شكراً زافين

15 حزيران 2015 | 00:00

لم تكن طفولتي مميزة. ولأكن أكثر دقة: هي لم تكن سعيدة. حرب وقصف وملاجئ وخوف وبهدلة وقلوب على الحافة: في اختصار، طفولة لا يتمناها المرء لعدوّه، ولم أتفرد بها وحدي، بل كانت نصيبنا جميعاً، نحن أبناء ذلك الجيل وتلك العاصمة ممّن لم يكن متاحاً لهم ترف المغادرة.
ولكن، كانت ثمة رغم ذلك في حياتنا، نحن مواليد السبعينات، لحظات من التوهج، من الخفة، من الفرح الذي يُنسي، ولو لساعات، إرهاب تلك الأيام اللعينة: هي تلك اللحظات المسائية التي كنا نجلس خلالها، شقيقي وأنا، ومثلنا مئات الألوف من الناس من كل الأعمار، أمام شاشة التلفزيون، لكي نتابع بالأبيض والأسود مغامرات أبو سليم وفهمان وشلّتهما، وحلقات "الدنيا هيك"، ومناوشات هند أبي اللمع وعبد المجيد مجذوب في "آلو حياتي" (منهما تعلمتُ فنون الحرقصة في الحبّ)، وحوارات سونيا بيروتي الرائدة، وسواها من البرامج التي كانت تضيء في القلب نوراً يغذّي فينا الأمل وغريزة البقاء.
كان أبيض تلفزيون لبنان وأسوده يوحّداننا نحن اللبنانيين المنقسمين على أنفسنا، وكانا يخترعان لنا وطناً افتراضياً ثابتاً، مستقراً، يعوَّل عليه، في موازاة الوطن الحقيقي الذي كان (ولا يزال) يتبخر من حولنا ويزحط من تحت أقدامنا: وطن يفسح للضحكة، للخير، للمحبة، للحب، للصداقة، ولكلّ ما لم يعد موجوداً هنا. وينِك يا فريال كريم؟ وينَك يا شوشو؟ وينَك يا رياض شرارة؟ وينك يا أبو فؤاد؟ اشتقنالكم. اشتقنا حتى لمبارزات الزجل أيام الآحاد مع كأس العرق والخسّة، رغم أنها كانت تُشعرني شخصياً بالملل.
كنت قد نسيتُ كل هذه المرحلة، وكأنها لم تكن، الى أن اطلعتُ على كتاب الاعلامي زافين قيومجيان، "أسعد الله مساءكم" (منشورات هاشيت انطوان): كتاب لا أتردد في القول إنه "تاريخي"، بمعنى التميز والأهمية. كتاب ينبغي له أن يكون في بيت كل لبناني ولبنانية، ومن الحيوي ان يقرأه الجميع: الكبار لتمسيد الجروح، والصغار لاكتشاف ماضٍ يظنّونه، خطأ، طافحاً بالبشاعة فحسب.
لا أخجل أن أعترف أني لم أستطع الامتناع عن البكاء بينما كنت أتصفح ذلك المجلد الذي لا بد أنه تطلّب من كاتبه جهداً بحثياً عظيماً، والذي تضاهي اناقته الشكلانية مضمونه الساطع الشامل المحكم الغني. لماذا بكيت؟ لأن الحنين أقوى مني، رغم كرهي له، ولأن الآخ مجرمة رغم قمعي لها. ولأني كم أفتقد، كم نفتقد جميعاً، ذلك اللبنان.
زافين قيومجيان: شكراً.

joumana.haddad@annahar.com.lb
Twitter: @joumana333

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard