المطلوب بطريرك أنطاكي "نبي" يصرخ في برية هذا العالم المتأزم: كفى!

13 أيار 2015 | 00:00

إلامَ يقوم المسيح ليشعنن، ثم يقوم ثانية؟ من يجرؤ اليوم على الوحدة المسيحية الانطاكية كمقدمة لشهادة مسيحية موحدة، كون عالم اليوم في حاجة ماسة اليها؟ ألم يحن الوقت للمسيحية المشرقية أن تقرأ في علامات الزمن الحاضر والمعاني الاخروية لآلامها الحالية والمطلوب منها؟ حدثان كلّمانا عن الوحدة اخيراً. تسلم البطريرك يوحنا العاشر وسام "وحدة الشعوب الارثوذكسية" من بطريرك موسكو في روسيا في 20 شباط الماضي، ورسالة القيامة المشتركة لبطاركة انطاكية. خيار روسيا ليوحنا العاشر الحامل آلام انطاكية الجريحة، هو في محله كونه يعمل بصبر للمحافظة على الوحدة الارثوذكسية على الرغم من الضربات التي تكال لها. هذا لا يلغي المساءلة حول معنى الوحدة الارثوذكسية اليوم؟ هل هي وحدة ايمان فقط من دون وحدة حال ومصير تتطلب تعاضداً غير محدود؟ هل هي وحدة لفظية تظهر في صور المناسبات، ومن ثم تتلاشى على ارض الواقع والمرتجى؟ أين الكنائس الارثوذكسية من النار التي تنهش جسم الكنيسة الانطاكية؟ أين هي من كلام بولس: "ان تألم عضو من الاعضاء، فكل الاعضاء تتألم"؟ ماذا فعلت هذه الكنائس بقرار كنيسة أورشليم باقامة أسقف لها على امارة قطر منذ 2013 على ارض كنسية تتبع كنيسة انطاكية، كونه يضرب الوحدة الارثوذكسية والقوانين المجمعية التي تقوم عليها؟ ماذا فعلت هذه الكنائس، غير البيانات، للتحرك الحثيث عالمياً لوقف معاناة المسيحيين في الشرق؟ ماذا فعلت في قضية خطف مطراني حلب بولس ويوحنا؟ هل تداعت الى عقد القمم الاستثنائية المفتوحة أو الذهاب الى الأمم المتحدة لتعتصم وتدق ناقوس الخطر العالمي؟ هل اقامت خلوات أزمة للمتابعة والتصعيد والتنبيه؟ أي وضع أكثر تأزما يتطلب اعمالا استثنائية؟ الكنائس الارثوذكسية في أزمة. فهي تعيش "ككنائس" وليس ككنيسة واحدة. وهذا يذكرني برؤية نيكوس كازانتزاكيس في كتابه "المسيح المصلوب مجدداً الذي يروي الصراع بين ارثوذكس شردهم الاتراك من ضيعتهم في آسيا الصغرى فدخلوا ضيعة ارثوذكسية اخرى خاضعة لآغا تركي تتنعم بالرخاء والعيش الكريم. فتعاملت هذه الضيعة المتخمة بمكتسباتها الارضية وكاهنها المتخم بسلطة ومصالح دهرية، مع الاخوة الغرباء والكاهن الروحي المستقيم المشرد، كغرباء وليس كأخوة بالمسيح، متألمين مشردين منهكين. فتضامنت الكنيسة "المتخمة" مع الكنيسة "المتألمة" لفظيا فقط من دون ان تشاركها الالم والمأوى والرداء ودفعت بها الى العراء والبراري الخارجية.
وضع الكنيسة الارثوذكسية اليوم ليس مستغربا. فلا مراجعة روحية نقدية في كنيسة النقاوة والقداسة. ولا قراءة فيها لحداثة عالم اليوم ولمتطلبات شهادة ذكية للانجيل فيه. ومنطق "المحافظة" على الموجود يطغى فيها على منطق "البشارة" والشهادة والعطاء. اما كنائسياتها التي تفترض الشركة والمشاركة بين كل المواهب، علمانية واكليريكية، في "صنع" القرار الكنسي من خلال اوسع شورى مُمأسسة، فلا تطبق فيها، بل تقوم محكوميتها اليوم على هرمية سلطة عمودية تراكم الكثير من الخبرات الروحية والمهنية التي لا تشركها وتستفيد منها الكنائس الأم؟ الوحدة الفعلية لا تقوم بالاستمرار في العيش "المتوازي" بين الكنائس ولا في العيش في عالم الماضي، فيه الكثير من المتحفية والقليل من الذكاء المتحرك للتفاعل مع عالم اليوم، عالم "الشبكة والتواصل". الوحدة تنزل علينا اذا سعينا للانخراط معا، من دون إلغاء التنوع، في مشروع شهادة موحدة فيها تقليد وحداثة تختصر التاريخ وتسرع المجيء الثاني.
في الغرب بابا جريء يحاول ان يختصر التاريخ وان يخرج تجار الهيكل من هيكل الرب، فيكيل لهم كلاما قاسيا عندما يكلم الاساقفة الكاثوليك الذين "امسوا اداريين لا فرح إنجيلياً فيهم ولا روح قدس يحركهم". فهل من بطريرك – نبي انطاكي يجرؤ على الوحدة المسيحية الانطاكية كمقدمة لشهادة مسيحية موحدة؟ ثقتي بحداثة يوحنا العاشر، الذي أقدم على خطوة مؤتمر "الوحدة" الانطاكية في حزيران 2014. لكن المؤتمر جبه بفرملة مضادة رهيبة من الكنيسة المحافظة المثقلة بالتراكمات، والتي هجرتها الرعائيات. فذهب المؤتمر وتوصياته مع الريح ودخل الارشفة بدل ان يدخل كنيستنا بمنهجية وحدة وحداثة لصنع المستقبل الكنسي الانطاكي. السعي للوحدة يتطلب شهادة حتى الموت، موت الصليب. فلا قيامة ولا دور لأنطاكية في عملية الوحدة المسيحية، الا اذا تجددت انطاكية من دون ان تتعصرن. فهل تسمع انطاكية، التي كانت دائما السبّاقة للاشارة الى الجوهر في الكنيسة الجامعة، صوت الرب الذي يقفل على بابها ويقرع؟ هل يكون يوحنا العاشر، البطريرك النبي المطلوب، الآن وهنا، ليصرخ في برية هذا العالم المتأزم، بجرأة يوحنا السابق ويقول مثله: "أنا صوت صارخ في البرية قوّموا طريق الرب كما قال اشعياء النبي"؟

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard