لبنان " الرسالة " يحجب حق المرأة في منح جنسيتها لعائلتها

17 تشرين الثاني 2015 | 00:00

لم تكد أقدامنا تطأ ارض المطار حتى سمعنا خبراً مفرحاً وهو ان موضوع إلغاء التمييز ضد المرأة في قانون الجنسية قد وضع على طاولة البحث على لسان النائب باسم الجسر، لكن فرحتنا الطفولية لم تكتمل، فقد انبرى وزير الخارجية ليصحح بالقول إن مشروع قانون استعادة الجنسية لن يشمل النساء. وتراجع النائب باسم الجسر باسم تيار المستقبل عن مشروع حق النساء في اعطاء جنسيتهن لاولادهن.

كيف يستقيم هذا القول مع الصراخ الذي يصم الآذان حول تطبيق الدستور، ومواده التي تشير صراحةً إلى المساواة بين المواطنين (المادة7) وكيف يستقيم هذا القول مع التغريدة الأزلية حول فرادة لبنان ورسالته الحضارية. لنعترف نحن النساء أننا لا نزال مقصّرين تجاه انفسنا، وعلينا ان نأخذ بنصيحة نيتشه الداعية الى الانعتاق في المقام الاول من ربقة الاشفاق على النفس. نعم الاشفاق على النفس هكذا أستطيع ان اصف موقفنا من التمييز الذي لا يزال يلف حياة النساء من المهد، وربما قبل ذلك، إلى اللحد.
كنا معاً الوفد الرسمي الذي حمل الى جنيف تقريره الدوري لمناقشته امام لجنة مركز المرأة، ووفد آخر من المجتمع المدني حمل معه تقريراً يلقي الضوء على ما انجز من تقدّم في مسار اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة في لبنان. كان علينا نحن الذين قدمنا تقرير الظل أن نكشف اماكن الخلل التي تعتري القوانين التي تميز ضد المرأة. نعم لم يكن لدينا الكثير لنضيفه الى تقريرنا السابق الذي قدّمناه سنة 2008 امام لجنة مركز المرأة.
وإذا كان لزاماً علينا ان نشير إلى القانون الذي استحدث من اجل حماية المرأة من العنف سنة 2014 فإن شوائب الذكورة التي اخترقته جعلت من الاغتصاب الزوجي تهديداً بيد الزوج ومنعت المرأة من حقها في التصرف بجسدها. أما قانون الأحوال الشخصية فحدّث ولا حرج، لقد احمرت وجوه واسودت وجوه في تقديم التقرير الرسمي الذي تولت الدفاع عنه الهيئة الوطنية لشؤون المرأة، وماذا ستقول السيدات اللواتي توليّن المهمة؟ ماذا ستقول عن موضوع حملة الحركة النسائية منذ الاستقلال من اجل قانون مدني للاحوال الشخصية، وعندما استطاعت الحركة المدنية ان تسجّل أول زواج مدني في لبنان جاء الوزير نهاد المشنوق وهو ايضاً من تيار المستقبل ليلغيه بشحطة قلم، كانت كسكين اخترق قلب النساء، اية مصادفة؟
كانت الأسئلة تنهال على ممثلات الهيئة الوطنية كزخات المطر، والاجوبة التي قدمنها لم تكن أجوبتهن بل من داخل مواقعهن، ولم يكن لديهن ولا نحن أيضاً ما نفخر به، فلا تزال النساء أسيرات لدى الأسرة وخادمات لها، يستطيع رب الاسرة طردها ساعة يشاء وقتلها عند الضرورة، ولست بحاجة هنا الى برهان، فقتل النساء اصبح مسألة عادية يظهرها الاعلام ولا يتحرك المجتمع. اما قانون الجنسية فحدّث ولا حرج، فالتمييز ضد المرأة اللبنانية واضح في القانون اذ ان الفقرة الرابعة من المادة (2) من قانون الجنسية يجيز للاجنبية التي اكتسبت جنسيتها بزواجها من لبناني ان تعطي جنسيتها اللبنانية المكتسبة لاولادها من زواج آخر، بينما يمنع هذا الحق عن اللبنانية، وكانت أسئلة أعضاء لجنة مركز المرأة دقيقة للغاية، ولم يكن لدى أعضاء الهيئة غير إجابة واحدة تشير الى الاشفاق على الذات الذي تحدّث عنه نيتشه.
ما هي الحجج الرئيسية التي يتذرع بها اللبنانيون السياسيون منهم، والقانونيون في بعض الأحيان، لمنع اي تعديل لقانون الجنسية الحالي؟
في نظام سياسي طائفي قائم على توزيع الحصص بين الطوائف. يؤدي العدد دوراً اساسياً في تحديد هذه الحصص واتجاهاتها المستقبلية. ويعلم اللبنانيون، جميع اللبنانين/ات ، ان عدم تنفيذ احصاءات جديدة للسكان في لبنان ليس سوى ترجمة لهذا القلق المرافق للتغيرات الديموغرافية التي تتفاعل في لبنان منذ نشوئه.
وقد يكون مفيداً التذكير هنا بان انعكاسات هذا القلق ومفاعيله تتجلى بشكل واضح في الخطاب السياسي الذي يعبر ابلغ تعبير عن المشكلات المتعلقة بأحجام الطوائف وأدوارها، ويتضمن الكلام حول العدد رفضاً واضحاً لأي تعديلات على قانون الجنسية الحالي. وتتجلى الازمة في ابعادها المختلفة في تبني المجتمع اللبناني في معظم فئاته الاجتماعية لهذا الخطاب، وفي قبول الايديولوجية القائلة إن النظام الطائفي هو إحدى مسلمات تكوين لبنان.
هكذا اصبح قانون الجنسية احد الابواب التي تحرص الطوائف على ابقائه مغلقاً ولم تنفع في فتحه حتى الآن المحاولات الدؤوبة الاخيرة التي اشرنا اليها والتي قادتها الهيئات المدنية والجمعيات النسائية.
واذا كان النظام الاجتماعي اللبناني الابوي قد أرسى قواعد التمييز ضد المرأة في القوانين اللبنانية باكراً اي منذ نشوء لبنان، فإن النظام السياسي الطائفي قد منع اي امكان لتعديل هذه القوانين حتى الآن.
وما يزيد هذه المشكلة تعقيداً هو تواجد الفلسطينيين منذ ستين عاماً في لبنان بعد ان احتلت اسرائيل فلسطين وطردتهم من بلادهم ومنعتهم من العودة اليها. هكذا ظهرت الى الوجود قضية التوطين واصبح كل كلام عن قانون الجنسية الذي يميز ضد المرأة مرادفاً للكلام عن التوطين وكأن اللبنانيات جميعهن سيتزوجن من فلسطينيين. وقد ازدادت المعارضة عنفاً الآن فأضاف المعارضون مسألة النزوح السوري، ويرون ان استعادة النساء لحقهن في المساواة في منح جنسيتهن لاولادهن، يزيد من اخطار توطين السوريين ويضعون الخطر في الاختلال الديموغرافي لمصلحة المسلمين، ويتناسون ان النازحين ليسوا من طائفة واحدة.
إن تعديل قانون الجنسية اللبناني الحالي بإتجاه المساواة بين المرأة والرجل هو حاجة فعلية للكثير من الأسر، وهو حق تصّر النساء على إسترداده، فالمرأة في لبنان التي يحفظ لها الدستور حق العيش بكرامة، والحق بالتربية والتعليم ودخول الجامعات، وخوض معترك الحياة المهنية والعملية شأنها شأن الرجال، ولها الحقوق السياسية نفسها في الإقتراع والترشح والإنتخابات، وتمثيل الأمة في البرلمان، ولها الحقوق المدنية التي تخولها التجارة والإنتساب للنقابات والجمعيات، ولها الحق في أن تتبّوأ أي مركز في القطاع العام أو أي منصب إداري أو سياسي أو وزاري، في العام والخاص. هذه المرأة ألا يحق لها أن تقرّر من ستتزوج؟ وأن تتمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها الرجل لجهة إختيار الزوج، فهل يمنع عنها هذا الحق في منح جنسيتها لمن إختارته شريكاً لحياتها، وهل يمنع عنها حقها في منح جنسيتها لمن هم جزء منها؟.
وعلى عكس قوانين الاحوال الشخصية التي تلقى معارضة شديدة من رجال الدين، تعتبر الممانعة ضد تغيير هذا القانون مادة للابتزاز السياسي، عبر خطاب يربط ما بين القانون وما بين التوازن داخل المجموعات المذهبية من جهة، وما بين الوطني والاقليمي( مشكلة توطين الفلسطينيين) من جهة اخرى. ألم يحن الوقت لأن نعزل مفهوم المساواة عن السياسة؟

استاذة جامعية
(اقسام من مقالة طويلة)

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard