمرأة، من منطلقات وتأملات شخصية، أنتروبولوجية، وجمالية، غير حيادية بالطبع. جلّ ما في المسألة، أن الكتابة في هذا الباب هي محض تمرين على الحياة، في غمرة المجهول العاطفي والنفسي الذي يعجز الشخص البشري عن الإحاطة بمتاهاته وخفاياه.

كلّما حاول رجلٌ، متذاكٍ، أن يستدرج امرأةً ذكية إلى قلبه أو إلى عرينه؛ بل كلّما حاول أن "يقنعها" بأنه شخصٌ ملائم لشخصها، مختلف عن الرجال، مؤمن بالمساواة، غير ذكوريّ، سويّ، صادق، نبيل، كريم، وأيضاً لا يستطيع أن يحيا من دونها؛ ظنّاً منه أنه قادرٌ بهذه الطريقة أن يكشف عن نقاط ضعفها العاطفية، وأن "يستولي" عليها...؛ سقط هذا الرجل سقوطاً عظيماً من غربال العلاقة المحتملة بينهما، مثلما يتساقط مطرٌ في العراء الطلق، ومثلما أيضاً يفرّ ماءٌ من بين الأصابع.
هذا الرجل، يظنّ نفسه ذكياً خادعاً، فإذا هو خادعٌ نفسه فحسب. بل محض مخدوع!
■■■
لا تحاولْ أيها الرجل. كلّ محاولاتكَ ستبوء بالفشل. المرأة الذكية، لا تتذاكَ معها، وعليها. قبل أن تباشر تذاكيك، تكون هي قد أدركت كلّ شيء، المرئيّ منكَ والمستور. مواهبها التي لا تُحصى، مخزونةٌ في خزنتها. ذكاء عقلها وعبقرية الجسد لديها، قادران معاً على الإلمام بالمصير البشري. بالكاد يفوتها حلمٌ غير مدرَك. بالتأكيد، لا يفوتها ما يراودكَ من أفكار. تخلَّ، يا عزيزي، عن أعباء التفوّق الذكوري. كن على الطبيعة معها. كن أنتَ، فقط لا غير.
إذا كان ثمة حظٌّ لكَ، معها، ففي كونكَ موهوباً بالطبيعة لإرسال الكهرباء إلى الموضع الذي يكهرب.
سوى ذلك، شقاءٌ بشقاء. قلْ: هباءٌ بهباء!
■■■
في المقابل، كلّما عرفتْ امرأةٌ ذكية أنها ذكية، زادت مسؤوليتها الوجودية مسؤوليةً. المعرفة، مطلقاً، هي نعمة. لكنها، أحياناً، عبءٌ يخربط ويضيّع.
كلّما عرفتْ امرأةٌ جميلة أنها جميلة، وقع في بئرها قمرٌ جميل.
كلّما تجاهلتْ أنها جميلة، أشرق من بئرها قمرٌ جديد.
كلّما حاولتْ أن تحفظ جمالها بجمالٍ ليس منه، ولا فيه؛ كلّما اجتهدتْ في أن تضاعف هذا الجمال، باصطناع أحوالٍ غريبة عنه؛ هرب منها، وهي لا تدري، جمالٌ لا يُعوَّض بأيّ جمال.
قد يكون أجمل ما في المرأة الذكية الجميلة، أن "تنسى" أنها جميلة. أو أن لا تبالي بأنها جميلة، لئلا يفسد جمالَها وعيُ إدراكها لجمالها، ووعيُ المحافظة عليه.
امرأةٌ ذكيةٌ جميلةٌ مستيقظة؛ كم يحلو ليقظتها أن تشرب جمالها. كم يؤسف هذه اليقظة أنها لن تستطيع!
امرأةٌ ذكيةٌ جميلةٌ نائمة؛ كم يحلو للنوم أن ينهب جمالها. كم يؤسفه أنه لن يستطيع.
لا الوعي في مستطاعه أن يأسر جمال امرأةٍ ذكية، ولا الحلم. الإثنان، إذا تحالفا، قد يكون في مقدورهما أن يجترحا بعداً ثالثاً لجمالها، هو كيمياء اللحظتَين المتناقضتَين، وهو وارثهما. هنيئاً لامرأةٍ يستطيع جمالها أن يجترح هذا البعد الثالث! هنيئاً لامرأةٍ تستطيع أن ترثه!
■■■
إذا كانت هذه هي أحوال المرأة الذكية الجميلة التي يتخطى جمالُها نفسَه بابتداع بعدٍ ثالث له؛ فماذا يقال عن رجل وُهب أن يحمل عبء جمالٍ خطيرٍ كهذا، وأن يكون أهلاً له، عشيقاً أو لصاً أو شاعراً؟!
لَمسؤوليةٌ كونية أن يحظى رجلٌ ما بـ"خدمة" امرأةٍ، جمالُها هذا الجمال، وذكاؤها هذا الذكاء!
وفق المعادلة نفسها؛ لَمسؤوليةٌ كونية أن تحظى امرأةٌ، جمالُها هذا الجمال، وذكاؤها هذا الذكاء، بمواهب رجلٍ يحمل عبء جمالٍ ذكيّ وخطيرٍ كهذا، ويكون أهلاً له، عشيقاً أو لصاً أو شاعراً!
ضربة نرد؟! لا. أكثر: شيءٌ لا يقابله عندي أيّ تفسيرٍ ممنهج، بسبب الذهول الكوني الناجم عن هذا الحدث.
لكنْ، رويداً. أخطر ما في هذه المسؤولية، أن تُستدرَج مواهبُها إلى غير ما هي عليه، في الذكاء والجمال والشغف والجنون العشقي؛ فيحرفها الرجل مثلاً (أو حتى المرأة النسوية، المبالِغة في تطرفها، ذات النظرة العمياء والتعميمية) حرفاً ذكورياً مقيتاً، حتى ليبدو هذا الرجل كما لو أنه "مخلّص"، أو "إله"، أو "بطل". وحتى لتبدو هذه المرأة كما لو أنها "مخلّصة"، أو "إلهة"، أو "بطلة". لا. كبيرة على رقبة كلّ رجل وكلّ امرأة، أن تُستدرَج مواهب الجمال شبه المستحيلة، التي من هذا النوع، إلى مآلٍ مسطّح، سخيف، ومملّ، أو إلى مستنقعٍ منتن.
كلّ جمالٍ استثنائي لامرأةٍ ذكية، فائدتُه الحياتية والشعرية المطلقة أن يتراكم، وأن يتخطى ذاته، وأن يدهش، وأن يتوالد، فيصير جمالاً ثالثاً، هو كيمياء الواقع والحلم بعد زواجهما. وهو وارثهما. وإذا قُدِّر لهذا الجمال الذكي أن يكهرب الحياة، فليكهربها من طريق رجولة متخلية بالطبع والبداهة عن ذكورتها، كما تتخلّى غيمة عن ذاتها عند صيرورتها دموعاً.
الشيء نفسه، معكوساً، أقوله عن مواهب الرجل، العشيق، أو اللصّ، أو الشاعر، الذي يحمل عبء جمالٍ نسائي خطير كهذا.
■■■

مرةً، وقعتُ في حبّ امرأة جميلة، ذكية. هي لم تعرف أنني وقعتُ، ولا هي عرفت أنها جميلة وذكية. إلى الآن، لا أزال أنا في الحبّ، ولا تزال هي جميلة وذكية.
جمالها الخطير، ليس هو وحده الذي أوقع بي. عينا قلبي، كانتا دليلها إلى نقطة ضعفي، حيث لا يزال بعضي يقاتل بعضي، وحيث نقطة القوة الوحيدة فيَّ، هي نفسها نقطة ضعفي القاتلة.
إنه قلبي؛ صديقي الوفيّ؛ يخدعني على مرأىً ومسمعٍ منّي. يخدعني بمعزلٍ عنّي، أو بـ"تواطؤٍ" منّي، لكنه يظلّ... صديقي الوفيّ!
■■■
وأنتِ أيتها المرأة الذكية الجميلة؛ يمكنكِ أن تخاطري دائماً بذكائكِ الجميل؛ كأن تتركي الليل يعبر بسلام، أو أيضاً أن لا تتركيه، كلّما انشغلتِ بتمريغ قمركِ في أضوائه. يمكنكِ أن لا تَدَعي شيئاً يعكّر صفوكِ؛ كأن تغضّي عن العبث بثيابكِ على مرأىً ومسمعٍ من عتمة السرير. يمكنكِ أيضاً أن لا تشعلي ضوءاً لتشاهدي الحفلة، لأنني كنتُ أقول لكِ مراراً إن بقعة جمرٍ واحدة في وجودكِ لقادرةٌ أن تُحدِث شمساً مهلكة في الجوار، فكيف إذا كنتِ مضاءةً من أقصاكِ إلى أقصاكِ بما لا قدرة للحياة على تحمّل جمره والرنوّ إليه. في مقدوركِ أن تكوني سعيدة، أو لئيمة، مثلما يمكنكِ أن لا تبالي بأيّ ضوء وعتمة. شيءٌ واحدٌ لا تستطيعينه أيتها المرأة الجميلة: أن تمنعي جمالكِ من أن يُحدِث هذه الجحيم!
■■■

من المحرج حقاً أن يخطر في بال قارئ أو قارئة، نعتُ هذه المشاعر والتأملات والأقوال بأنها ذكورية. كيف يسعني أن أشرح الحال، واصفاً ما أكتبه في موضوع المرأة والرجل، بأنه تعبيرٌ جزئيّ متواضعٌ عن الارتباك الكوني الذي يزلزل عقلي، وهو يحدث في أكثر من مكانٍ في الحياة، من جرّاء العلاقات الانسانية. ألا يكفي أن يسجّل العقلُ - لا الشعور فحسب – ارتدادات هذا الارتباك، كي يختلف مفهوم التلقي بين الكاتب والقارئ - القارئة، ثمّ بين قارئ وآخر؟!
لا أعرف لماذا أستحضر في ذهني دائماً، احتمال إحراجٍ كهذا: أن تهبّ امرأةٌ ذكيةٌ جميلة، لكنْ غير مبالية، فتنعت كلامي بالذكورية. يهمّني أن أناقش هذا الاحتمال، فأسأل: هل الوعي، يمكّن امرأةً ذكيةً جميلة حيادية (أو متعالية)، من القبض على حيثيات ما يجري في عتمة العالم العاطفي الموضوعي الذي عند الشخص الآخر، على مقربة، عندما لا تكون مبالية؟
طبعاً، هي تدرك أنها لا تستطيع أن تُحرز جواباً علمياً، دقيقاً وحاسماً، لأنها تعرف بمنطقها الدلالي، أن مبالاة العقل، مخفورةً بأحوال الشخص المعنيّ (كينونته الجسدية)، شرطٌ لازم لتدارك حيثيات الارتباك الذي يحدث في الشخص الآخر.
■■■

هل يحقّ لي أن أستنتج الآتي: كلّما حاول أحدنا أن يفلسف البداهات الكونية، بأستاذية العقل، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاعر هذا العقل، وردود أفعاله الغامضة، حيال مسائل الجمال والشغف والجنس والحبّ، "وقع" الفيلسوف في جور أحكام القيمة، وانتقائيتها، وجزئيتها التعميمية، التي هي ذاتها عملٌ بطريركي ذكوري (نسوي) بامتياز؟!
هذا، أسأله، وأستنتجه استنتاجاً على وجه العموم، فكيف لا أسأله، ولا أستنتجه، إذا كان ثمة في الافتراض المطلق، امرأةٌ ذكية، جميلة، حيادية، أو لامبالية؟!
يحلو لي أن أواصل الاستنتاج، زاعماً أن العقل (الذكاء) لا يستطيع وحده أن يدير الجمال (الجسد)، ولا أن ينفرد بإدراك أحواله.
متواضعٌ (فاشل؟!) هو الذكاء، أمام سطوة الكهرباء التي عندما تكهرب، وتشعل الحرائق، لن يكون ثمّة مَن في مقدور ذكائه الخارق أن يكتم كهرباء، ولا أن يلجم حريقاً في الأرجاء!
■■■

... وأنتِ أيتها المرأة، هل تدركين كم جمالكِ فذٌّ وخطير، عندما لا تعرفين، ولا تبالين؟!

akl.awit@annahar.com.lb

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني