صمت مسيحي مطبق على التدخّل الروسي منعاً لتكرار ما حدث من مآس وحروب أهلية

12 تشرين الأول 2015 | 00:00

يتجنّب أي من الأحزاب والتيارات والكتل المسيحية اتخاذ موقف علني واضح من التدخل العسكري الروسي في سوريا، على رغم أن الانقسام واضح بين المسيحيين في شأن الأزمة السورية، شأن انقسامهم في كل الأمور. وهناك من يؤيدون النظام ويتمنون انتصاره، وهناك من لا يزالون يراهنون على انتصار المعارضات وهزيمة النظام، اضافة الى فئة ثالثة ترى ان النظام والمعارضة أثبتا فشلهما. وباستثناء تصريح يتيم لرئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع عن التدخل الروسي وأنه لمنع سقوط النظام في دمشق، الا ان الأحزاب الأخرى مثل "التيار الوطني الحر" والكتائب والوطنيين الاحرار وحتى مؤسسة الكنيسة لا تزال تلتزم صمتاً مطبقاً حول الموضوع، بل ان البيانات السياسية الصادرة عنها تتعمد تجاهل الموضوع برمته وعدم الاشارة اليه ولو من طرف خفي.

هذا الصمت السياسي المسيحي لا يعني أن الرأي العام غير معني بما يجري، بل ان الأمر على كل شفة ولسان في الاوساط المسيحية، وما كان من شأن التصريح المنسوب الى الكنيسة الارثوذكسية الروسية الا زيادة حدة النقاشات ورفعها الى مستويات غير مسبوقة، في مجتمع كان يتحسس رقبته قبل فترة قصيرة خشية وصول التكفيريين و"داعش" الى الساحة اللبنانية. وهذا المشهد المخيف، تضاف اليه الصور والاخبار التي تناقلها الاعلام عن مصاب المسيحيين والايزيديين العراقيين وما تعرضوا له من مذلة بعد عرض نسائهم للبيع في اسواق النخاسة، اضافة الى القتل غدراً على يد جيرانهم، وكل هذه الاخبار عوامل ساهمت في إحباط المعنويات ورفع منسوب التوتر.
سياسة الصمت لدى الأحزاب المسيحية لها ما يبررها في رأي ناشطين سياسيين، ذلك أن احداً لا يودّ الخوض في رهانات علنية على هذا الطرف او ذاك في غمرة الصراع السوري المحتدم، وتكرار ما حدث سابقاً من مآس وحروب اهلية، ودفع اثمان هذا الصراع ضرباً للمصالح الاقتصادية والتجارية وتعكيراً لعلاقات لبنان مع الدول العربية، التي، على رغم انقساماتها وأزماتها، تجد حيزاً لمراقبة الصديق من العدو، اما ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي فلا يلزم الا اصحابه على مستوى الافراد لا الجماعات والأحزاب. والأهم ان لا شيء محسوماً في الصراع السوري، وحدود التدخل الروسي ليست واضحة، وكذلك جدوى هذا التدخل في حسم الصراع على مستوى سوريا كلها واعادة فرض سلطة النظام على المناطق الخارجة عن سيطرته، وهل ستبقى القوات الروسية والايرانية الى الابد منتشرة في المدن والقرى السورية لحفظ النظام؟ وهذا ما يفترض التوصل الى تسوية سياسية تحفظ الوضع العسكري وتحصنه وتنتقل به الى مرحلة السلم الدائم.
وقبل تحليل موقف الأحزاب والقيادات المسيحية الصامتة، لا بد من مراقبة موقف الكنيسة بكل مذاهبها، سواء الكاثوليكية او الارثوذكسية، والتي لم تكن راضية، كي لا نقول غير موافقة على تصرفات "المعارضات السورية"، وخصوصا بعد الأذى المباشر الذي طال المسيحيين في سوريا ووصل الى خطف المطرانين بولس يازجي ويوحنا ابرهيم وعشرات الكهنة، اضافة الى عشرات المحتجزين لدى "داعش" منذ غزوة البلدات والقرى الآشورية المسيحية في منطقة الخابور السورية. والكنائس بهذا المعنى لا يمكنها أن تقف الى جانب قتلة ابناء الكنيسة ومن يتهدد وجودهم، وهي مع كل جهد يؤدي الى اعادة انتظام الأمور ويرفع التهديد عن المسيحيين في سوريا والعراق ولبنان. ولا يزال موقف نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف خلال اجتماعه مع الفاعليات الارثوذكسية في فندق "فينيسيا" قبل سنة ماثلاً في الآذان: "لن نسمح بسقوط المسيحيين وابادتهم في الشرق الأوسط". وحينها لم يحتج كثيرون الى الادراك أن الروس لا يمزحون في هذه المسألة.

pierre.atallah@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard