الاتفاق النووي يفرض "اتجاهاً جديداً" في الشرق الأوسط

15 تموز 2015 | 00:00

من اليسار وزير الخارجية الصيني وانغ يي، وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، وزير الخارجية الألماني فرانك – فالتر شتاينماير، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، رئيس الهيئة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، وزير الخارجية الأميركي جون كيري ووزير الطاقة الأميركي ارنست مونيز في صورة تذكارية في مكتب الأمم المتحدة بفيينا أمس بعد إعلان الاتفاق النووي. (أ ب)

لن تكون الخريطة السياسية الدولية بعد اليوم كما كانت من قبل، ولن تكون خريطة المنطقة الممتدة من الشرق الاوسط الى الخليج بالتحديد كما عرفناها منذ الثورة الاسلامية في ايران عام 1979. وسيبدل الاتفاق النووي الايراني وجه المنطقة، وستذهب الأمور بالتأكيد نحو تغيير للأولويات، وللأهداف وربما أيضا للتحالفات.

انتظر الجميع مسار المفاوضات بفارغ الصبر، وتابعوا محطاتها وجولاتها التي تنقلت بين مدن وعواصم كثيرة، ووقفوا عند تفاصيل التفاصيل، منهم من هلل للاتفاق من حلفاء ايران، واعتبروه محطة مفصلية في مسار الصراع مع الطرف الآخر، ورأوا في التوصل اليه تدعيما لمواقعهم. أما المتضررون، فحاولوا قطع الطريق عليه مرارا وتكرارا، كمن يحاول ابعاد الكأس المرة عن شفتيه.
لكن الولايات المتحدة بادارة الديموقراطي باراك أوباما اتخذت القرار خريف عام 2013، واطلقت مفاوضات مع ايران بعد اسابيع قليلة من وصول المعتدل حسن روحاني الى الرئاسة الايرانية، وراهنت على الاتفاق بصداقات وتحالفات تاريخية، واليوم بات الاتفاق واقعاً لا مفر منه، وعنوانه العريض: قطع الطريق على ايران ولمدة 10 سنين على الاقل لانتاج قنبلة نووية، لكن ايران تحوّلت اليوم، وباعتراف المجموعة السداسية ولاحقاً الامم المتحدة، دولة ذات تكنولوجيا نووية سلمية، تمتلك الدورة الكاملة للتخصيب، وفي المقابل رفع عقوبات أنهكت الاقتصاد الايراني والايرانيين معاً، وستتمكن ايران في وقت قريب من استعادة عشرات المليارات (الرقم التقريبي يراوح بين 100 مليار و180 مليار دولار) من الأرصدة المجمدة في المصارف الغربية ومن عائدات النفط التي صدرتها ايران خلال الفترة الماضية من غير أن تتمكن من تحصيل أموالها بسبب قرار الحصار المالي المفروض عليها، كما ستتمكن من معاودة تصدير انتاجها النفطي بكل أشكاله، واستيراد ما تحتاج اليه من معدات وتقنيات مدنية. وما هي الا ايام قليلة حتى ينتقل كل ما اتفق عليه الى مجلس الامن كي يتحول كل ذلك الى وثائق رسمية تعيد ايران الى الحظيرة الدولية دولة كاملة الحقوق والواجبات، ولو ببرنامج نووي محدود بالاستخدام المدني لكنه طموح مستقبلاً.
واختصر المفاوض الايراني الاول وزير الخارجية محمد جواد ظريف المشهد بعد اعلان الاتفاق بالقول: "أعتقد أن هذه لحظة تاريخية، اليوم كان يمكن أن يكون نهاية الأمل في هذه القضية لكننا اليوم نبدأ فصلاً جديداً من الأمل، دعونا نبني على ذلك". اما نظيره الاميركي جون كيري الذي استكمل آخر الجولات على العكازين فحاول الايحاء في مؤتمره الصحافي الطويل في فيينا بأن الاتفاق انتزع كل اوراق القوة من ايران، لكنه شدد على أن "هذا هو الاتفاق الجيد الذي كنا نسعى الى توقيعه". وشددت الممثلة العليا للاتحاد الاوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الامنية فيديريكا موغيريني على أن الاتفاق "يفتح الطريق لفصل جديد من العلاقات الدولية ويظهر أن الديبلوماسية والتنسيق والتعاون قد تتغلب على عقود من التوتر والمواجهات".
ويحافظ الاتفاق النهائي على روحية ما تم التوصل اليه في اتفاق لوزان المبدئي الذي اعلن في 2 نيسان الماضي، وأهم بنوده احتفاظ ايران بنحو 6000 جهاز طرد مركزي منها 5000 في منشأة ناتانز النووية التي ستخصب الاورانيوم بنسبة لا تزيد عن 67 ، 3%، و1000 جهاز في منشأة فوردو التي ستحصر نشاطها بالابحاث العلمية والدراسات النووية والفيزيائية المتطورة، أما مفاعل أراك للمياه الثقيلة فستدخل عليه تعديلات بنيوية وسيزود الامكانات والمختبرات والمنشآت الجديدة بمساعدة الدول المشاركة في الاتفاق من أجل تخفيف نسبة البلوتونيوم المنتجة، وسيجري ذلك بمراقبة دقيقة ودورية ومن دون قيود من خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وسترفع العقوبات الاميركية والاوروبية ذات الصلة بالبرنامج النووي الايراني وتستهدف القطاعات المالية والطاقوية - وخصوصاً الغاز والنفط - والنقل "فور تطبيق" ايران التزاماتها النووية التي يفترض ان يؤكدها تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أي على الارجح ليس قبل 2016.
اما العقوبات التي تفرضها الامم المتحدة على الاسلحة فستستمر خمس سنوات ولكن يمكن مجلس الامن ان يمنح بعض الاستثناءات. وتبقى أي تجارة مرتبطة بصواريخ بالستية يمكن شحنها برؤوس نووية محظورة فترة غير محددة.

ملفات المنطقة
والى جانب التأثير المباشر للاتفاق على الدول المعنية، ماذا سيحل بالمنطقة في ضوء التفاهم التاريخي بين واشنطن وطهران؟ أوساط ديبلوماسية أميركية تابعت كل المحطات التفاوضية أكدت لـ"النهار" أن الاتفاق يشكل مدخلاً حقيقياً لعلاقات جديدة بين ايران والولايات المتحدة وتالياً "ستكون لذلك تداعيات مباشرة على مقاربة ملفات المنطقة". وأوضحت هذه الاوساط في معرض تعليقها على علاقة الاتفاق النووي بملفات المنطقة، أن التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، وهما دولتان منغمستان الى حد بعيد في تلك الملفات، لن يكون محصورا بالبرنامج النووي وحده "فهذا اتفاق سياسي في الدرجة الاولى عنوانه العريض نووي ولكن من الطبيعي أن يطاول التفاهم ملفات ذات اهتمام ومصالح مشتركة".
ويتقاطع هذا الكلام مع اشارات واضحة أمكن رصدها من مواقف وتصريحات الاطراف بعيد اعلان الاتفاق. ووصف الرئيس الاميركي باراك أوباما الاتفاق بأنه خطوة نحو عالم "أكثر تفاؤلا يوفر فرصة للتحرك في اتجاه جديد ينبغي أن نستغلها"، بينما رأى الرئيس الايراني حسن روحاني أن الاتفاق خطوة على الطريق نحو هدف أشمل وهو التعاون الدولي، وقال: "مع حل هذه الأزمة التي لا ضرورة لها تظهر آفاق جديدة مع التركيز على التحديات المشتركة".
ورأى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان الاتفاق بين طهران والقوى الكبرى سيتيح ازالة "العراقيل" امام تشكيل "تحالف واسع" ضد تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش).

المواجهة في الكونغرس
ومع التوصل الى الاتفاق النووي مع ايران، تبدأ ادارة أوباما معركة من نوع آخر مع الكونغرس الاميركي من أجل اقناعه بالتصويت لمصلحة الاتفاق، علما أن اوباما كان واضحاً في خطابه أمس بأنه لن يسمح بالحد من تطبيق الاتفاق وأنه سيستخدم حقه في النقض "الفيتو" اذا صوّت الكونغرس لغير مصلحة الاتفاق.
وأعلن البيت الأبيض أن إرسال وثائق الاتفاق النووي الإيراني إلى الكونغرس لمراجعتها سيستغرق يومين. وسيكون أمام الكونغرس 60 يوما لمراجعة الاتفاق.
وأجرى اوباما اتصالات هاتفية في شأن الاتفاق مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والمستشارة الالمانية أنغيلا ميركل.
وأفاد مكتب نتنياهو أن المجلس الوزاري المصغّر للشؤون السياسية والأمنية اجتمع للبحث في الاتفاق النووي.
وقال: "إسرائيل ليست ملزمة هذا الاتفاق مع إيران لأن إيران مستمرة في السعي الى تدميرنا. وسندافع عن أنفسنا على الدوام".

إيران
وكما في الجانب الاميركي، في الجانب الايراني أيضاً لم يستسلم معارضو المفاوضات، وواصل المحافظون في ايران حملتهم حتى بعد اعلان الاتفاق. وقال النائب الايراني علي رضا زاكاني إن مجلس الأمن القومي الإيراني سيراجع الاتفاق وإذا رأى فيه ما يتعارض مع المصالح القومية الايرانية "فلن يكون لدينا اتفاق، والجمهورية الإسلامية لن توقع اتفاقاً سيئاً".
لكن التلفزيون الايراني بثّ أن مرشد الجمهورية الاسلامية آية الله علي خامنئي أشاد خلال افطار مع روحاني وأعضاء الحكومة بـ"الجهود المضنية والصادقة" للمفاوضين الايرانيين. وبدوره اشاد الرئيس الايراني بالدعم الذي قدمه المرشد للمفاوضين.
ونزل الايرانيون مساء الى شوارع طهران للاحتفال بالاتفاق. فبعيد الافطار بدأ مئات الاشخاص بالتوجه الى جادة ولي عصر، اطول شوارع طهران وهم يطلقون ابواق سياراتهم.

السعودية
ونسبت وكالة الأنباء السعودية "و أ س" الى مصدر سعودي مسؤول ان المملكة العربية السعودية تؤيد الاتفاق لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية. لكنه أضاف ان "المملكة تشارك دول 5 زائد 1 والمجتمع الدولي باستمرار العقوبات المفروضة على إيران بسبب دعمها للإرهاب وانتهاكها للاتفاقات والمعاهدات الدولية المتعلقة بالتسليح".
وسبق للبيت الابيض ان أعلن ان اوباما سيتصل بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز في هذا الشأن.

الأمم المتحدة
وفي نيويورك (علي بردى) ، توقع ديبلوماسيون غربيون في مجلس الأمن أن تضطلع ايران بـ"دور مسؤول" في حلّ الأزمات التي يواجهها الشرق الأوسط، من سوريا الى اليمن ومن العراق الى لبنان.
وأشاد هؤلاء الديبلوماسيون بالاتفاق الذي أنجز في فيينا، متجنبين الخوض في تفاصيله. غير أن أحدهم توقع أن يصدر قرار عن مجلس الأمن "في غضون سبعة الى عشرة أيام" يتضمن الآلية التي أمكن التوصل اليها في فيينا لرفع العقوبات الدولية المفروضة على ايران، علماً أن الولايات المتحدة هي التي ستقدم مشروع القرار هذا الى بقية الدول الـ15 في المجلس. وقال إن "ايران لديها دور اقليمي مهم للغاية، ومع الاتفاق الجديد تأتي المسؤولية، ومنها جزء يتعلق بالمسؤولية حيال الأزمات الإقليمية".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard