كتاب - "النوم الأبيض" لجنى نصرالله: حالات متوالدة لامرأة في نساء

21 تشرين الثاني 2015 | 00:00

"النوم الابيض" باكورة جنى نصرالله الروائية أدخلتها عالم الرواية الواسع من بابه المطل على تفرعات طرق يؤدي كل منها الى قصد ترتجيه وتعمل على تحقيقه.

تتداخل شخصيات الرواية بين نوى الكاتبة، والراوية التي قد تتبدل أسماؤها، والبطلة التي بلا اسم وتتلطى خلفها المؤلفة، في رواية شاءت تعقيد اسلوبها للتعبير عن تعقيد المضمون، بما هو نساء بالجملة، او امرأة واحدة وصديقاتها في مجتمع يعكس تعقيداته أولا في الاختلافات الدينية قبل الطبقية، وأضافت الى التعقيد حياة المساكنة مع صديقها.
امرأة تعيش في الوحدة – والوحدة مخيفة – هواجس تتراكم على مرّ السنين بدءا بشعورها بوطأة الزمن عليها، جمالا وجسدا ونفسا، حتى ادراكها واقع أن وحدتها على نتيجة قرارها ومساكنها أنهما لا يريدان أولادا، واستدراكها أنها تجاوزت الاربعين ولم تنجب ولدا يملأ حياتها وتجده بين يديها يلهيها عن هواجسها التي تتراكم وعن شطحات الخيال وأضغاث الاحلام، وهي وحيدة، "ينتصف النهار وقد تغيب الشمس من دون ان تكون قد تفوهت بكلمة بعد. تصرخ أحيانا لتتأكد من انها لم تخسر صوتها من قلة الاستعمال".
تمكنت من تحليل نفسية هذه المرأة مستندة الى ما تعبّر عنه النساء في جلساتهن، والى تجربة شخصية أخذت تدور في رحاها، فيتشابك المونولوغ الداخلي الذي يعبّر عما يعتمل في النفس بالافكار المتوالدة من تجارب النساء الأخريات، ليسري شريط أحلام اليقظة في مجرى لا يتوقف حتى نهاية الرواية. كتبت: "يعاودها الكابوس الذي راودها على شكل امرأة في عقدها السابع تقف قبالتها، تحدّق فيها، لا تحيد بنظرها عنها، تقلدها في كل خطوة او حركة تقوم بها، كما لو كانت تنظر في المرآة، ولكن لم تكن ثمة مرآة، ثم ان المرأة التي تراها مسنّة، هل هي احد تداعيات اقامتها شبه الدائمة في المرآة؟".
جمعت كل ما يتعلق بالمرأة في تقدمها بالعمر وما يعكر مزاجها سواء بالكلام او التصرف او السلوك او النوم أو اليقظة. سواء طاول جسدها او عقلها او نفسيتها. كأن الرواية مجموعة اقاصيص تكشف عن حالات المرأة النفسية في أوضاع مختلفة، أو أنها المرأة نفسها في مراحل عمرية مختلفة. وتستعيد بتيار الوعي ظروف حياتها واسقاطاتها الفكرية وتقلباتها النفسية في كل مرحلة.
لا يخفي التنقل بين الكاتبة والراوية والبطلة انها جميعها يربطها خيط رفيع هو الذاتية، أي الذات ترى ذاتها انعكاسا في مرآة الحياة أو تقلبا في مراحل او صورا في أحلام. وحين تكرر المرأة وقوفها امام المرآة، يكون الشيب قد غزا نفسيتها قبل رأسها، وتكون أحلامها صيّرها القلق كوابيس ليلية.
وحين تتلبس المؤلفة شخصية بطلة روايتها تصبح حياتها أكثر تعقيدا مما هي لامرأة في منتصف العمر بدأ الوهم يخط في دماغها قبل الشيب في رأسها، وصارت أوهامها أعمق من أفكارها. فهل تعيش الكاتبة في عِقدها النفسية مطلقةً العنان لبطلة الرواية كي تنفّس عن عِقدها بالعلاقات الجنسية؟
يبدو أنها تبادل بطلة روايتها المشاعر، وتعبّر عن مشاعرها هي، إذ تقول: "ليست هذه هي الحياة التي رغبت فيها لبطلتها، ولكنه القدر، الذي لم، ولن تستطيع أن تتدخل فيه، أو تعدّل مساره، أن تجمّله أو تجعله أخف وطأة على الأقل".
إن أبطال الرواية هم شخوص من لحم ودم، إذ يتجسدون في فكر القارئ على هذا النحو وقبله في فكر الراوي. "أوهمت نفسها أن الاسماء ستفك أسر أبطالها، ستجعلهم أناساً من لحم ودم، ستطلقهم الى حياتهم بعيداً عن حياتها، هكذا ظنت وكأنها المرة الاولى التي تكتب فيها رواية. كأنها تجهل ان غياب الاسماء ليس تفصيلاً عرضياً ولا بد من أنه حصل ويحصل لسبب، أو لعلها تغفل ان ما تختبره في هذه الرواية أعمق واشد تعقيداً من لعبة اسماء لن يلغي حضورها قلقها، ولن يولده أو يضاعفه مجرد غيابها".
هل اخفاء اسم البطلة القصد منه ملء مكانها بأي اسم آخر أو باسم آخر محدد؟
تعبر في الرواية شخصيات مهنيّة تتلبس بطلة الرواية فترى الى نفسها مذيعة أو قاضية وهما شخصيتان توحيان الاستجواب والاستنطاق، وهذا يجعل شخصيات الرواية تتوالد في الأسئلة والأجوبة، ويتداخل بعضها في بعض متلبسة دور الراوية أو البطلة أو صديقتهما، أو حتى امراة سمعت قصتها فتأثرت بها وتبنّتها.
قد ترى القارئة – تحديداً المرأة – حالة أو جزءاً أو افكاراً أو حركة أو مساراً من حياتها في هذه الرواية، فهي رواية امرأة عن امرأة لامرأة. قد لا تكون نوى الكاتبة – وهي غير المؤلفة – تتبنى المقولات التي توردها على ألسنة شخصيات الرواية، معظمها على الأقل، لكنها تثبتها كمحصلة لعقلية مجتمع بحسب اتجاهاته الحالية، لم يغادر مفاهيم المرحلة العشائرية، التي لا يزال الاجتماع العربي محكوماً بها، دون قيمها. وتخبط انسانه بين ماضٍ ارتحل ولم يرتحل، وحاضر زمني لم ينوجد. وتنتقد عادات نسائية وعقليات وتقاليد وأنماط معيشة تفرضها طبقة اجتماعية على أخرى أو ديانات أو ثقافات غالبة أو حضارات مسيطرة، فتسقط مفاهيمها وأدوارها على نساء لبنان.
إذا سار السرد في خط تقليدي لنمط الرواية الكلاسيكية، فإنه يخرج الى المبالغة، مثلاً كان صدرها يصل قبلها بنصف ساعة! وأخرجت أحياناً خطاب النص من لغة الرواية الفصحى الى عبارات شعبية تعبّر غالباً عن السخرية والهزء – والهزء بالنساء حمّال أوجه – مثلاً "كان شعرها منفوشاً كالدجاجة فبدت بعد غسله أشبه بالصوص المبلول، وتلك يشبه رأسها المغطى بأوراق الالومينيوم صينية طعام جاهزة للدخول الى الفرن لطهوها، وثالثة كأن صاعقاً كهربائياً صدمها فأوقف شعر رأسها...".
تتفاعل جنى نصرالله بتلقائية مع قفشات نقد وسخرية من شخصيات اجتماعية واعلامية. وهي تبرع بهذا الاسلوب المعبّر عن شخصيتها. تعكس لغة الرواية لغة المؤلفة نفسها، بعبارات ومصطلحات، عفو الخاطر، من دون تجميل أو تهذيب – أقصد لغوياً وليس أخلاقياً - إذ قلّ ما ترد في الرواية عبارات خادشة للسمع أو النظر، لكنها إذ تتقن وصف حالات المرأة النفسية، لا تغفل افتتانها الجسدي بتفاصيل جمالية. مثلاً المؤخرة "لن تحصل على أفضل مما عندك، مؤخرة جي. لو."، والثديان "ثديا باميلا اندرسون". حتى الحلمة: دائرتها، لونها، نفورها...
الاشكالية التي عَبَرت بها الرواية ختمت بحلّ يستسلم للقدر، والأسئلة الوجودية عن الحياة والموت والخوف من الغيب، بل من النسيان، تُركت لأقدارها من دون اجابات عنها. لكن لماذا علينا أن نقلق لذكرانا بعد الموت؟!

joseph.bassil@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard