"أغصان الكرمة... المسيحيون العرب"

25 آب 2015 | 00:00

المسيحيون في العراق بالذات هم الخميرة، التي يستوي وينضج من رائحتها عجين الحضارة "الرافدينية"، لذلك من حق عبد الحسين شعبان أن يُعلن مطالعته الرائعة عن "أغصان الكرمة- المسيحيون العرب" وينشرها في كتاب(■).

إنهم الأقدم، بل الأعمق جذوراً في هذه التربة الخصبة التي انزرع فيها الإسلام في ما بعد. ألم يولد السيد المسيح في بيت لحم؟ ويأتي الإسلام في ما بعد معلناً إمكانات التآزر والتكامل، مكرّساً في القرآن آيات كثيرة في ذكر المسيح عيسى بن مريم، وقربه من الله ومعجزاته الربانية؟
ثم وفي عز انتعاش "الدولة الإسلامية"، ألم يكن للمفكرين المسيحيين الدور الأكبر في تأسيس الحضارة المشرقية التي سبقت النهضة الحضارية في أوروبا عقوداً كثيرة؟
ويستند هنا البحث على ما استند عليه المطران جورج خضر من بحوث للباحث الألماني غراف عبر كتابه "تأريخ الأدب المسيحي العربي"، ويذكر هذا الكتاب العديد من المؤلفات القبطية والسريانية والنسطورية والمارونية التي كتبت باللغة العربية.
إن ما يسميه شعبان الحملة الإسلاموية - الصهيونية ضد المسيحيين، سوف تؤدي إلى قتل ذلك الغنى الذي تضفيه النكهة المسيحية على الوجود الإنساني في هذه البقعة من الدنيا، لأنهم الشفيع الحضاري لكل هذا العالم المشرقي.
يعترف الباحث بأن منطق الغلبة الإسلاموية، وبعض اتجاهات الحركات الإسلامية، استهدف المسيحيين في السودان ومصر ولبنان والعراق وسوريا . وان التشريعات الدستورية والقانونية لبعض البلدان العربية أدّت إلى مثل هذا الاستهداف، فالنص الذي يقول: إن الإسلام دين الدولة الرسمي، دون أن يشير إلى حقوق المسيحيين، إنما يقدّم نفياً للحقوق الشرعية والوجودية للمسيحيين في هذه البلدان.
لذلك كان إصرار الحركات التقدمية في العديد من البلدان العربية بأن يقرّ تشريع دستوري مدني يؤكد على ان الدين لله، والوطن للجميع، وان المساواة هي القاعدة في المجتمع الحضاري العربي والدولة المنشودة، فلا فرق بين مسيحي ومسلم في الحقوق والواجبات.
بالطبع يذهب الباحث إلى الحدث الآني، فيركز على الأوضاع القائمة في سوريا منذ 15 آذار 2011 وفي العراق منذ الاحتلال وبشكل خاص العام 2013 وبروز "داعش" على مسرح الحدث الاضطهادي بكل هذه الوحشية والرعب، لاسيّما عقب احتلالها الموصل في 10 حزيران 2014 وتمدّدها في محافظات صلاح الدين والأنبار وأجزاء من محافظتي كركوك وديالى. أما في لبنان فإنه يراجع مساوئ وتداعيات تلك الحرب اللعينة التي اندلعت عام 1975.
لذلك ينادي الباحث بضرورة ارتفاع الأصوات الإسلامية والمدنية العلمانية التي تدين الأعمال الإجرامية ضد المسيحيين، وأنه لا بدّ من وضع حدّ لها لكي لا تخسر المنطقة بتهجيرهم إحدى ثرواتها التي لا يمكن تعويضها، لاسيّما تنوّعها الثقافي وتعدّديتها الدينية.
"إن ما تعرّض له المسيحيون العرب أمرٌ يستحق الوقوف عنده من جانب الجميع مسلمين ومسيحيين، متديّنين وعلمانيين، يمينيين ويساريين، لأنه يتعلق بالتعايش وبصميم العلاقات والحقوق الإنسانية ، خصوصاً وأنه ليس المسيحيون وحدهم من يدفع الثمن باهظاً...". كما جاء في كتاب "أغصان الكرمة".
ويركز الباحث على نظرية الإقصاء وفكرة الدولة الإسلامية الصافية. وذلك حسب سلوك "داعش" الذي هو التنفيذ البشع لهذه النصوص العدوانية، لكن ذلك ليس بعيداً عن السياسة الصهيونية التي أصابت بالعدوى بعض أقطاب الحركة الإسلاموية.
إن التفسير الذي يورده الباحث لمعنى المسيحيين العرب سوف يوصلنا إلى جزءين متلازمين: ديني وقومي. وإذا أوغلنا في الجانب العربي القومي، فإن المسيحية العربية كانت العمود الفقري لغالبية العشائر العربية. فالتغالبة وصلوا إلى تنصير العرب جميعهم تقريباً.
وهنا يورد الباحث مؤكداً أنه "إذا كانت الدولة في عهد الرسول والخلافة الراشدة أقرب إلى دولة دينية بتوجهات مدنية، فإن الدولة الأموية وبعدها الدولة العباسية، بدت كدولة أقرب إلى المدنية بمرجعيات إسلامية. وأصبح الحكم فيها ملكياً وراثياً بعد أن كان بالشورى. وبعد فتح القسطنطينية عام 1453 حصل المسيحيون على إقرار بالحرية في ديانتهم وطقوسهم، وحفظ أرواحهم وممتلكاتهم، استمراراً لدستور المدينة الذي كان بداية الاعتراف بالتعددية الدينية والاجتماعية، والعهدة العمرية العام 10 هجرية، وهي التي أعطاها الخليفة عمر إلى المطران صفرينيوس لضمان حق المسيحيين في القدس في ممارسة شعائرهم وحماية أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم.
إن دراسة عبد الحسين شعبان لمسألة التغيير وإشكاليات التنوّع الثقافي، جعلته يلج الموضوع من مدخل الأقليات، والربيع العربي، مناقشاً بذلك مخاطر صعود التيارات الإسلامية التي نظرت إلى الغرب وديموقراطيته بقدر من الريبة. وهذا ما انعكس أيضاً على العديد من الأحزاب العلمانية، بل التيارات المسيحية، التي جوبهت بموجة من الريبة والشك.
ويستحضر الباحث، الأب أنستاس الكرملي، ذلك الذي كان له حضوره اللغوي والفكري والأدبي في النهضة الثقافية في المشرق العربي كلّه.
إنه المقارنة المثيرة بين شروط "داعش" على مسيحيي الموصل، وبين شروط حضورهم الثقافي الذي فرض نفسه على الفكر الموسوعي العربي برمته.
لكن الفصل الأهم الذي يناقشه الباحث هو ذلك الذي يفصل ما بين الإرهاب والجهاد، فالذي يجري الآن هو الإرهاب بكل مواصفاته، وهو بعيدٌ كل البعد عن الجهاد، الذي هو وكما قال رسول الله " كلمة الحق أمام سلطان جائر".
إن كتاب الدكتور عبد الحسين شعبان، هو الضرورة التي نحتاج إليها اليوم، وهو كلمة الحق التي تقال في آوانها، لذلك فإن الدفاع عن المسيحية العربية، هو دفاع عن الإسلام العربي المعاصر، هذا إذا كنا نسعى فعلاً إلى تأسيس الدولة الحديثة المعاصرة التي تضاهي العالم كلّه.

فنان وناقد

■ مركز حمورابي - 2015.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard