موسيقى - رباعي موديلياني ختم مهرجانات بعلبك بقمة الطقوس الموسيقية: مغامرة بديعة في آفاق بيتهوفن وموزار وهايدن الصعبة

1 أيلول 2015 | 00:00

آلن خلال تصوير "بلو جازمن".

وتبقى الأمكنة للذاكرة. فما كان ذات زمن كرخانة لتربية دود القز وإنتاج الحرير، وجدت فيه مهرجانات بعلبك فرعا بديلا في قلب العاصمة يستقبل عرضا من العروض التي يصعب تحقيقها في القلعة. فمن "إلك يا بعلبك" إلى "هواء الأرض واختبار النار" مرورا بميّادة الحناوي وريشا بونا، كان المهرجان بفنّانيه وعدّته الموسيقية يستقبل الجماهير تحت سماء القلعة، فيما المدخل إلى معبد باخوس مقفل بسبب أشغال الصيانة والترميم التي بات بحاجة ماسة إليها. ففي هذا المعبد بأعمدته المخرّمة وطقوسه الحاوية أسراره، إلى هذا الغموض الذي يلفّه حالما ندخل إلى أسطورته، كان المكان المثالي للموسيقى والغناء، لهندسته الوافرة في اختزان الصوت وإعادته إلى السمع نقيا، شفافا، عاريا من قشرته البشرية، كأصوات الآلهة ومزاميرهم.

لعلّ الذاكرة أمام هذا الباب الموصد أخذتني إلى ليلة لم نقراً غيبا بأنها ستكون وداعا لمهرجانات بعلبك. كان ذلك في منتصف صيف 1974، فهل من يتذكر باليه هاركنس ترقص في هذا المعبد على موسيقى مرصودة للحب والموت، للقاء والفراق، للضوء وظلّه على موسيقى ماهلر وراخمانينوف ودو بوسي وسترافنسكي؟ ذكريات حلوة ومرّة عصفت في البال، وسهرتنا في كرخانة الحرير في الدكوانة، مع الرباعي موديلياني، الذي لولا الصيانة لكان تواصل بحضوره مع كبار الفن الرباعي الذين تعاقبوا على معبد باخوس الأسطوري.
هذا الرباعي الذي تألّف في العام 2003 من شباب جمعت بينهم الصداقة وعشق الموسيقى، ليصبحوا بمهاراتهم من ألمع رباعيي العالم وأشهرهم، حاملين في كماناتهم أرفع الجوائز المرصودة للفن الرباعي، خصّصوا لليلة بعلبك الوداعية ثلاث مختارات رباعية لموزار وهايدن وبيتهوفن، وأمام إلحاح الحضور للمزيد من هذا الأداء الجماعي الباهر، رووا عطشه بما بات معروفا باللغة العامية "زودة البيّاع"، بمقطوعة معاصرة نقراً إيقاعياً على الأوتار، لأندرسون وقصيدة جد رومنطيقية لسرازات لكمان منفرد.
المقارنة بين رباعية موزار ورباعية هايدن كانت واضحة في برنامج الليلة. فبينما الكمانات تحفر في "الألليغرو موديراتو" لموزار كمن يحفر في الجفاف ليعثر على ماء يرطب هذا العمل البطيء، كان هايدن يغامر بين كمانين وشيللو وألطو، شاهدا على هذا العبور الزمني، الموسيقي، من الباروك إلى الضفة الرومنطيقية. بينهما، وكلاهما من زمن واحد، كان هايدن الرائد المغامر وموزار الدراماتيكي، المعماري. فكيف تلقّينا الرباعية الخامسة عشرة لموزار مقارنةً مع الرباعية الخمسين لهايدن؟ فلكم تمنّيت لو اختار العازفون واحدة من الرباعيات الست التي أهداها موزار إلى هايدن، بدل أن يكون الاختيار لعمل بدائي لم يكن فيه الخلق الرباعي قد نضج كفاية في ذهن موزار. لكن بدخول الألطو في الحركة الثالثة كان شيء من براعة موزار، يهب منعشا الجفاف الممعن في كل حزة قوس. كنا على مسافات من رباعيات موزار اللاحقة الموسومة بالنبوغ البنّاء.
الرباعية الخمسون لهايدن تنقلنا منذ الألليغرو إلى تقنيات النيو - باروك وألوانه الزاهية. وقد يكون التعبير الأخير من الشيللو وارتعاشاته هو الأكثر تأكيدا لبراعة هايدن في "الفوغ" الذي اختصر في رباعية كاملة تنويعة من الانفعالات الرائعة، فهل يكون هايدن في هذا العمل تأثّر بدوره بموزار؟
لا شك أن لبيتهوفن خصوصياته في نفوسنا ولا سيما حين يحط كامل إبداعه في رباعياته. والابداع الحقيقي كان في أداء المجموعة المتكتّلة بجودة الأداء وحمى العشق البيتهوفيني والجرأة في اختراق غموضه، إذ تتطلب كل حزة قوس تركيزاً هائلاً وجدية جماعية لا مثيل لها حتى لا يثور غضب هذا العبقري الذي يعتبر الكتابة الموسيقية فعل ابتهال للطبيعة. هنا كان التكامل بين الشباب بارزا، في الرباعية الرابعة لبيتهوفن، وكأن نذرهم لم يكن في إيصال الرسالة إلى الحضور بقدر ما شعرنا بها مهداة إلى كاتبها. فإذا كانت الرباعية الرابعة عشرة هي التي يعتبرها نقاد الموسيقى الأغنى كثافة ومثالا، فإننا في متابعتنا فصول الرباعية الرابعة، مضينا في خيالنا إلى حيث كان باخوس في انتظار بيتهوفن، إلى ذلك المعبد المخصص للعباقرة.

may.menassa@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard