رثاء أنا صديق الجثة أنا صديق الضحية!

1 آب 2015 | 00:00

منحوتة لرافي طوكاتليان.

أعرفه، نعم أعرفه، كما أعرف نفسي؛ نحيلٌ بجسده، طويلٌ بقامته، أطولُ مني بقليل، شعره شديد السواد، ومجعدٌ أيضاً، يبتسم باستمرار، وتكون خطواته في الشارع أسرع منّي بكثير. أتذكر ذلك جيداً، فمشهده في أزقة مدينة أورفا لا يغيب عن ذهني، كما لو أنني أجلس معه في مقاهيها الآن، حيث كنا كذلك في الأمس، أنا ومن يؤلمني، ذاك الصديق الذين غادرنا بأقدامه متجهاً إلى أوروبا، وعاد إلينا جثّة هامدة، ضحيّة صغيرة، افترسها الموت سريعاً، من دون أن نرى تلويحة يده مرة أخرى، من دون أن نودعه من جديد، كما حدث ذلك قبل قدومي إلى إقليم كردستان، بينما كان هو، يستعد للسفر إلى مدينة إزمير، صحبة بعض أصدقائه، ليبدأ رحلته من هناك إلى أوروبا، حيث كان ينوي إكمال دراسته في اللغة الإنكليزية في بريطانيا.
كان ذلك في ليلة سفره إلى الموت المفاجئ، الذي لم يكن أيٌّ منا يتوقعه. اتصلت به عصراً، وأخبرته بأنني سأغادر أورفا إلى إقليم كردستان، وكعادته لم يرفض طلبي هذا. جاء في الخامسة والنصف تقريباً، اتصلتُ به مرتين في ذاك الوقت قبل أن يأتي إلى المول الذي كان يتردد عليه دائماً، مول "بيازا"، على مدخل مدينة أورفا على طريق بلدة سروج، القريب من بيته، لأقبّله هناك، كما نفعل كعادتنا كلما التقينا، بينما هو كان يردد لي عبارته الشهيرة "أهلاً آغا"، مع ابتسامته الجميلة، ونحن ندخل إلى المول، لنجلس أخيراً في المقهى وحيدين نطلب القهوة بلا سكّر، ونتحدث عن مشاريعنا الصغيرة، ومخططاتنا المستقبلية، وحواراتنا المتهوّرة، والأحلام التي ستودي به إلى الموت.
كان يقول لي إن بريطانيا هي حلم حياته، وهو يرتشف قهوته أمامي، ويجري مكالمات عدّة، واحدة منها يحاول فيها جاهداً أن يقنع والدة صديقه العازف أن توافق على سفره معه بطريقة غير شرعية إلى أوروبا قبل أن أعترف له بأنني قررت الزواج، وبأنني عاشق، ليصدمني بإجابته:
– ألا تحبّ فلانة؟! ألا تحبّ تلك التي تكتب الشعر؟! ألا تحبّ تلك التي ترتدي أحزانك كلّها؟!
كان حديثنا جميلاً طويلاً، لم أكن أعلم أنه سيكون الأخير بيننا في ذاك المساء، لأطلب منه بعدما شربنا الشاي أيضاً، أن يرافقني إلى داخل محالّ الألبسة في المول، ليدلّني هو على الثياب الجميلة. لقد كان صديقي هذا أنيقاً بذوقه في ذلك، وكنتُ معجباً به من هذه الناحية، ككل النواحي الأخرى، مثل غضبه الشديد، كما حصل ذات مرة حين انتقدتُ شقيقه الصحافي قبل نحو سنتين. كان يحمل القمصان بين يديه، ويأتي بها إلى غرفة المقاس، ليقول لي ضاحكاً:
– لأكن زوجتك هذه الساعة يا آغا.
يبتسم، ليقول من جديد:
– ستكون عريساً بهذه الثياب يا صديقي، اذهب إلى حبيبتك في كردستان، وتعرّف إليها خلال أسبوعين، وقرر ما تجده مناسباً لنفسك.
كان يرشدني وينصحني في الوقت ذاته. أمضينا نحو ساعة في داخل محال الألبسة. اشتريتُ منها كل ما يلزمني من ثياب ودفعت ثمنها، ثم اشتريت له كنزة صيفية، قال عنها جميلة، وشكرني.
صادفنا أبي هناك. كانت تلك المرة الأولى يرى فيها أبي، قال لي بعد لقائه به بلحظات:
– أهذا هو أبوك النسونجي؟
هززتُ برأسي بالإيجاب.
تركته مع صديقه العازف، أمام باب المول، بينما كانا يذهبان إلى صالة البلياردو، من دون أن أدري أن الصورة التي التقطتها له في المقهى بهاتفي الرخيص ستكون الأخيرة.
أكتب هذا المقال وكلّي أسى.
صديقي نزار حجي مصطفى، الإعلامي الشاب والمترجم والروائي في بعض الأحيان؛ أنت نائمٌ، نائمٌ الآن، بينما أنا أدخّن في غيابك كثيراً كما عرفتني، وأستعيد شريط الذاكرة، لأقول لك من هنا "وداعاً أيها الهادئ، وداعاً أيها الجميل". سنلتقي حتماً في مقاهٍ أخرى، لأكمل لك قصة حبّي التي بدأت للتو.
أرجوك اقرأ مقالي هذا، أنا صديقك، صديق الجثّة، صديق الضحيّة، وصورتك التي في حوزتي الآن، تؤلمني أكثر من الحبّ يا صديقي، أكثر من الحبّ بكثير يا نزار، وكل الكلمات هنا لا تفي بالغرض. لا تفي بفقدانك الأليم.

* كاتب وصحافي كردي سوري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard