رأي - قراءة جديدة للعلاقة بين الشرق والغرب بعد حوادث باريس

21 تشرين الثاني 2015 | 00:00

قلائل في العالم العربي، والغرب طبعاً، يعرفون أن منطلق نظرية "صدام الحضارات" التي اشتهر بها المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون سبق ان كتب عنها المفكر المغربي المهدي المنجرة (1933-2014)، وهو اقتصادي وعالم اجتماع مغربي اشتهر في اختصاص "الدراسات المستقبلية" وترأس الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية بين 1977 و1981، وهو مركز تفكير وبحث لا يشبه الذين يحتلون شاشات التلفزة للتنجيم وتوقع ما سيحصل، ويسجلون أعلى نسب المشاهدة وفق الشركات الإحصائية صاحبة الاختصاص في تصنيف البرامج والضيوف وقدرتهم على الجذب والاستقطاب. وغالبا ما يحظى من ينتمون الى فئة التهريج السياسي بنسب المشاهدة الأعلى!
مهما يكن من أمر، فإن المفكر العربي الراحل أصدر العديد من المؤلفات ابرزها: من "المهد الى اللحد"، "مسار الكفر"، "الاهانة في عهد الميغا إمبريالية" وسواها من الكتب. طبعاً، هذا لا يلغي ان صموئيل هنتنغتون قد عمل على إنتاج نظرية متكاملة، فصّلها في كتابه الذائع الصيت الذي تُرجم الى عشرات اللغات وطبعت منه ملايين النسخ والذي تناقض في جوهره مع نظرية "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" التي تقدم بها فرنسيس فوكوياما، وقد عوّض الأخير هذا الأمر بإصدار مؤلف ضخم عن "أصول النظام السياسي" عاد فيه قروناً الى الوراء شارحاً ومفصلاً بدايات الإنتظام السياسي والإجتماعي.
النقاش الآن لا يستهدف المفاضلة بين أصحاب النظريات الفكرية والفلسفية الكبرى، أو التمييز بين مكوّناتها، بقدر ما يرمي الى البحث في مدى إنطباقه مع واقع الحوادث الدولية المتسارعة ولا سيما بعد إعتداءات باريس في 13 تشرين الثاني، التي ستشكل منعطفاً أكيداً ليس على المستويين السياسي والأمني فحسب، بل على صعيد تعقيد العلاقة الملتبسة أصلاً بين الغرب والشرق، إذا صح التعبير؛ من دون الإقرار بأي شكل من الأشكال أن الشرق يُختزل بالتنظيمات والفصائل المتطرفة وان تلك المجموعات هي التي تمثله. في هذا المجال قد يكون من المفيد العودة الى كتاب "الاستشراق" الشهير للمفكر الراحل إدوارد سعيد الذي وضعه في العام 1978 وحاول قراءة تعقيدات الشرخ وخلفياته ومسبباته بين الشرق والغرب.
لكن، ما هو الخط الفاصل بين هذه الإشكاليات التي أخذت تعبّر عن نفسها في أشكال عنفية آخذة في التوسع، تقابلها موجات من الحقد والكراهية آخذة في التعمق ضد العرب والمسلمين؟
لقد أشارت إحدى الدراسات التي نُشرت مطلع العام الجاري الى أن نسبة المسلمين من سكان برشلونة بلغت 30 في المئة، وفي ستوكهولم 20 في المئة، وفي أمستردام 25 في المئة، وفي لوتن (المدينة الثالثة في بريطانيا) 50 في المئة. ونشرت الدراسة أيضاً تقارير مستندة الى معلومات استخبارية حول أرقام الأوروبيين الذين غادروا بلادهم للقتال في سوريا، وهي كانت موجة آخذة في التصاعد التدريجي، ولا سيما مع انسداد آفاق الحل السياسي في سوريا وبلوغه ذروة تعقيداته مع التدخل الروسي على خط القصف الجوي.
اذا كان ثمة نيات أوروبية مبيتة في المراحل الأولى للنزاع السوري للتخلص من عناصر التطرف الموجودة في بلدانها عبر "تسهيل" انتقالها الى سوريا، فإن هذه السياسة أثبتت عقمها وتأكدت بالبرهان القاطع من خلال حوادث باريس الأخيرة التي تضمنت رسالة واضحة بأن الغرب بعواصمه ومدنه ليس بمنأى من تداعيات ما يحصل في الشرق الأوسط وتحديداً في سوريا.
ان الهوة بين الغرب والعالم العربي والإسلامي سوف تتعمق وبسرعة كبيرة ما لم تع تيارات الإعتدال الأوروبي ان التمييز ضروري بين الإسلام والمسلمين وبين المجموعات المتطرفة التي تنفذ العمليات الإرهابية في الشرق الأوسط وحول العالم. كما أن عدم تأكيد هذه التيارات المعتدلة المبادىء والقيم الأوروبية في الحرية والمساواة والأخوة التي كانت الثورة الفرنسية (1789) طليعية فيها، سوف يفسح المجال أمام صعود اليمين العنصري في معظم أوروبا من خلال استنهاض نظريات فاشية وعنصرية قد تصل الى حد المطالبة بطرد المسلمين أو بفرض قيود عليهم للحد من حريتهم وحركتهم وحقهم في التجمع والتعبير عن رأيهم السياسي.
غني عن القول إن المهاجرين السوريين الذين فضلوا قوارب الموت المطاطية على البراميل المتفجرة وقصف الطائرات ولجأوا الى أوروبا التي رأوا فيها ملاذاً آمناً، سيكونون أول من يدفعون الأثمان الباهظة من خلال سياسة الأبواب الموصدة التي سرعان ما سيبدأ تطبيقها خوفاً من الإرهاب.
تحتاج مسألة العلاقة بين الشرق والغرب الى قراءة جديدة بعد حوادث باريس، ولا سيما انها ستقع في المزيد من الإشكاليات النظرية والعملية على حد سواء. لعله بات من المفيد التفكير عربياً في سبل مواجهة هذا الواقع المأسوي المستجد بما يتعدى بيانات الإدانة والإستنكار، وذلك يتطلب أيضا من الغرب أن يخاطب العرب بغير لغة النفط والطائرات والقصف ومصالح الشركات المتعددة الجنسية العابرة القارات التي تبقى مصالحها فوق كل اعتبار!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard