"حبّ وحرب عَ السطح" شبّان جبل محسن وباب التبّانة يسلّمون أسلحتهم!

8 حزيران 2015 | 00:26

كأنّ شيئاً من السحر يحلّ على نفوس بائسة، فيمسح عنها الضلال ويعيدها نقية تضحك. جولات القتال بين جبل محسن وباب التبّانة، ولّدت شباناً تعمي بصيرتهم الكراهية وتحول الأحقاد دون تقبّل الآخر. تأتي مسرحية "حبّ وحرب عَ السطح"، كتابة لوسيان بو رجيلي وإخراجه، وإنتاج جمعية "مارش"، مثل بلسم الجرح المتعب. عملٌ أبطاله شبّانٌ من التبّانة- الجبل، في إطار مسرحي فكاهي، غايته جَمْع ما فرّقته المعركة. شعورٌ رائع يملأ الشبّان، فتتلعثم ألسنتهم أمام كيفية تفسيره. يُجمعون على أنّهم أخوة، وكم أنّ المذهبية ملعونة إذ جعلتهم يتمنّون موت الآخر. الجميع صادق، يندم من العمق على إذعانه المطلق للضغينة. العرض في 15 حزيران، الثامنة والنصف مساء على "مسرح المدينة". هنا مسرحٌ ينتشل شباناً من مأزق الهوية، ويجعل طرابلس مدينة من رحم الوطن.

نلتقي منسّقة الجمعية ليا بارودي للحديث عن المسرحية- العِبرة. الفكرة لـ"مارش"، تحمّس لها بو رجيلي وأبدت طرابلس ترحيبها. ليش طرابلس؟ "لأنّها عرضة لبروباغندا الرعب وشائعات تنفّر الآخرين منها. لِمَ علينا دائماً أن نخاف أو نتردد عند الحديث بإيجابية عن هذه المدينة؟ نُسِي تاريخها وأُلصِق حاضرها بـ"النصرة" و"داعش"، فيما رُهِن مستقبلها للمجهول. نريد من طرابلس التوجّه الى الشباب اللبناني على امتداد الوطن: الآخر ليس ذئباً مفترساً. قد يكون مثلك، ضحية الظرف. ارمِ جانباً حُكمك الجاهز وانطباعاتك المشوّهة. هذه المسرحية تحريض على المواطَنة. الشللية وتبعية الزعامات ولّدتا في الأفراد نقمة بغيضة. اشتدّت فيهم الغشاوة فرأوا الآخر عدوّاً. هم اليوم أخوة. تجمعهم الحاجة للانتفاض على البؤس والنقصان".

ذاكرة لطّختها المعركة
بارودي كما دائماً: إيجابية ومتحمّسة. تتحدّث عن 16 فرداً يشاركون في المسرحية (بينهم ثلاث شابات) كأنهم ثمرة ما زرعت طوال أشهر من التمارين. 11 شاباً منهم خاضوا معارك الموت على محاور التبّانة- الجبل. عَنَّ على بال الجمعية إنجاز مسرحية غرضها حلّ النزاعات الطائفية عبر الفن. أبدى بو رجيلي استعداداً لتكون طرابلس الوجهة (سبق أن تعاون مع "مارش" بـ"بتقطع أو ما بتقطع"). "لم نكن نملك سوى الفكرة. لا سكريبت ولا شخصيات ولا ما سيؤول اليه المشروع. بلغ شبّان التبانة- الجبل خبر مسرحية تتحضّر، وفي استطاعة الجميع المشاركة. ظنّوها دعابة في البداية، ثم جرَّ الفضول البعض الى المشاركة، وبعضهم لا أشغال لديه، فهمَّ بملء فراغاته. استقرّت الحال على 16 مشتركاً بلا عمل تركوا المدرسة مبكرين. إنها في النهاية قصصهم"، تقول بارودي، وتضيف: "كلّ ما في المسرحية صادق. وجد شبّان الجبل أنّ المعاناة تجمعهم بشبّان التبانة. كلاهما فقيرٌ مخذول، لم يُمنَح فرصة العيش السوي. تواطأ الجميع على تحويلهم قنابل موقوتة. المسرحية ذاكرتهم السوداء التوّاقة الى نسيان الأمس. إنهم المسرحية بنبضها ووهجها وشريانها".

البؤس المشترَك و"دفن الأحقاد"
تبتسم بارودي حين نسألها كيف قابل الشبّان الفكرة، وهل تطلّب ذلك وقتاً حتى أدركوا أنّ الآخر لا ينوي بهم شراً. كأنها والحال هذه تستعيد مشهداً طريفاً أو حادثة لطيفة. "معجبةٌ بهم فرداً فرداً، بيّنوا كم أنهم أهلٌ للثقة. في البداية ابتهجوا بالجديد الآتي الى مدينتهم: مسرحية، لِمَ لا؟ لكنّهم سرعان ما تحوّلوا من الالتزام المتقطّع والاستخفاف، الى الشعور بالضياع إن تغيّبوا عن التمارين وتقاعسوا عن موعد حدّده فريق العمل. أُخضعوا لدورات تدريبية في التمثيل، وكان يكفي أن يخبروا قصصهم بصدق لتمثّل نفسها. لمسوا المشترَك بينهم، والرغبة في "دفن الأحقاد". وجدوا أنهم جميعاً بؤساء جُرّوا الى القتال كي لا يقتلهم الجوع. لا بدل مادياً يتقاضونه مقابل المسرحية، لكنّ الروح تقاضت الكثير وما عادت تسمح بأن تتلطّخ بحروب ملغومة".
تحرص بارودي على عنصر المفاجأة، وتفضّل التكتّم على الحبكة (الى عرض 15 حزيران في بيروت، يقام عرض أول في 9 منه بطرابلس، وعروض أخرى بعد رمضان). القصة مسرحية داخل مسرحية. هنا الجميع على سجيته، فالحبكة حيكت لئلا تفضح قدرات تمثيلية متواضعة وخبرة غير موجودة. يقول النصّ: مخرجٌ في سياق الإعداد لمسرحية، بيد أنه يصطدم على الدوام بالحظّ العاثر. في العمل مرورٌ عابر على رائعة "روميو وجولييت" لشكسبير. يُختَزلان هنا بعائشة وعلي، وعبرهما تُختَزل ضرورة إعلاء الحب على الكره. يحضر عمر شقيق عائشة، وأصدقاؤه، ومعلّم الديكور الذي يتولّى الاهتمام بشكل المسرحية ويخفق في مهمّاته. سوسو مصففة الشعر الموكلة شؤون مساحيق الوجه، والصحافي المدّعي المُبالِغ الحاضر لتسجيل ملاحظات مضطربة. ثمة أيضاً القنّاص والممثل الذي لا دور له. عملٌ بنيتُه الارتجال، دخل كيان الشبان ونَفَض داخلهم. فكاهيٌّ قاسٍ، يضخّ الرسائل من غير أن يعظ بها. بين علي وعائشة صفحات بلون الدم وثأر يولّد الثأر. حبّهما "المحرّم" انطلاقٌ نحو التطهّر من بارانويا الآخر.

شعور "الوضع المختلف"
نتوجّه الى أربعة شبان من المسرحية، نسألهم عن معنى التجربة وقيمة التسامح. وسؤال آخر يتعلّق باحتمال حَمْل السلاح إذا – لا سمح الله- تجددت اشتباكات المحاور، واسودّت القلوب. سمير الحسين (التبانة، 23 عاماً) ملقَّبٌ بعتريس، يتحدّث عن "وضعٍ اختلف": "كنا لنُقدِم على قتلهم لو واجهونا في المعارك. اليوم، تغيّرت النظرة". يتنفّس كمن يزيل عنه أثقالاً، ويتابع: "أشعر بالسعادة لأننا الآن أخوة. تسألين عن العودة الى القتال وأنا أجيب بأن ذلك لن يحصل. في السابق كنا أمام خيارين: قاتل أو مقتول. الشباب مناح، ولن نكرر ذلك. طالما نظرتُ الى ابن الجبل على انه يستحق القتل أو العَطب. أما اليوم، فلن أُجَرَّ الى العنف، ولو أمكنني تقديم المساعدة إليهم لن أقصّر. ألحقونا بالنصرة وداعش، ونحن لسنا سوى ضحايا الحرمان والعوز، لا مال لدينا ولا ما يسدّ الجوع. لا عمل ولا أمل. كانت المعركة فشّة خلق. تنتشلنا المسرحية من الدائرة الضيّقة والاختناق المقبل علينا من كلّ اتجاه. لم تنتهِ المعارك في طرابلس، فأوجاعها فينا تحفر وتنزّ. تتيح المسرحية البدء من جديد، لنكتشف أننا نستحق الحياة وأننا أيضاً موجودون، لا بقايا أعداد على الأرض".
يرتبك علي ضاحي (جبل محسن، 30 عاماً) في أيّ عبارات الشكر يختار لتدرك ليا بارودي مدى سعادته بالمسرحية: "أصبح الشباب أخوتنا. ما في أحلى من الأمان". لكن يا علي، ماذا لو كنتم تعيشون نشوة الجوّ، ثم عند الجدّ، تجدون العنف يناديكم وأنتم تستجيبون، كأنّه من البديهي للطبع أن يغلب التطبّع؟ يتلعثم الشبان لفكرة "أسئلة الصحافة"، وقد يخرج الجواب من ألسنتهم بعد طول محاولة، أما حين نسألهم عن احتمال العودة الى المعارك، فيجزمون على الفور: "لا، لم تعد لنا مصلحة في ذلك". يقول علي: "السياسيون يهزأون بنا. أهدرت دماء كثيرة وكانت الخسائر فادحة. بدنا نشتغل وناكل ونعيش. فليحمِ الله الجيش والدولة. آمل ألاّ تتجدد المعارك، أما إذا تجددت، فلن أكون طرفاً هذه المرة".
يوافق علي أمون (جبل محسن، 23 عاماً) أنّ النظرة تغيّرت، وما غُرِس في الرأس من أفكار خاطئة صُوِّب وزال عنه اللبس: "أنا ممن ظلّوا يرددون هذه الجملة السيئة: مين ما شفت من التبانة بدي اقتلوا، حتى في ظلّ الخطّة الأمنية. الآن نحن متعبون جداً. ما عدنا نحتمل، كلانا ذاق لوعة الخسارة. تشجّعنا المسرحية على التعرّف الى ما كنا نجهله. لن أحارب مجدداً. ثم: مين بدّي حارب؟ أخوتي وأصدقائي؟ أعوذ بالله. اكتفيت. الويل للفقر ماذا فعل بنا. أدركنا أنّ التبانة منطقة محرومة كمنطقتنا. تطلّب الأمر مسرحية لندرك خطأنا".
يوميات جميلة بين علي أمون وخضر مخيبر (التبانة، 19 عاماً) جعلتهما "أعزّ الأصحاب"، حتى أنهما تأخرا ذات ظهيرة عن حضور التمارين لإفراطهما في السهر معاً قبل ليلة واستسلامهما لنوم عميق ولّده الشعور بالطمأنينة. خضر الأصغر سناً في المسرحية، يتحدّث عن "شباب حبّوبين ما كنا نتخيلهم هيك". لم يتخيّل أيضاً نفسه صديقاً لأحد "منهم": "عرّفتني المسرحية الى أناس هم جدد بالنسبة إليّ. علّمتني كيف أتعامل مع الآخر وكيف أتعايش مع مَن يقف الخوف دون التعرّف اليهم خارج الكليشيهات. غُرِّر بنا مقابل حفنة من المال تساعد على العيش. أطلقتُ النار على أشخاص مجهولين لا هيئة لهم ولا ملامح. يكفي أنهم من "هناك" كي أراهم أعداء. حتى من أجل المال- وأنا عاطل اليوم من العمل- لن أعيد الكرّة. أتمنى النجاح للمسرحية، ليرى الجميع أننا لسنا أشراراً. أريد للفرح في داخلي أن ينتقل الى أصحاب القلوب العابسة. أثر المسرحية في نفوسنا لا يوصَف. لم يسبق أن عرفتُ هذا الشعور من قبل".

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard