المرأة الخطرة آسيا داغر سيدة الإنتاج الرفيع

1 نوار 2015 | 00:00

تحت عنوان "اللقاء الثاني"، تستعيد جمعية "متروبوليس" سلسلة من الأفلام السينمائية في تظاهرة تمثّل تحية إلى كبار المنتجين اللبنانيين الذين برزوا عربياً وعالمياً، في مقدمهم آسيا داغر، النجمة التي دخلت مبكرة في هذا الميدان، وواظبت على عملها بثبات مدى عقود من الزمن، فلُقِّبت بـ"عميدة المنتجين"، وأصبحت شركتها "لوتس فيلم" أقدم شركات الإنتاج السينمائي المصري وأطولها عمراً.

هي ألماظة غصون داغر، ولدت في تنورين وتزوجت مبكرا من جورج سركيس، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة هيلين. نزحت إلى مصر في العام 1923، والتحقت بابن عمّها المحرر في جريدة "الأهرام" أسعد داغر في الإسكندرية. افتتنت في صباها بعالم السينما والنجوم، وظهرت في دور عابر في فيلم "ليلى" الذي أنتجته عزيزة أمير وأدّت بطولته في العام 1927، يوم كانت السينما المصرية تخطو خطواتها الأولى. كان المسرح المصري في عصره الذهبي حين أسست عزيزة أمير شركة سمّتها "إيزيس فيلم"، وواجهت العديد من الصعاب عند تصوير فيلمها الأول. خرج هذا الشريط إلى النور بعد مخاض عسير، واثر عرضه، كتب ادوارد عبده صالح في مجلة "الستار": "برافو، لقد نجحت عزيزة، في الرواية بضع هنات ومآخذ، نمرّ بها كراماً لأن هذا الفيلم باكورة عملها أو الدرس التمهيدي لتجارب المستقبل". شهدت آسيا ولادة هذا الفيلم واحتفال المجتمع المصري به، ودفعها ذلك إلى الخوض في تجربة الانتاج كما تُجمع الروايات.

غادة الصحراء
تحت عنوان "لولا الصدفة"، كتبت مجلة "الكواكب" في حزيران 1956: "قد لا يعلم الكثيرون ان السيدة آسيا كانت في مستهل حياتها الفنية تهوى العمل في المسرح، وتود أن تصبح ممثلة مشهورة، وكانت لهذا السبب تقابل الكثيرين ممّن تخصصوا في تكوين الفرق المسرحية وإدارتها. وذات يوم أرادت الاتصال بواحد من أولئك وحاولت أن تجد عربة حنطور تنقلها إلى المكان الذي تقصده فلم توفّق، واضطرّت إلى أن تسير على قدمها، وكان في نيتها أن توقّع في هذا اليوم عقد اتفاق على تكوين فرقة مسرحية تدفع جزءاً من نفقات انشائها الأولى. وفي الطريق التقت بالمخرج وداد عرفي الذي حدّثها عن السينما وعن مستقبلها الباهر، وانتهى اللقاء بينهما بالاتفاق على انتاج فيلم تضطلع هي ببطولته وهو فيلم "غادة الصحراء"، ثم واصلت عملها السينمائي بعد ذلك". جاء وداد عرفي من تركيا إلى مصر في العام 1926، وأخرج أول أفلام عزيزة أمير، غير أنها اصطدمت معه، وأعادت "إخراج" الفيلم بعدما تبيّن لها فشل المخرج في عمله. على رغم هذه التجربة البائسة، وجد هذا المخرج التركي مكانته في الوسط السينمائي الناشئ في مصر، وأقنع آسيا بإنتاج فيلم لا تتجاوز تكاليفه ثلاثمئة جنيه. في حديث يعود إلى أيار 1944، تروي آسيا: "في أوائل ظهور صناعة السينما في مصر، كان يقيم في مصر رجل يحمل اسم وداد بك عرفي كان يقول عن نفسه إنه مخرج تركي. وفي هذا العهد كانت أمنيتي أن أُخرج فيلما، ولم أجد مخرجاً سوى وداد بك هذا، فاخترته للعمل معي، وكانت النتيجة التلبيخ التام واختفاء وداد عرفي". تم إعداد الفيلم في نهاية العام 1928، وكتبت مجلة "المصور" في إعلانها عنه: "وضع وداد بك عرفي المؤلف والمخرج السينمائي المعروف رواية سينماتوغرافية جديدة أسماها "غادة الصحراء"، وقد انتهى أخيراً من تصوير مناظرها بالاشتراك مع جماعة من معاونيه من هواة السينما البارعين، وسيمثّل الدور الأول في هذه الرواية السيدة آسيا، وهي أول سيدة سورية تظهر على اللوحة الفضية في رواية سينماتوغرافية".
استأجرت آسيا سينما "متروبول" لحسابها لتعرض فيه فيلمها الأول، ثم سافرت به إلى دمشق حيث لاقى نجاحاً كبيراً، وكان هذا الفيلم أول شريط مصري يُعرض في سوريا ولبنان، وقد سارعت الحكومة السورية إلى تكريم منتجته، فقلّدتها وسام الاستحقاق، ومنحتها مئة ليرة ذهبية مع ميدالية نُقشت عليها صورتها في باريس. بعد هذا الفيلم، ظهرت آسيا في فيلم "كوكايين"، ثم أنتجت فيلم "وخز الضمير"، ولعبت فيه دور البطولة إلى جانب أحمد جلال وابنة شقيقتها ماري كويني. صُوِّر الفيلم في دار الآثار المصرية التي عُرفت لاحقاً باسم المتحف المصري، وبين الآثار المصرية في الأقصر وأسوان، وانتقدته مجلة "الصباح" عند عرضه في العام 1931، ورأت "أن كاتب السيناريو جعل كل همّه استعراض أكبر عدد ممكن من الآثار المصرية، حتى يُخيّل للمتفرج في بداية الفيلم أنه يشاهد جريدة لا رواية، وهذا يرجع لظنّ المخرج أن هذه الآثار قد تهزّ فينا العاطفة القومية، لكنه في الوقت نفسه غلط فني شنيع". على رغم ذلك، نجح الفيلم، وكافأت الحكومة المصرية صاحبته، فمنحتها الجنسية المصرية، واشترت منها نسخاً من الشريط لعرضه في الخارج دعايةً لمصر.

الثالوث الفني
بعد جولة ناجحة في أنحاء سوريا لعرض "وخز الضمير"، اتّفقت آسيا مع أحمد جلال على تأليف الأفلام التي تنتجها، وإخراجها، وشكّلت معه ومع ماري كويني ثالوثاً فنياً ظهر في سلسلة من الأفلام، أولها "عندما تحب المرأة"، في العام 1933. كتبت "الكواكب" في حديثها عن الشريط: "كانت موضوعات الأشرطة المصرية التي عُرضت علينا من قبل في هذا الموسم تدور كلها حول فكرة واحدة وهي الزواج، ثم جاء الشريط الناطق "عندما تحب المرأة" فحاد عن هذه الفكرة، وجاءنا بفكرة جديدة هي حب المرأة وتضحيتها في سبيل هذا الحب". نجح الفيلم، وكرّم "نادي رمسيس" صاحبته في مدينة بور سعيد حيث "تبارى الخطباء ولهجوا بالثناء على جهود السيدة آسيا في سبيل إحياء النهضة السينمائية بمصر"، على ما كتبت "الكواكب" في شهر حزيران. من جهة أخرى، اختارت مجلة "فن السينما" هذا الشريط كأفضل فيلم مصري للعام 1933، وساهم هذا النجاح في تثبيت مكانة آسيا في سوريا حيث أُطلق اسمها على حديقة عامة في مصر.
واصلت آسيا مشوارها في العام التالي، ودخلت في مغامرة جديدة حين أنتجت أول فيلم من نوع الخيال العلمي في مصر، وهو فيلم "عيون ساحرة" الذي رفضته الرقابة في بادئ الأمر. في أيلول 1954، استعادت صاحبة الفيلم ذكرى هذا الرفض في مقالة لها عنوانها "البسوا منظاراً وردياً"، وقالت إن الجهات المختصة رفضت فيلمها حين رأت فيه تأييدا لفكرة إحياء الموتى، واعتبرت أن هذا المشهد "قد يثير ثائرة رجال الدين، لأن الدين الإسلامي لا يعترف بحق إحياء الموتى لغير الله سبحانه تعالى". رفضت آسيا هذه الحجة، وقالت: "إن كل ما هنالك هو أن التنويم المغناطيسي يجعل الأحياء يغفون ثم يوقظهم". وعندما أصرّت الرقابة على موفقها، عادت وقالت: "إنني مسيحية، وديني لا يُحرّم عليّ تصوير مشهد كهذا". "وهنا، وهنا فقط، اقتنع رئيس الوزراء وصرّح بعرض الفيلم، ولم ير فيه الناس شيئاً له علاقة بالدين من قريب أو بعيد". بعد "العيون الساحرة"، دخلت آسيا في مغامرة أخرى، وأنتجت أول فيلم تاريخي في تاريخ السينما المصرية، هو فيلم "شجرة الدر" الذي صُوّر بين فندق "هليوبوليس بالاس" وشوارع الجمالية وبيت القاضي وخان الخليلي، وهي أحياء تعود إلى العصر المملوكي. مع أحمد جلال وماري كويني، تابعت آسيا المسيرة، وأنتجت "بنكنوت"، ثم "زوجة بالنيابة" في العام 1936، ثم "بنت الباشا" في 1938، و"فتِّش عن المرأة" في 1939. بعدها، "فتاة متمردة"، و"زليخة بنت عاشور" في 1940. رافقت الصحافة هذه الأفلام، وكتبت مجلة "الإثنين والدنيا": "لعلّ الشركة التي يشرف عليها الثالوث الفني المكوّن من السيدة آسيا والآنسة ماري كويني والأستاذ جلال هي أنشط شركاتنا السينمائية وأكثرها إنتاجاً، فلا يكاد يُعرض لها فيلم حتى يكون التالي في سبيل الإخراج. وهذه ميزة تستحق التسجيل ولا شك. وفيلمها الأخير "زليخة بتحب عاشور" فيلم شعبي رُوعي فيه أن يرضي طبقات معينة، ونستطيع من هذه الناحية القول بأنه أدى الغاية المرجوة منه ووصل إلى النجاح المطلوب".

امرأة خطرة
في تلك الفترة، تزوج أحمد جلال من ماري كويني التي تصغره بعشرين عاماً، وكانت الصحافة ترشحه للزواج من آسيا، وشكل هذا الزواج منعطفاً جديدا في مسيرة الثالوث الفني الذي صنع مجد شركة "لوتس". تابعت الشركة انتاجها، وقدّمت "امرأة خطرة" في 1941، و"العريس الخامس" في 1941، بعدها انفصل أحمد جلال وماري كويني عن آسيا ليؤسسا شركة خاصة بهما، وسارعت صاحبة العيون الساحرة إلى اعتماد مخرج جديد لشركتها هو هنري بركات. شكل فيلم "الشريد" في العام 1942 بداية لهذه الشراكة الجديدة، وهو أول أفلام بركات، وتبعه "لو كنت غني"، ثم "المتهمة" في العام نفسه. في العام 1944، قدمت شركة لوتس فيلم "امّا جنان"، وتلاه "القلب له واحد" الذي ظهر في العام التالي، ومعه بدأت صباح مشوارها الفني الطويل الزاخر بالأفلام المصرية. مع آسيا، نجحت صباح في إطلالتها الأولى تحت إدارة بركات، وتكرر هذا النجاح في فيلم "هذا جناه أبي" الذي عرض في نهاية 1945. في العام التالي، أنتجت آسيا "الهانم" الذي لعبت البطولة فيه، وأطلقت من خلاله فاتن حمامة التي عرفها الجمهور طفلة في فيلم "يوم سعيد" 1940، ثم في "رصاصة في القلب" 1944، وكلاهما من بطولة محمد عبد الوهاب.
بعد "الهانم"، اعتزلت آسيا التمثيل وتفرّغت للإنتاج، وقدّمت مع المخرج هنري بركات سلسلة من الأفلام، منها "العقاب" الذي لعبت فيه فاتن حمامة البطولة أمام كمال الشناوي في 1948، و"معلهش يا زهر" في 1950، وفيه تألقت شادية أمام كارم محمود. وتبع هذا الفيلم "أمير الانتقام" الذي خرج في العام نفسه، وتميز بطابعه التاريخي الضخم. إلى ذلك، تعاونت آسيا في تلك المرحلة مع عدد من المخرجين، منهم حسن عبد الوهاب في فيلم "ليت الشباب" الذي أدّى بطولته رجاء عبده وعماد حمدي في العام 1948، وحسن الإمام في "اليتيمتين" مع فاتن حمامة وثريا حلمي. في العام 1951، أنتجت" شركة لوتس" فيلم "الهوا سوا" الذي جمع شادية وكمال الشناوي تحت إدارة يوسف معلوف، وتبعه "اشكي لمين" من إخراج ابرهيم عمارة وبطولة فاتن حمامة وعماد حمدي، ثم "آمال" من إخراج يوسف معلوف وبطولة شادية ومحسن سرحان.

حياة أو موت
في العام 1952، أعلنت آسيا تعاونها من جديد مع صباح، ونشرت الصحافة صوراً تجمع بين المنتجة والنجمة الشابة عند توقيع العقد في حضور هنري بركات، مخرج فيلم صباح الأول. صُوِّر فيلم "من القلب للقلب" بالكامل، ورافقت الصحافة مراحل إعداده وتوليفه، غير أن الشريط احترق عندما قضت النيران على "استديو مصر"، فعمدت آسيا الى إعادة تصويره، غير أنها اصطدمت مع صباح لأسباب مادية، فوجّهت إليها من خلال الصحافة خطاباً مفتوحاً مطلعه: "صغيرتي جانيت، اسمحي لي أولا وقبل كل شيء أناديك بهذا الإسم الذي عرفتك به قبل ظهورك في السينما وقبل زواجك وقبل أن أُطلق عليك اسم صباح الذي قدّمتك فيه في أفلامي". بعدها، أسندت آسيا الدور إلى ليلى مراد، وأعادت تصويره مع طاقم العمل نفسه، غير أنها عادت وتعاونت مع صباح بعد قطيعة دامت أربع سنوات، وعهدت إليها بطولة فيلم "يا ظالمني" في العام 1954، ثم "ثورة المدينة" في العام التالي.
بين "من القلب للقلب" و"ثورة المدينة" تغيرت الأحوال، وانتقلت مصر من الملكية إلى الجمهورية والاشتراكية، لكن آسيا صمدت وتابعت نشاطها من دون كلل، وقدمت سلسلة من الأفلام، أهمّها "حياة أو موت" الذي أخرجه كمال الشيخ، وفيه انتقل من الاستوديو إلى الشارع. في تشرين 1954، وقبل إطلاقه على الشاشة، كتبت "الكواكب": "شاهد القائمقام أنور السادات وزير الدولة وسكرتير المؤتمر الاسلامي عرضاً خاصاً لفيلم "حياة أو موت"، فأعجب بموضوعه وإخراجه، وتراه في الصورة وهو يهنئ المنتجة آسيا على هذا المجهود الفني الرائع الذي يشرّف صناعة السينما المصرية وتفخر به مصر، وهذا الفيلم يُعتبر أوّل فيلم مصري تخرج فيه الكاميرا إلى الشارع فعلاً". في تلك المرحلة، أطلقت الصحافة على آسيا لقب "سيدة الانتاج الرفيع"، ورافقها هذا اللقب حتى وفاتها في مطلع العام 1986. واكبت مؤسسة "شركة لوتس" الثورة الناصرية، وحيّتها في العام 1957 في فيلم "رد قلبي" الذي جمع بين "حكاية حب وحكاية شعب" كما يقول الإعلان، وحقّق نجاحاً واسعاً في مصر والعالم العربي.

اللقاء الثاني
بعد هذا الفيلم، دخلت آسيا في مغامرة جنونية كلّفتها كل ما تملك، وأنتجت "الناصر صلاح الدين"، ثالث أفلامها التاريخية بعد "شجرة الدر" و"أمير الانتقام"، وأكثرها تكلفة. بلغ إنتاج الفيلم مئتي ألف جنيه، وكان ذلك المبلغ أعلى موازنة توضع لإنتاج فيلم مصري، إلا أنه لم يحقق ذلك المردود المادي الذي كان متوقعاً له، بل ألحق خسارة كبيرة بمنتجته. نجح الفيلم نجاحاً عظيماً في العالم العربي، غير أن هيئة السينما طالبت بالاحتفاظ بنسخ الفيلم للقيام بتوزيعه وتسويقه، لكنها لم تقم بتسويقه بشكل ملائم، ولم توزعه وفقاً لخطة مدروسة، واحتفظت بإيراداته لنفسها، وأدت هذه الأسباب إلى إفلاس آسيا والحجز على بيتها وكل ما تملك. حاولت "عميدة المنتجين" أن تقوم من هذه الكبوة، أنتجت في العام 1967 فيلم "اللقاء الثاني" الذي أخرجه حسن الصيفي، واضطلع ببطولته أحمد مظهر وسعاد حسني، لكن الفيلم لم يأت بإيرادات كبيرة.
بعد هذا الفيلم، تولت آسيا مهمة المنتج لحساب "المؤسسة العامة للسينما" التي أنشأتها وزارة الثقافة المصرية، وقدمت كمنتج منفذ ثلاثة أفلام، أولها "يوميات نائب في الأرياف" في 1969، وتلاه "أوهام الحب" في 1970. بعد عامين، خرج الفيلم الثالث، "الشيطان والخريف"، وبه ختمت "سيدة الانتاج الرفيع" تاريخها الذي بدأ في نهاية العشرينات، وكانت حصيلته تسعة وأربعين فيلماً طبعت تاريخ السينما المصرية في ذلك الزمن الذي يُعرف اليوم باسم "الزمن الجميل".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard