خاتمة

19 كانون الأول 2015 | 00:00

أغتنم مناسبة هذا العدد الأخير من "الملحق"، لتوجيه شكرٍ لا سقف له ولا قعر، إلى أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا والياس خوري، الذين توالوا على خلق هذا المنبر الفريد، وإدارته، واستمراره الأبيّ الكريم، وأتاحوا لي، كلٌّ في شخصه، وعهده، وعلى طريقته (خصوصاً الياس خوري والفريق المتألق الذي عمل معه)، أن تؤول إليَّ، موضوعياً، هذه الأمانة، وأن أكون - تيمّناً بهم - وارثاً هذه الجوهرة، وأميناً عليها، وحارساً لكينونتها ومعناها.

طوال واحدٍ وخمسين عاماً من الاختبارات، صنع "الملحق" إرثاً عظيماً في ثقافة الرفض والخلق والحرية، موسّعاً فضاءات الحداثة الأدبية والفنية والإنسانوية، ومحفّزاً لها. إرثه هذا، بدأ طليعياً، خلاّقاً، حرّاً، رافضاً، شجاعاً، وعالي الرأس. واستمرّ يولد مختلفاً ومتجدداً. ويجب أن ينتهي هكذا.
الآن، إذ تصل هذه التجربة الرائعة إلى خواتيمها، ولأن لـ"الملحق" هذا، أقداره وأعماره وخواتيمه، فإنني أعلن مشقة الاستمرار، واختتام عملي فيه. ومثلما كنتُ أميناً على البدايات، وعلى المراحل، ها أنا أمينٌ في هذا العدد الأخير، على شهامة النهايات، وكبريائها، سائلاً كتّاب "الملحق" وقرّاءه و"مواطنيه" على السواء، أن يروا في هذه الخاتمة عنوان ضوءٍ لكفاحاتٍ ثقافية وإنسانوية متواصلة، بأشكالٍ وأساليب وظروف مختلفة، ترفض حضارة اليأس والقتل والظلامية والجثث، وتأبى ثقافة الأمر الواقع والانزلاق إلى السهولة والتسطيح والأمية، شاهرةً ولاءها الدائم للغة الأمل والخلق والتمرد والسؤال والحبّ والحرية.
في هذه الخاتمة ينبغي لي أن أختم بشهادتَين لا بدّ منهما:
الأولى، للفريق المجهول المعلوم الذي عملتُ معه، فريق الكاتبات والكتّاب والفنّانين الفرسان، "قطّاع الطرق" الأحرار النبلاء الأشاوس الأجلاّء الميامين الفقراء لكن الأغنياء العقل والقلب الذين لا عدّ لهم، ولا وصف يليق بهم، ابتداءً من هنا، من لبنان وسوريا والعراق خصوصاً، إلى اليمن وفلسطين والأردن وليبيا والمغرب والجزائر وتونس ومصر والسودان وبلدان الخليج العربي، والمنافي ودول الشتات في العالم...
الثانية، للقارئات والقرّاء الذين أعطوني ما لا يُستطاع إيفاؤه. أعطوني المعنى والعناد والمثابرة والرفض والأمل والتحفيز والشجاعة والفروسية، وفي أحيانٍ جمّة رحيقَ الحبر الذي جعلني أنهض مراراً من العثرات لأواصل السير عكس اتجاهِ الموت... وإن وصولاً إلى النَّفَس البهيّ الأخير. من هؤلاء، أصحاب الأيادي البيض، المجّانيون المجهولون، الذين أفاضوا على "الملحق" قوة الاستمرار بكرامة.
إلى أولئك الذين صنعوا بدايات "الملحق"، وإلى هؤلاء الذين أينعوا في ربيعه وصيفه، وظلّوا يلمعون ذهباً صافياً في أوان القطاف، إلى "قطّاع الطرق" الأدباء والفنّانين، وإلى القارئات والقرّاء، أرفع القبعة ليكون الانحناء احتفالياً على طريقة أريستوقراطيي الروح وبأسلوب الذين يقاومون ببروق الكلمات.
وها أنا، تيمّناً بأعراف الكبار، أُغلق الصفحة، وهي ذات أنفة، لنولد - ولا بدّ - من جديد.

akl.awit@annahar.com.lb

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard