أوركسترا "كوهار" السيمفونيّة وجوقتها في الفوروم: إبداع أرمني عزفاً وغناءً ورقصاً

2 تشرين الثاني 2015 | 00:00

الفرقة وجوقتها خلال الحفل في الفوروم.

مئة عام مرّت على النكبة الأرمنية التي أخذت معها كل شيء بإستثناء الأمل، وما زالت دماء هؤلاء الأبطال الذين بلغ عددهم مليوناً ونصف مليون ضحيّة، تجري إفتراضيّاً في تعابير وجوه الناظرين إلى طيف تاريخ لم يتمكّن من الرحيل.
وَجَدَ الشعب الأرمني المُناضل، وأينما حلّ في العالم، أن الطريقة الفضلى لمواجهة النسيان هي من خلال الحفاظ على هويته وثقافته. تلك هي أجمل تحيّة يلقيها كل أرمني تكريماً لشهداء لم تعد ذكراهم "تعيش زمن الطفولة الأول"، ومع ذلك لا بدّ من الحفاظ عليها. لا بدّ من التمسّك بنسيجها المزدان بصور العنف الذي مارسه العثمانيون الأتراك على الشعب الأرمني ابان الحرب العالميّة الأولى.
وقد تمكّنت أوركسترا "كوهار" السيمفونية وجوقتها المُرافقة أول من أمس، من أن تُعيد للأناقة والعراقة وللتاريخ الذي تحوّل مصدر وحي، وهج الّلقاء الأول، من خلال إستعراض موسيقي راقص ضخم شارك فيه 16 مغنيًا ومغنية، 14 راقصة، و66 موسيقياً وضمّ أكثر الأعمال شعبيةً وإلتصاقاً بقلوب الناس.
وتحوّل "فوروم دو بيروت" فقاعة زمنيّة أنيقة من حيث ديكورها الفخم الذي استراح على شاشات خلفيّة عملاقة زيّنت الخشبة وأزهار وشموع زخرفت مُقدّمتها، وفتيات جميلات وقفن على مجسّمات خشبيّة عملاقة، ظهرن وكأنهن يقفن على عتبة الزمن، ومرايا امتدّت على مدخل الفوروم وكانت الشاهدة على لحظات إفتتان عابرة، ومئات نجوم صغيرة ملأت سقف القاعة المديدة.
وما بين البرنامج الغني بالمقطوعات الموسيقيّة المفطورة على الإبداع، الأغاني العاطفيّة والثوريّة والاجتماعيّة، ورقص الأجساد بانسيابها في كل الإتجاهات، والأصوات المخمليّة لأبرز المغنين الأرمن، بالإضافة إلى الأداء المسرحي الصامت للممثل القدير هاملت شوبانيان، كان واضحاً أن هذا الإحتفال الضخم الذي يستمر حتى الأول من تشرين الثاني، له أسلوبه الراقي في "تطويق" الماضي و"مُراقصة" الحاضر في آن.
هؤلاء المُبدعون الذين اجتمعوا على خشبة المسرح ذات الأرضيّة البرّاقة، التي انقسمت إلى جزءين (أحدهما ضمّ الأوركسترا السيمفونيّة والمُنشدين، وثانيهما "إستقبل" الراقصات والمغنين)، هم في الواقع قادمون من أماكن بعيدة لا علاقة لها بالواقع. أقلّه هكذا بدا للمئات الذين انتشروا في فُسحة الفوروم المديدة،
فأمضوا الوقت في التصفيق مطولاً للاحترافيّة العالية التي جعلت الأصوات المُشاركة، إن كان في الجوقة أم في الغناء المُنفرد، تلهو مع الأنغام العالية والأخرى المُنخفضة ببراعة "مُرتاحة". أمّا الأجساد التي رافقت الأنغام والأصوات بهدوء "مُقلق"، فكانت لها "حصّتها" من حيث صيحات التشجيع والـ"برافو" التي تردّدت في كل أنحاء الفوروم.
في عام 1997 أسّس هاروت خاتشادوريان، الحريص على الثقافة الأرمنيّة، أوركسترا "كوهار" السيمفونيّة والجوقة التابعة لها، وما زال حتى الساعة يشرف على كل نشاطاتها في مُختلف أنحاء العالم ويُموّلها، وفي باله تخليد ذكرى والده، آرام، وإلقاء تحيّة إجلال وتقدير لوالدته التي نَقَلَ إسمها إلى هذا الفريق الضخم.
وإذا كان اسم "كوهار" في الأرمنيّة يعني الجوهرة، فإن هذا العمل الفنّي الذي "يستفزّ" الأيام العاديّة ليحعلها أكثر بروزاً وجمالاً، هو بحدّ ذاته، جوهرة من حيث الغناء والرقص والعزف والاداء المسرحي، ومن حيث إصراره على الإحتفاظ بطيف تاريخ لم تتمكّن أمواج الأيام من أن تقذفه خارج نطاق الذاكرة الجماعيّة.

hanadi.dairi@annahar.com.lb
Twitter: @Hanadieldiri

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard