رشة ملح - تصفير العقل العربي

28 تشرين الثاني 2015 | 00:00

اِعتاد العقل العربي بشكل عام أن يعيش على النشوة، نشوة الماضي أو نشوة الحاضر، لا فرق، نشوة السكر أو نشوة الصحو، لا فرق، نشوة الهزيمة أو نشوة النصر، لا فرق. هو عقلٌ تحكمه عُقد التاريخ أكثر مما تحكمه متطلبات الحاضر ومقتضيات المستقبل، عُقد التاريخ المدسوس والناقص والمفقود والمزوَّر والمخفي والمؤوَّل بسوء أو بحسن نية. العقل العربي، الذي صار، كما قال المفكر العربي ياسين الحافظ، "كبرميلٍ بلا قعر، لا يجمع ولا يراكم"، عقلٌ يحكمه التيه والضياع. كلما تقدم الزمن، ازدادت فجوة التاريخ فاتسعت رقعة ضياعه وارتفعت شواهد عجزه. عقلٌ كفَّ عن الاستقراء والاستنباط فاسترخى على مخدة التلقي والتبعية والكسل. عقلٌ ترهبه كثرة "المقدسات" التي تحيط به كالأسلاك الشائكة. هو سجين ذاته، حبيس عطاءاته، يقتات على طحالب الجمود، يقتل بذور الحرية ولا يسمح لها بأن تنبت. خادم الشريعة، نقيض الحكمة، خصم التغيير، عدوّ التجديد، صديق الاجترار، وعبد الوعيد. عقلٌ إذا جلس صاحبه على كرسي أو خلف طاولة، توهم أنه يمتلك الدنيا، وإذا اعتلى منبراً أو صاح من مئذنة، توهم أنه يمتلك الدنيا والآخرة معاً. عقلٌ طغى عليه الأفاقون والدجالون وذوو العاهات الفكرية وأرهبه المتعطشون للدماء وحفارو القبور الجماعية. يبرر الجريمة في مكانٍ ويدينها في آخر، يحب الشطارة بمفهومها الاحتيالي ويستعيض بها عن الصدق والأمانة، يبهره الذكاء فيقدمه على الأخلاق والفضيلة، يطير بريشة المصلحة الفردية ويتعثر بجناحي المصلحة العامة، يتخلص من اقتناعاته بالحيل "الشرعية" ويعود إليها، متى شاء، بالحيل "الشرعية". ملتبس، يجانب الوضوح إن لم يتعمد الغموض، ينساق أمام التحريض وينهزم أمام الغرائز، تقوده الرايات وتطحنه الثارات، تأخذه الحميّة كل مأخذ وتسدّ عليه البداوة كل منفذ، مطية الغرور والتعصب والانغلاق والجهل بالقريب قبل البعيد. إذا أراد العُلى اختار التعالي الأجوف، واذا ابتغى مقاماً لبس ثوب الغطرسة. منتصرٌ في ظاهره، مهزوم في داخله، أريحي سعيد على السطح، مأزوم في عمقه والجوهر. عقلٌ "لا توسط" عنده، فقد "الصدر" ولم يغادر "القبر". عقلٌ كهذا لا يمكن أن يتقدم إلى أبواب الحاضر أو يدق أبواب المستقبل من دون أن يجري تصفيره ليتخلص من نفايات الماضي وأحقاده والضغائن.
■■■

تجّار الهواء
ماذا لو استطاع أقوياء الناس الاستحواذ على الهواء واكتسبوا بالقوة حق تسويقه وبيعه، في قنانٍ كقناني الماء مثلاً. هل في استطاعة التلميذ الذاهب من البيت إلى المدرسة احصاء عدد القتلى الذين سيموتون اختناقاً، لأنهم لم يحصلوا في اليوم السابق على قنينة هواء؟ هل يتنازل المستحوذون عن "ملكيتهم" إذا رأوا القتلى في الشوارع؟
صانعو الحروب وصانعو الأسلحة، كما تجّارها؛ المستبدون مهما تعددت ألقابهم ومراتبهم السلطوية؛ الموهوبون بإطلاق الخطب النارية؛ المعتقدون بالتكليف الربّاني؛ الموهومون بامتلاك الحقيقة المطلقة؛ المزعومون من جنود الله وأنصاره وأحزابه وحركاته السياسية؛ هؤلاء جميعاً وغيرهم من الزبانية والمتاجرين بالمشاعر الإنسانية، هم كمن يستحوذ على الهواء، والناس تموت اختناقاً، في الشوارع.
■■■

الحرية للجميع
لا شيءَ أثمن من الحرية. كلامٌ مكرر يقوله الجميع، الظالم والمظلوم، ويسعى إليه الجميع، القاهر والمقهور، لكنّ بلوغه، من الجميع لا يمكن إلا بإيمان الجميع، أو الغالبية العظمى، بالتعددية، فكراً وممارسة، ولا يستقيم تطبيقه في البنى الإجتماعية والسياسية، ما لم يتم تطبيق قانون التعددية في البيت والمدرسة والشارع وكل مكان يجتمع فيه فردان، وصولاً إلى مؤسسات الحكم وأدواته التي يتشكل منها، مروراً بالإعلام والمسرح والشعر والموسيقى وكل ميادين الثقافة، وقبل كل شيء استقرار هذه "السنّة الكونية" في عقول رجال الدين وبثها من خلال الخطاب الديني الدعوي. جوهر الإستمرار والتقدم الفعال هو الإختلاف والتعدد. تحقيق الحرية للجميع لا يمكن بغير ذلك.
■■■

الإرهاب وثقل الأسئلة
تتباين ردود الفعل الأقليمية والدولية ويختلف حجم التغطيات الإعلامية ونوعها بين عمل إرهابي يحصد أرواح الناس في بغداد وعمل ارهابي يحصد أرواحهم في بيروت، وبين الاثنين وآخر في السعودية أو الكويت، كذلك بين عمل إرهابي في عاصمةٍ من عواصم النفوذ العالمي وبين آخر في مالي، نيجيريا، باكستان أو غيرها من بقاع الدنيا، ثم يسألونك: لماذا تختلف ردود الفعل على ما يحصل عندنا عما يحصل في باريس؟ الجواب: لو أن السياسة لم تستلب الإنسان، لو كان الرفض والإدانة من منطلقات فكرية مبدئية حضارية، لو كان الإنسان قيمة عليا عند الجميع، لو انتسبنا حقاً إلى الله واعتنقنا المحبة، لو حافظنا على صفائنا الروحي وابتعدنا عن الحقد والكراهية، لو لم يغلبنا التعصب وتجتاحنا الأنانية، "لو أنّا - كما يتمنى الشاعر سمير الشوملي- نغسل في القلب أيادينا، نخلع عنا ثقل الأسماء، يرحل منا الواحد في الآخر، نسري، دون حدودٍ في كل الأشياء..." لو أنّا هكذا، لما كان الإرهاب وما كان ثقل الأسئلة.
■■■

كلّن...
يتبرأ التكفيريون من خصمهم "التكفيري"، ويهاجم الطائفيون خصمهم "الطائفي". يدين الفاسدون خصمهم "الفاسد" ويلوم الانتهازيون خصمهم "الانتهازي". يسبّ الديكتاتوريون خصمهم "الديكتاتوري" ويطالب المجرمون بالاقتصاص من خصمهم "المجرم". يدين قادة الميليشيات خصمهم "الميليشيوي" وينتقد المتجاوزون على الدولة وقوانينها سلوك خصمهم "المخالف للدستور". كلّن، وليس على المستوى اللبناني فقط.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard