حليم جرداق دورُهُ اضطلع به منذ زمن ولا يزال أحبّ "شغل" هذا "المعلّم" وأنا فخورة بأنه فنان من لبنان

8 كانون الأول 2015 | 00:13

يظل اسم الفنان حليم جرداق مرتبطاً بالحركة الفنية الحديثة منذ نحو أقل من قرن بقليل، هو الذي ولد في العام 1927. وقد عرفته فنانا قبل ان اتعرف اليه شخصيا في اوائل الستينات، وكان الجميع يقول إن افضل فنان "غرافور" في لبنان هو حليم جرداق،وانا اضيف الان: ولا يزال. "غاليري جانين ربيز"، الروشة، تعرض مجموعة من "اعماله المميزة"ابتداء من يوم غد 9 كانون الاول إلى نهاية السنة.

غاب حليم جرداق لسنوات عن المساحة الفنية وانكفأ عن اللقاءات بين الرفاق ولم نعد
نراه او نتصل به، وها هواليوم يعود الى الواجهة، ونحب هذه العودة ولو متأخرة. أعماله بعضها على ارض الصالة الفسيحة وبعضها معلق على الجدار، والبعض الآخر ينتظر التفاتة خاصة لتنال اهتمام نادين بكداش صاحبة الغاليري او الزميل الفنان هنيبعل سروجي المستشار الفني الذي يعلق بالكلام وبالحركة هذه المحفورة او اختها باقتناع ظاهر على وجهه. احب الاعمال المصفوفة ارضا وهي ملتصقة بالجدار. انتقل من واحدة الى اخرى.هذه سوداء والاخرى خضراء. هنا الوان لا احب كثيرا وهناك الوان تفرح عيني. اتمشى في القاعة. اتحادث مع حليم. اسأله الكثير من الاسئلة. اناقشه. ارفض جوابا في عمل. اجتازه. اتوقف واعود ادراجي لأسأله: "يا عمي، يا حليم، لماذا وضعتَ هذه الخطوط الجارحة للنظر والاتية اليّ من وراء حادثة كانت ربما مؤلمة. لماذا خربشت هذه اللوحة التي كانت تمثل اغراءات لونية طفولية؟". ثم اجد الالوان الفرحة تميل الى صبغات الازهار البرية وتوحي بتكاوينها وهي مرسومة بالاقلام الطبشورية او بملصقات ذات اشارات هندسية مختلفة، وألمح منظراً شبه ممحو وكان آتٍ من بعيد في الزمن والرؤى.
لم يترك حليم جرداق فكرة او مشهداً او عنصراً في الطبيعة او تكويناً يحتاج إلى التصحيح الا وتعاطى معه كأنه المنبع المناسب ليدخل النوموكلاتور الجرداقية بامتياز.
نعرف جيدا ان هذا الفنان الكبير لم يكن من النوع التي يتباهى بإنجازاته ولا بنجاحاته مهما كانت نظرة الفنانين او النقاد او المثقفين الذين يجمعون في غالبيتهم على الاعتراف بأنه فعلا الفنان الذي لم يتبجح مرة بالجوائز التي نالها هنا وفي باريس ايام الدراسة وايام مشاركاته في المعارض التي كانت تنظم في عواصم عدة، عندما كانت وزارة التربية ترسل نتاجاتنا الفنية الى الخارج بفضل رئيس قسم الفنون الجميلة التابع آنذاك لوزارة التربية، وكان وقتها الصديق الشهيد الذي كان يوقع مقالاته اللاذعة في جريدة "العمل" تحت اسم "ابو الحن"واسمه الاصلي كان فؤاد حداد. وهو دفع ثمن تلك المقالات بالخطف والتنكيل والقتل والرمي في بئر مهجورة ايام الثورة التي حدثت ضد رئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون في العام 1958. ثم خلفه الصديق الراحلالناقد والكاتب والمؤلف المسرحي واستاذ الجماليات في الالبا (الاكاديمية اللبنانية)جوزف ابو رزق. تجب الاشارة الى ان هذه الدائرة كانت من انشط الدوائر الرسمية وساهمت في نشر المعلومات عن الفنون الجميلة منذ نشأتها على أيدي فنانين كبار امثال حبيب سرور ويوسف الحويك ومصطفى فروخ وعمر الانسي وسواهم.
الفنانون الذين وُصفوا بأنهم أصحاب الحركة الفنية الحديثة، كانوا قد ارسلوا الى فرنسا حيث وقفوا على التطورات الفنية على أيدي فنانين اصبحوا من اشهر الاسماء في القرن العشرين. فتعرفوا إليهم ودرسوا على أيديهم في اشهر الجامعات ونالوا الشهادات والمعرفة والجوائز، وكان حليم جرداق من الذين تكرسوا،فنال الاعتبار والمكانة، ومنحالجوائز كأبرز الحفّارين (غرافور) في فرنسا.وما ان عاد الى بيروت حتى تابع تألقه في مجال الحفر، لكنه اهتم ايضا بكل وسائل الفن التزييني والمتنوع، فأنجز اعمالا عديدة في مجال الالصاقات والتلوين بالاقلام وصب الأنصاب والمنحوتات والتماثيل، وانتج الالواح النحاسية مشغولة ومنقوشة وذات اشكال هندسية لافتة.
لم يكن جرداق من النوع الذي يعجق الدنيا بما يبرع فيه ولا من "الفشاطين" الذين يملأون الدنيا بإنجازاتهم بل كان ولا يزال وديعا ومحباً ومشجعاً لكل من ينجز اعمالا لافتة تستحق التشجيع.
جارى كل الاساليب وتفرد في بحثه عما يرضي عقله – خصوصاً عقله - وذهب في اختباراته التشكيلية في اتجاهات عدة جريئة، ولم يهتم بالانتماء إلى مدرسة فنية.تأرجحت أعماله بين المواضيع الهندسية المجردة والهيئات البشرية الململمة او المتقوقعة على ذاتها. الوانه كانت احيانا صارخة ووقحة وصب فوقها تحولات سوداوية فيها الكثير من الخربشة كأنه يريد القضاء على ما كانت عليه عندما اخترعت في البداية، أوكأن مقصلة ما حكمت عليها بالاختفاء تحت طبقات من الخطوط المزيحة في كل الاتجاهات.تساءلت مرارا لماذا ينتقم حليم هكذا من اعماله وإلى اليوم لم اجد الجواب.
فجأة تعود إليه "قريحته"فيرسم كالطفل تلوينات لا معنى لها مباشراً،
انما تذكّر بثياب الامهات ايام الاعياد في القرى اللبنانية.ثم ينتقل الى تجسيدات فيها الكثير من الحنان، لا هوية مفصلة لها ولكن شكلانيات تذكّر بتمارين اكاديمية خسرت توهجها وحلت مكانها بقايا خطوط موزعة بخجل في وسط ارض موحدة اللون وبالكاد نرى تموجاتها القليلة.
اعود الى الحفريات.انه حقا "المعلم". لم ار مرةً حفريات نفذها فنانون منذ 50 سنة وربما اكثر، تفوق في مهنيتها وبراعتها ضربات حليم جرداق وتخطيطاته ونقوشه وتشكيلاته. احب ان اختم احيانا مقالتي بكلمة احب "شغل"حليم جرداق وانا فخورة لأنني اعرفه منذ قبل الذاكرة.

laure.ghorayeb@annahar.com

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard