القلوب المتنافرة والشعوب المتناحرة

13 آب 2015 | 00:00

ذكر سميح الزين انه كان في مكتبة محمد اديب عرابي في طرابلس كتاب نادر هو عبارة عن قصة طويلة بعنوان "القلوب المتحدة في الولايات المتحدة". ولعل كاتب القصة المذكورة زار الولايات المتحدة وتبين له كيف ان الشعوب المختلفة الأرومة اندمجت في هوية اميركية واحدة.

لفت عنوان الكتاب المشار اليه نظرنا الى ما نشهده حاليا في العالم العربي فنجد القلوب متنافرة والشعوب متناحرة.
قُسِّمت الاندلس بعد سقوط الدولة الاموية فيها ولايات صغيرة متنازعة في ما بينها، واستقل كل امير بناحية وأعلن نفسه ملكا فدخلت البلاد بما سمي عصر ملوك الطوائف أو الفرق. وانضوت تلك الممالك تحت لواء ثلاثة احزاب وحاول كل فريق احاطة ملكه بسياج شرعي روحي، فأقام خليفة بجواره. فبنو عباد جاؤوا بفقير يدعى خلف الحصري (عمل في صناعة الحصر) فأقاموه خليفة وأوهموا الناس أنه الخليفة هشام. واستند بنو حمود الى اصلهم الشريف ليدّعوا زعامة روحية وما لبثوا ان انقسموا على انفسهم وصار كل واحد فيهم يدعى خليفة يلقب نفسه بأحد القاب الخلفاء. وثالثهم الصقالبة الذين حاولوا احياء الخلافة فأقاموا خليفة من اشراف قرطبة ثم عزلوه وطردوه فأصبح معلما لصبيان البربر.
وكان ملوك الطوائف متنازعين بين بعضهم البعض رغبة من كل واحد بتوسيع رقعة سلطته وقد وصل الامر ببعضهم الى الاستعانة بالملك الاسباني الذي صار يضرب ملوك الطوائف بعضهم ببعض ويغير على اراضيهم فيرضونه بالأموال الطائلة؟
وانتهى الحكم العثماني وانتشرت الهتافات بانتصار الثورة العربية (التي ساهم لورنس فيها) تحت شعار بيت صفي الدين الحلي:
بيض صنائعنا، سود وقائعنا
خضر مرابعنا حمر مواضينا
ولوّح سايكس وبيكو بالمغانم فقاما بتوزيع البلاد العربية بين اعوانهما مستغلين ظاهرة فردية قابعة هانئة في لاوعي الانسان العربي. فتاريخ المنطقة العربية هو تاريخ ابطال وجبابرة ومتفوقين. عقلية اساءت الى استقرار المجتمعات وأعاقت نموها وتقدمها، فاجتمع الانا والمال للاحتفاظ بالسلطة. وبدل الولاء لما يمكن اعتباره وطنا، تحول الولاء الى زعماء القبائل والعشائر والحكام الذين استمدوا شرعيتهم من شفار السيوف وأسنة الرماح. وأنشأ الاجنبي المحتل دولا سميت اوطانا، ولم يشعر كل مواطن فيها بانتمائه الى وطن إما لأنه يعتبر نفسه موجودا في اقل من وطنه، أو موجودا في أكثر من وطنه بحيث يتجه طموحه الى خريطة جديدة يجري تظهيرها أخيراً.
يمكن تشبيه تلك الدول العربية التي نشأت بعد الحرب العالمية الاولى بما ذكره الاديب التركي عزيز نيسين في رواية تدور في معرض فني ترأسته فنانة مشهورة (او ساحرة ماهرة) روت للحاضرين حلماً عجيباً في ما يراه النائم موضوعه انها كانت تسير في ساحة واسعة وفجأة صاح رجل يطلب من الناس ان يقف كل منهم مكانه لا يبرحه وان يقوم كل منهم برسم دائرة حول المكان الذي وقف فيه، وحذرهم من تخطي الدوائر تحت طائلة افدح النتائج. وانتهى الحلم بأن اياً من الواقفين لم يحاول ولم يجرؤ على الخروج من دائرته الوهمية (دولته).
واستبد كل حاكم في دولته وشرع يخترع الشعارات والنظريات ويصوغ لنفسه افكاراً ويصدق نفسه بأن ما يراه هو الاصلح في حين انها تعكس ما يتصوره هو من شعارات الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية التي اخذ يقول بها جميع حكام تلك الدول (الدوائر) وكلها في حقيقتها متشابهة كما تشبه الورقة النقدية الحقيقية الورقة النقدية المزيفة والفرق بينهما وجود رصيد لواحدة وانعدامه للأخرى. وتنعقد المؤتمرات وتنفض الاجتماعات وتستعاد القرارات والمواقف والآراء التي يصح القول بأنها "قليلة الانصار" حتى غدت كالصوت والصدى. ففي الاساطير الرومانية ان "اكو" echo أي الصدى هي ربة الجبال ولكنها طويلة اللسان شديدة اللجاج لا تكف عن اتخاذ مواقف المعارضة ضد كل ما تسمع من مشروعات ومقترحات وتسويات، فضاقت بها الأرباب ذرعاً وحكموا عليها بالعجز عن التحدث بأي جديد مفيد وان ينحصر دورها بترديد المقطع الأخير مما تسمعه. وقد وقع البعض تحت تأثير سحر شعارات ونظريات اعتقد انه صاحبها وانه قادر على تطبيقها وتطويعها، فأصبح أسيراً لها كما حصل مع زائر سحرته امرأة جميلة كانت تغزل حريرها وأخذ بطلبها يلف الخيط مسروراً حول يديه، وفجأة لاح له بريق في عيني المرأة توجس منه شراً وحاول الفرار ولكن الخيوط كانت قد أحكمت قبضتها على يديه فما استطاع منها فكاكاً.
وقد أصبح كل عربي في سوريا ولبنان والعراق ومصر وغيرها بحاجة الى جواز سفر والى سمة دخول الى أي بلد عربي آخر. وأتى حين من الدهر كان فيه اللبناني بحاجة الى جواز كهذا (أو ورقة لضمان الطريق) بين منطقة واخرى. كما يحصل حالياً في سوريا والعراق وليبيا الخ. قال حافظ ابرهيم في أحد كتبه عن المصري: "المصري والمصري كشعبتي المقراض (المقص) لا يلتقيان على شيء إلا افتراقا". ويصح قوله على السوري واللبناني والعراقي وكل من كان ينادي "بلاد العُرب أوطاني".
وقد نبه المؤرخ محمد جميل بيهم الى أثر السياسات الأجنبية التي توسلت التعليم في خلق الشبهات الدينية فقال "كيف تؤمل رقي بلاد يتأمرك اولادها ويتنكلزون (قبل ان تنتشر الأمركة) ويتفرنسون؟ ان هذا لهو البلاء العظيم. ما زال لنا في تكاتفنا غنى عن المدارس التي تدرس غير الوطنية وتقضي على اللغة وترمي في الشبهات الدينية تلك التي تجند من اولادنا جنوداً مختلفة المنازع وتريد ان تجعلهم جيش احتلال".
وما يلفت النظر انا نشهد تجمعاً أو تحافاً في بعض دول المنطقة وهو في حقيقته تحالف الأضداد وهو تحالف بين متناقضين في الرؤى والأهداف والأحلام (أو الأوهام) تحالف عقيم غير ولود، واذا حصل العكس فلن يلد مولوداً سويا قابلا للحياة بل كالمولود الذي ذكر في كتاب يعود الى القرون الوسطى (ما أشبه الليلة بالبارحة) بعنوان "فسيولوجس" تخيل فيه كاتبه ان زواجا تم بين اسد ونملة فولد لهما حيوان عجيب يجمع صفات أبويه معا، فاذا أكل اللحم رضي الأسد ورفضت النملة، وإذا أكل الحبّ رضيت النملة ورفض الأسد، فكان تناقضهما سببا في فنائهما.
وأصبح العرب في مختلف دولهم أسرى الدوائر الوهمية السياسية والمذهبية والطائفية والإثنية والعقائدية، واحتوت كل دائرة "أيضاً على مربعات أمنية تحيط بالقصور والفيلات ومراكز القوى وبيوت الحكام والقواد ورجال الاعمال ومبيضي الأموال. ولعل الفيلسوف الراحل زكي نجيب محمود على حق عندما نبه الى وجوب اعمال الفكر في كلمة "حاجب" مشيرا الى ان صاحب السلطة يحتاج الى من يحجبه عن الناس او يحجب الناس عنه، لا فرق. ولا يخفى ان بعض وسائل الاعلام تبث العداوة بين الناس وتخدم نزوات وأهواء روح التعصب والاختلاف بين الملل والنحل، وفيها مَن لبسوا مناظير فوق أنوفهم ينظرون الى من والاهم من جهة المنظار التي تكبّر وينظرون الى من يخالفهم من الجهة الاخرى للمنظار التي تصغّر وتبعّد.
يذكر ان الألوسي أحصى نقلا عن الاصفهاني أيام العرب (أي حروبهم) فكانت ألفا وسبعمئة يوم ولم تكن اسباب أيّ منها دينية. ولولا هذه الحرية الدينية لما تكاثرت في المجتمعات العربية الملل والنحل والفرق والعقائد والمذاهب الاسلامية والمسيحية واليهودية والبوذية الى جانب الايزديين والصابئة والبهائية وغيرهم. فان اخطر ما بلينا به هو التطرف في مختلف وجوهه، ولاسيما التطرف الديني فالمتطرف صلب مستغلق كالأبواب الحصينة بعضها من وراء بعض اذا أنت عالجت باباً منه فانفتح لك بعد طول كد وعناء، قام من دونه باب آخر وهكذا... ومتى اغتر العاقل بالأحمق فتابعه وسكن اليه واتخذه دليلا وهادياً ومرشداً، كان في الأحمق حماقة واحدة وفي ذلك العاقل حماقتان، وعلى من اطلق الوحش ان يوقفه، وما هلاك الأمم والشعوب بالإنقراض والأوبئة، فإن مع كل شيء من هذه ونحوها عذره وضرورته، ولكن الهلاك الذي لا هلاك غيره أن تضعف الضمائر وتمحق الفضائل وتموت العقائد.
ان للأقدار مقاييس لا يراد بها الكمية ولكن الكيفية ولا يطلب منها تحديد ذات الشيء بل تحديد عواقبه، والقياس على هذه الأوضاع التي تمر بها البلاد العربية حالياً وما سيكون في غد او بعد غد أو في مستقبل الأيام وكأن الأقدار تبني بناء فإذا سألت عن الأساس قيل لك أوله هذه الحفرة التي يجري حفرها حالياً...

محام ومؤرخ

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard