"كمال جنبلاط ... حياً"

23 نوار 2015 | 00:00

لو كان لي أن أضع عنواناً للفيلم السينمائي الوثائقي الذي شاهدت عرضه الأول، لكان العنوان: "كمال جنبلاط حياً". ذلك أن شخصيات هذه الفصيلة من الأفلام لا تأتي إلا بعد الغياب. وإذ تحضر مجدداً من خلال الشاشة فكأنها تعود لتكمل المسيرة، حتى إذا بلغت نقطة نهاية توقفت لتسأل المشاهد الحاضر والغائب: والآن، ماذا بعد؟... والى أين؟

هذا هو السؤال المقلق الذي يخرج به مُشاهد فيلم "كمال جنبلاط الشاهد والشهادة"، وكأنما البطل الذي يطرح سؤاله، باسماً، موجعاً، يقصد أن يقول للجمهور: أنت في أول الطريق... والطريق طويل.
لقد صدق كمال جنبلاط في حضوره، وفي غيابه، أو في إحتجابه الشفاف. فها هم اللبنانيون، وخلفهم، وحولهم العرب، واقفون على قارعة الطريق. لا يعرفون في أي نقطة هم على الطريق، ولا من أين أتوا، وإلى أين هم ذاهبون. لقد ضيّعوا البوصلة، وفقدوا الخرائطـ، ولم يبق لهم إلا التاريخ القديم... القديم... وقد أنكر حقهم بالانتساب إليه، وحرّم عليهم الاستشهاد به.
لكن كمال جنبلاط، في فيلمه القصير من عمره الطويل، إذ هو يطلّ من خلال الشاشة، مشعاً، مؤنساً، فإنه لا يحاسب الأبناء على ما فعل البعض من الآباء والأجداد، إنما هو ينظر الى الحاضر، وكأنه يريد أن يقول: هذا ما كنت أخشاه.
ثم، كأنه يستدرك ليضيف: حسناً... لنتعلم. ولكي نتعلم علينا أن نعلم لماذا وصلنا الى هنا.
ستون سنة عمر كمال جنبلاط عمر من الزمن. هو وصلة بين ما سبقه من تاريخ لبنان، وبين ما تبعه. وهو فاصل بين لبنان الذي يمضي ولبنان الذي في الغيب.
نراه في فيلمه طفلاً في فمه ملعقة من ذهب. هل هي نصيبه، أم نصيب العائلة التي أنجبته؟ هذا السؤال أتعب كمال جنبلاط في فتوّته.
ولعلّ هذا السؤال قد لاحقه حتى دفعه الى البحث الطويل عن موطئ قدم له يريده في وطنه، وفي النظام السياسي، الحاكم، والملاّكي، والأناني، المغلق على ذاته، فما وجد موطناً لقدمه إلا في الشارع، وبين الناس.
وعلى تلك الفسحة وقف حراً، متحرراً من عقدة الذهب، واللقب، ومن سطوة الشهوة والطمع، إلا بأن يستحق الحياة انتصاراً على الضعف، وهو الذي ردّد من نشيد "الحزب التقدمي الاشتراكي" الذي نظمه شاعر الحزب كامل العبد الله، ابن مرج الجنوب (الخيام – مرجعيون):
"كل أرض لنا مهدُ"
"ليس للخيّر حدّ"
"لا يُرى حُرّ وعبدُ"
"إنما الكون بنا"
"قوة تطوي الفنا"
هذه "الكونية" في ذات كمال جنبلاط هي التي، ربما، جعلته يذهب بعيداً، متخطياً حدود الوطن الصغير الى العالم العربي الواسع، وصولاً الى العالم الثالث الأوسع، ممثلاً، في ذلك الزمن من مطلع خمسينات القرن الماضي، بأقطاب "مؤتمر باندونغ"، وأبرزهم: جواهر لال نهرو، وجمال عبد الناصر، والماريشال تيتو مؤسس دولة اتحاد الجمهوريات اليوغوسلافية الإشتراكية التي وقفت نداً للإتحاد السوفياتي في عصر ستالين. وقد كان لكمال جنبلاط مقعد في مجالس هؤلاء الأقطاب، وهو الذي إعترض مرة على مشاركة الاتحاد السوفياتي في دورة للمؤتمر عُقدت في القاهرة، باعتباره إحدى الدول العظمى من العالمين (الأول والثاني) فيما المؤتمر يمثل دول العالم الثالث. ولم يحضر ممثل للكرملين. لكن الكرملين عاد وقدم الى كمال جنبلاط "ميدالية لينين" في إحتفال ضخم شهدته بيروت في قاعة الأونيسكو.
في الفيلم الذي كتبه وصوّره وأخرجه المؤلف السينمائي الوثائقي هادي زكاك يظهر وليد جنبلاط ليشرّع أبواب دار المختارة ونوافذها أمام الكاميرا لتبين "حصة" الوالد الشهيد من الدار التي كانت، ولا تزال، أحد أكبر رموز لبنان منذ مطلع القرن التاسع عشر.
يتنقل وليد جنبلاط بين زوايا غرفة فراش الوالد ومكتبته. يقلّب صفحات بعض الكتب، وبينها كتابه "نكون أو لا نكون". ثم يفتح صندوقاً، فيفتح جرحاً. تظهر تذكرة هوية الوالد الشهيد مثقوبة بالرصاص في وسط الأرزة التي عليها. كانت التذكرة في جيبه الداخلي، لجهة القلب، حين إنطلق عليه الرصاص، ظهر ذلك اليوم 16 آذار 1977
يتأمل وليد جنبلاط تذكرة الشهيد، ثم يعيدها الى مكانها في الصندوق بعناية الأصابع التي تلامس قرباناً مقدساً.
أكثر من شخصية إلتقت في ذات كمال جنبلاط من خلال فصول الفيلم الذي أنتجته "رابطة أصدقاء كمال جنبلاط" لكنه في الخلاصة واحد: الرئيس، والقائد، والرفيق، والمتصوف الغافي، مبتسماً، في حضرة روح المعلم المقيم في معبده في الهند، على مسافة آلاف الكيلومترات.
ثم، هو كمال جنبلاط الإنسان البسيط، المأخوذ بزهرة برية نبتت في ثنايا شقوق عتبة نافذته المفتوحة على الربيع.
وهو المفكر الثقافي الأممي، الشاعر، عابر عصور النهضة والإشراق، متخطياً عصور الظلام، متصدياً لأربابها ودعائها ومقلديها.
وهو الوزير، والنائب، المصغي باهتمام الى شكاوى الناس.
وهو، في كل الحالات، الثائر على الضعف والجبن، والوقاحة، والسفاهة، في السلطة وبين الناس.
ولعلها مصادفة أن يأتي فيلمه في ذروة أزمة رئاسة الجمهورية اللبنانية، وهو الذي عاصر معارك هذه الرئاسة منذ بداية عهد الاستقلال، وهو الذي وُصف بأنه "صانع الرؤساء الذي ليس من حقه أن يكون رئيساً". بل إن حقه يتوقف على عتبات وزارات جليلة بمهماتها، وبصلاحياتها، كالتربية، والأشغال، والزراعة، والصحة، والإنماء، في حين تذهب الرئاسات والوزارات "العليا" الى أربابها من فئة "ميم" و"سين" و"شين"، كما قال مرة، ضاحكاً ببراءة، بعد أن كان قد نظّم وقاد مع رهط من رفاقه في "الجهة الاشتراكية الوطنية" الانقلاب الشعبي الذي أطاح أول رئيس جمهورية عربي في الشارع عام 1952.
ولا تذهب من ذاكرة الشهود الذين كانوا، ومن بقي منهم على قيد الحياة، تلك الجلسة التي عُقدت في مكتب كمال جنبلاط في بيروت، بعد ساعات من تحقيق ذلك النصر التاريخي، وقد توجه في مطلعها كميل شمعون الى كمال جنبلاط، قائلاً له: "مبروك فخامة الرئيس...".
كانت تلك مجاملة معنوية رائعة من الزعيم السياسي المعارض، ورئيس الجمهورية في ما بعد، وقد تلقاها كمال جنبلاط بابتسامة وهو يعلّق: أنا الرئيس... وغيري صاحب الفخامة.
هل هو قدر القادة الأفذاذ من اللبنانيين الذين يولدون من فئات تأتي بعد الفئات المميزة الثلاث؟
هذا هو الواقع... فأمثال كمال جنبلاط في لبنان، والعالم العربي، نصيبهم ثلاث: رصاصة في الرأس، ورصاصة في الصدر، ورصاصة في الفم...

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني