موسيقى - ليجيا أمادو فارسة تقود جيشاً أم عاشقة تقودها الموسيقى إلى جحيمها؟ الأوركسترا الفيلهارمونية عزفت وتألّقت على نار امرأة من الأساطير

20 أيار 2015 | 00:00

(مروان عساف)

ما حدث ليلة الجمعة في كنيسة القديس يوسف يشبه النيزك الذي يعبر في السماء على غفلة تاركا وراءه شهبا تظل تستثير الدهشة حتى بعد حين. الأوركسترا الفيلهارمونية الوطنية لا تزال تتذكر أول لقاء مع ليجيا أمادو، العام 2012 في مهرجان البستان، كأن الانفعال مع هذه الحاملة في كيانها فرح القيادة وغبطة إيصال فحوى العبارات الموسيقية إلى كل فرد من العازفين، لا يزال فاعلا. ليلة الجمعة الانسجام بينها وبينهم كان على قسط كبير من التكامل التقني والتجاوب الحار والعاطفي، لما تختزنه هذه الرسولة من براعة هائلة في بث أحاسيسها وحيويتها في المعدن الإنساني والآلي. ثلاث سنوات عبرت ولا يزال هذا الشهاب يضرم مفعوله في كيان أوركسترانا الوطنية، ومنها إلينا، وفي سيرتها العجيبة نعلم أنها أول امرأة تمنحها طوكيو جائزة القيادة الأوركسترالية، كما حازت جائزة أفضل قائدة أوركسترا في سانتياغو، أما في وطنها الأم البرازيل فاستحقت لقب أفضل قائدة من جمعية النقاد الفنيين، لكن جائزتها الأهم، تكمن في مدها جسور إنسانية متينة بينها وبين أوركسترات العالم.

امرأة في نساء، دخلت إلى الأوركسترا ضاحكة، يغمرها فرح اللقاء بجمهور وقف مرحباً بهذه السيدة الممشوقة القد، المختلفة بفستانها الأسود الطويل، المرصّع في أعلاه بنجوم صغيرة برّاقة، عن بدلة الذكور الرسمية، ومختلفة أيضا عن سائر كبار قادة الأوركسترات العالميين في تفاعلها مع كل نسمة نغم، فتتغيّر سماتها، وتتألّق، طائراً أسطوريا تفرش جناحيها على المشهد الأوركسترالي، فتسحره بإيحاءات تعابير يديها وجسدها الطيّع، الحامل شموس البرازيل في خفايا تقاطيعه.
هذا الدفق العاطفي الذي عبّرت به في مستهل ظهورها على المنصة، هو تعويذتها السحرية تأسر بها أوركسترا فيلهارمونية بكامل عدتها، كما الجمهور الذي لم يكن قد استوعب بعد أن السيدة الواقفة على المنصة ستغويه بنجوميتها، وبيديها، فيما هي تغرف بشهوة وعطش من هذه الوليمة الموسيقية، سيكون لسمعه طبقات لم يتوغّل في أعماقها من قبل.
السمفونية الثالثة لبراهمز هي آية متوهّجة بعبقرية ذلك الذي عثر على خط بيتهوفن وعلى إلهامه، ومن إرثه بنى صرحه البديع. بقالبها الكلاسيكي والرومنطيقي، بعصبها الوجودي وسكينتها العاشقة، كانت مآثر حقيقية تعلو من الأبواق والأوتار، توزّعها ليجيا أماديو على الأوركسترا، معيَّرة بالقيراط. فمن الحركة الأولى رأيناها في صراع مع نيران براهمز، لا لإخمادها بقدر ما في دمها من براكين تجاوبت مع تحفته، فرقصت على الحمم المتدفّقة منه، خيالية، إغريقية في تراجيدية الفستان الأسود المرصّع بالنجوم.
هل كانت تقود الأوركسترا الفيلهارمونية المتيقّظة لكل إشارة تصدر من يديها، أم هو براهمز بقماشته السمفونية الحميمة كان يقودها إليه؟ في هذا التناقض العبثي الرائع، بين المرأة القائدة والأنوثة المنقادة، كان المشهد الموسيقي في تعبيرية الشيللو الحميم حيناً، وصياح الهوبوا حيناً آخر، تراجيديا من عمق الرومنطيقية البراهمية. ليجيا كانت في قلب الدراما تروي بجسدها عبقرية الإبداع، وبكل من إيماءاتها تؤجّج نارها وتسعّرها. هكذا كانت الأوركسترا تزف لنا ما كانت ليجيا الجنيّة تقوله ببوليفونية تعابير ذراعيها.
في الحركة الثانية ونغم رقيق كأغاني الحب، حسبناه آتياً من وحي شوماني، كان انتقال حسوي من الصراع الباهر في عقد الحركة الأولى إلى شدو لذيذ تغيّر معه المشهد ليرينا إياها في عناق مع ذاتها، وفي آن واحد تسيّر على نبضات قلبها العاشق الأوركسترا. في التالي، استعادت السمفونية مزاجها المكفهر في ارتقاء تصاعدي ترك وراءه ليريكية الحركة الثانية، لنسيج قاتم، نسمع ما تقوله الأبواق ناعية، باكية من دون أن يتضاءل الوحي الإبداعي لحظة.
كيف خرجت ليجيا أماديو من جحيم براهمز والأقواس كسيوف منتصرة جمّدها الرمق الأخير؟ كان وجهها طافحا بالفرح، تستقبل تصفيق الجمهور لا بكبرياء مكانتها العالمية بل بروح من الأخوة والعرفان، ثم استدارت إلى الأوركسترا تحيي كل فرد من أفرادها، متخطيّة البروتوكول الأكاديمي، القائم على مصافحة القائد للكمان الأول.
هذه البشاشة التي لم تفارق أساريرها، عادت وارتسمت في تقاطيع قامتها الجميلة وهي تحتفل مع الأوركسترا بموسيقى إبن بلدها البرازيل، هيتور فيلا – لوبوس في مقطوعته السابعة من سلسلة "باكانياس برازيلليراس". من هذا الإرث البرازيلي، كانت حجارة هذا الصرح الأربعة مرصوفة حسب تقاليد الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية ووحي التقاليد الشعبية.
الحركة الأولى أوحت للسمع نغما باروكيا متشرّبا من روح باخ، غير أن المناخ الشامل يرسم مشاهد عابرة من الفولكلور البرازيلي. ليجيا أماديو لمست ما في الحان فيلا – لوبوس من إيحاءات معبّرة عن تأثير باخ فيه، فكانت في مواكبتها الأوركسترا في هذا الحدث الجامع بين الباروك والشعبي البرازيلي، تجمع في إدائها المدوزن أزمنة متفاوتة، متعانقة في ما بينها. الجسد الطيّع كان يماشي الإيقاع البرازيلي فتبدو في دوران أنيق مع السامبا. لكل آلة في الأوركسترا إستقلاليتها الميلودية، ناجمة عن تنقيب فيلا – لوبوس في الإرث البرازيلي الذي احتفلت به أماديو الجمهور اللبناني.

may.menassa@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard