كتاب - "مدن متنازعة: بيروت صنعاء وعدن" لفرنك مرميه أنثروبولوجيا للخيال والوقائع الصلبة

1 حزيران 2015 | 00:33

فرنك مرميه باحث فرنسي مستعرب في ميدان الأنثروبولوجيا المدينية العربية والإسلامية. كتاباته ومؤلفاته في هذا المجال متنوعة، وتستند الى إقامته وعمله البحثي وإشرافه على دراسات وإدارته مراكز أبحاث فرنسية في اليمن (بين 1991 و1997)، وفي لبنان (بين 2005 و2009)، من دون أن ينقطع عن متابعة هذه الأنشطة بعد مغادرته بيروت إلى باريس في العام 2010. "مدن متنازعة: بيروت، صنعاء وعدن"، آخر أعماله المترجمة إلى العربية، والصادرة في بيروت 2015 لدى منشورات "CEFAS"، ومن توزيع "الفرات".

نقرأ في هذا الكتاب - ترجم فصوله كل من: رندة بعث، حنان قصاب حسن، منال نحاس، بسمة بدران، جمال شحيد، أبو بكر السقاف، ولوسين تامينيان - مزيجاً من التأريخ الاجتماعي وتركيب السلطة المحلية، والصور الثقافية والأسطورية المتخيلة، للمدن الثلاث. لكن مرميه يشير في التعريف بأسلوبه البحثي إلى أن "الباحث في أنثروبولوجيا المدينة متسكع منهجي، ونصير مصادفات السورياليين الموضوعية، ومنقّب عن التيارات الخفية التي تحوّل الجموع المدينية مشّائين ملهمين". فالأنثروبولوجي، أو الأنّاس، مشّاء عابر ومشرّع الحواس والذهن في المدينة، قبل أن يكون باحثاً في المصادر والمراجع التاريخية والاجتماعيات. ذلك لأن "وجوه الحياة المدينية حاضرة في أكشاك الصحف، وطرز هندسة مبانيها وطرق مواصلاتها، وأنماط اجتماعها، وفي العلاقات بين الجنسين"، وصولاً إلى أشكال السلطة المحلية والعامة المتنازعة في المدينة.
مادة الكتابة عن بيروت وصنعاء وعدن، هي الوثائق والمعطيات التأريخية والصحف، أي المصادر المكتوبة، إلى جانب السير المحكية والروايات والمشاهدات والانطباعات والإشارات الرمزية والعادات والتقاليد، للوصول إلى نص أنثروبولوجي متماسك لا يستنفد الحقيقة ويتمُّها، قدر ما يُشْرِع أبوابها على التأمل ومعاودة البحث التساؤل من جديد عما "يولّد الخيالات والممارسات الاجتماعية"، لإبراز الطابع الخاص بكل مدينة ودوائر العلانية العامة فيها: الأسواق الساحات، الأزياء، دور العبادة، وجمعيات المجتمع المدني الخ...
معركة في سماء بيروت
هذا هو عنوان أحد فصول الكتاب عن مدينة بيروت. المعركة هي بين جامع محمد الأمين وكاتدرائية مار جرجس، التي تحدث اللبنانيون عن فصولها، وكتبت الصحف بعض وقائعها. لكن مرميه يضع عن تلك المعركة وثيقة استقصائية في الأنثروبولوجيا التأريخية والاجتماعية، تكشف وجهاً من وجوه التنازع على المكان والرموز في القضاء المديني البيروتي، منذ أربعينات القرن العشرين وحتى العقد الأول من الألفية الثالثة. فـ"جامع محمد الأمين شُيّد على وقع مضاربات لا تقاوم مثل جامع الحسن الثاني في الدار البيضاء، وجامع السلطان قابوس في مسقط، وجامع الشيخ زايد في أبو ظبي، وجامع الصالح في صنعاء". لكن الجامع البيروتي الجديد، يكتسب خصوصيته المميزة من كونه شيّد إلى جانب كاتدرائية مار جرجس المارونية التي دُشنت العام 1894، وانتهت أعمال إعادة بنائها العام 2000، بعدما دمرتها الحرب. اللافت ان الجامع شهد مشروع تشييده مساراً طويلاً متعرجاً، بدأ في العام 1954، عندما أُسست "لجنة محمد الأمين" لبنائه على جزء من أرض كانت تشغلها زاوية أبي النصر الصوفية التي أنشأها الشيخ محمد أبو النصر اليافي العام 1853. بعد ذلك منح السلطان العثماني عبد الحميد راهبات اللعازارية قطعة أرض، أنشأن عليها ديراً، شُيّد في مكانه في الخمسينات من القرن العشرين مبنى اللعازارية الشهير في وسط بيروت. في الستينات أطلقت جمعيات المساجد السنّية البيروتية حملة تبرعات لتشييد المسجد في مكان الزاوية الصوفية الدارسة. أبرز المتبرعين كان الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، وأمير دولة الكويت الشيخ سالم الصباح. بعد صراعات ما بين جمعية المسجد و"الأحباش" ودار الفتوى و"المقاصد"، اتخذ قرار التشييد في العام 1998، ولم يوضع الحجر الأساس للمسجد إلا في العام 2001. النظام السوري استعمل جمعية "الأحباش" التي سيطرت على لجنة المسجد، في مناوءة رفيق الحريري بذريعة ارتباطه بـ"الوهابية" السعودية، من دون أن يكون الحريري متحمّساً لبناء مسجد متضخم الحجم إلى جوار الكاتدرائية المسيحية، لكن طبيعة زعامته وعلاقاته البيروتية حملته أخيراً على السير في المشروع الذي ارتبط باسمه. وفي العام 2000 انتقدت أوساط مسيحية ضخامة المسجد الذي هيمن على الكاتدرائية الملاصقة له. اغتيال الحريري وما حدث في ساحة الشهداء، أديا إلى تناسي الاعتراضات، ولعب الجامع "دوراً مخالفاً - بحسب ما قال سمير قصير - للدور الذي كنا نخشاه، إذ جمع اللبنانيين من كل الطوائف" حول مدفن الحريري الذي كتب مرميه أن "استقلال لبنان الثاني ولد، رمزياً، من تلاقي اللبنانيين حول ضريح". أما الكاتدرائية فقد طُوّرت في العام 1997 خطة لتجديد بنائها وإعلاء برجها ليبلغ طوله 70 متراً عليه صليب، وناقوس في الإمكان سماع دقاته من مسافة 12 كلم. وهذا ما ساهم رمزياً في ما سمّاه مرميه "معركة في السماء" بين برج الكنيسة ومآذن الجامع، "أعادت توازناً سموياً" بين الصرحين. وإلى هذا الفصل يحوي الكتاب فصلين آخرين عن بيروت بوصفها "محطة مدينية متغيرة"، ويعيش سكانها "فصاما بين انتسابهم اليها وإقامتهم فيها".

القبائل والخيال
في اليمن يستقرئ مرميه تكوّن المدينة العربية الإسلامية وتوسعها انطلاقاً من السوق والمسجد ومقر السلطة. هذه المكونات تخترقها البنية القبلية في صنعاء. بعد انتهاء الحرب الاهلية اليمنية في العام 1970، شيّد عدد كبير من زعماء القبائل دارات لإقامتهم في العاصمة، يحرسها مسلحون يرافقون الزعماء في تنقلهم في المدينة. ثم أن الشيخ عبدالله الأحمر، رئيس البرلمان، والتجمع اليمني (الإسلامي) للإصلاح، وزعيم اتحاد قبائل حاشد، شيّد سجناً خاصاً قرب دارته، وأقام فيه العدالة وفقاً للأعراف القبلية التقليدية.
الحال تختلف في عدن. هنالك خصوصية عدنية تجعل المدينة محطة للخيال وللشيوعية وحركات التحرر والتحرير في العالم العربي. فموقعها مع مرفئها الشهير "المطبوع كذبابة على عنق زجاجة، حيث ينفتح البحر الأحمر على المحيط الهندي، ليس بريئاً من رمزية قصص تأسيسها ومن الأساطير والذكريات الأدبية" التي تحفّ بها، إلى جانب الجبال البركانية السوداء الجرداء خلفها. وهذا ما جعلها منارة ومحطة ومحجاً للغربيين الذين زاروها، وصنعوا لها صوراً مركّبة من أبطال أسطوريين وساهرين ناعسين في معابدها، حيث يشعّ وميض النجم الأحمر الذاوي، وصولاً إلى الصورة الطوطمية للشاعر الفرنسي آرتور رامبو الذي أمضى فيها 45 شهراً ما بين 1880 و1891، وأدخلها في الخيال الأدبي الغربي، وحوّلها جلجلته الشعرية والاسطورية.

mohamad.abisamra@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard