ناجٍ من مجزرة بحمدون: أريد قبراً أضع عليه وردة

25 نيسان 2015 | 00:00

ليلاً، في الممرات الطويلة الخالية والرمادية، إثر محاولات فاشلة لطليها بالأبيض، تقترب أصداء قرقعة نعال الممرضين السوفيات من مهجع ميشال بو رجيلي وعدد من "المرضى"، بينهم "معارضون سياسيون وسكيرون" باتوا جميعاً نزلاء مصحّ نفسي في أوكرانيا العام 1983. حان موعد الحقنة المخدرة، وهي بحسب بو رجيلي "قادرة على تنويم فيل ضخم"، مؤكدا أن أحداً لم يسأله ما الخطب، أو بماذا يشعر وماذا حصل له.

هكذا توالت الحقن من دون أدنى استفسار. ميشال، الطالب في المعهد المركزي للمسرح في كييف، آنذاك، أُدخل المصحّ بعدما فُجع بخبر مقتل والديه، فؤاد وزمرد بو رجيلي، في مجزرة بحمدون العام 1983. نُقل إلى المصحّ حيث فوجئ بطبيب يحقّق معه كأنه "ضابط KGB". توالت الحقن لثلاثة أشهر لم يملك خلالها وعياً كافياً لإبلاغ "رفاق" من "الحزب الشيوعي اللبناني" كانوا يزورونه دورياً، برغبته في الخروج. لكن أسعفته ملاحظة أحدهم عن أعراض التخدير المتكررة. خرج من المصحّ، ثم غادر أوكرانيا والاتحاد السوفياتي السابق "إلى الأبد".

بحمدونيَ الصغيرة
بو رجيلي (56 عاماً) اليوم في الشطر الأسوجي من القطب الشمالي. يعمل مدرّساً لمادة التمثيل الإيمائي في مسرح بلدة صغيرة اسمها يلليفوري، 1300 كلم شمال ستوكهولم. على الرغم من إصراره على ربط بُعد المسافة بين القطب الشمالي ولبنان، وعلى الرغم من أن البلدة مسقط زوجته الأسوجية، يشعر المتحدث مع "أبو الميش" بأنه لا يزال مقيماً في بحمدون: قبعة الضيعة الجبلية ونظارات طبية وذقن خفيفة ملأها الشيب، ويتحدث بإيماءات. خلفه شتلات الخضر والورد قرب الشبّاك المشمس. في الخارج طبعاً، صقيع وثلوج، عالم أبيض بالكامل، لكن "هذه"، يشير إلى الغرفة، "بحمدونتي الصغيرة".
على الحائط خلفه إحدى لوحاته: عاصفة تتحكم رياحها بما حولها. هل تعكس حياتك؟ "أبداً"، يردّ بشكل قاطع. يتراجع الى الخلف مستعيناً برأسه ويديه لتوكيد الرفض. لكن ردّه يأتي أقل اقناعاً من ايماءاته، أشبه بكتيّب تطوير الذات (self help): "أحوّل أوجاعي إلى طاقة إيجابية". بو رجيلي لا يُقاوم كثيراً التشكيك في إعلانه هذا، يشير إلى إصابته بـ"اضطراب ما بعد الصدمة" (PTSD) وهي ظاهرة يختلط فيها الماضي بالحاضر، بحسب أطباء النفس الذين يعالجونه. المجزرة في بحمدون تحضر ليلاً في غرفة نومه: "عندما أضع رأسي على الوسادة".

ضبّاط "الردع"
هذه الذكريات، على الرغم من مرور عقود عليها، لا تزال حيّة بتفاصيلها نتيجة الصدمة. "أبو الميش"، كما يسمّيه أبناء بلدته، شيوعي منذ الصغر، "بالفطرة مثل والدي". والده فؤاد، أو "أبو وليم"، كان خياطاً. يتذكره ميشال بنكتته وصراحته الفظة أحياناً ويُقارنه "بالمخرج الفرنسي جاك تانتي صاحب فيلم المخرّبين". صراحة فؤاد هذه "كادت أن تقتله بعد دخول قوات الردع السورية بحمدون عام 1976، عندما تداعى الوجهاء ورجال الأعمال لإعداد العشاء تلو الآخر للضباط السوريين. في عشاء منها كان والدي - المعروف بمزاحه الصريح – مدعوّاً اليه، بدأ بالشرب، ومن ثمّ أخذ ينظر الى رتب الضباط. فوجئ بأن على بعضها نسوراً. نظر الى أحد الضباط، وخرجت منه النكتة تلقائياً: كم دجاجة عندك إنت؟ صدف أن لهذا الضابط روح نكتة أنقذت فؤاد".
شيوعية ميشال عرّضته لعالم ثقافي أبعد من البلدة "ولبنان حتى"، حيث بنى صداقة مع حسن حمدان (مهدي عامل)، "صاحب الوجه المضيء"، كما يسمّيه، والأهم بالنسبة اليه التعرف إلى أستاذ المسرح فائق حميصي.

فن الإيماء
فائق حميصي علّم ميشال حُبّ المسرح. حميصي تعرّف اليه في سهرة فنية نظّمها "اتحاد الشباب الديموقراطي" أوائل الثمانينات. "عرفتُ ميشال بو رجيلي كحكواتي مبدع في سهرة فنية في مخيم ترفيهي دعاني إليه اتحاد الشباب الدديموقراطي في أوائل ثمانينات القرن الماضي. أدركتُ حينها أنني أمام موهبة فذة في التمثيل والأداء وفي امتلاك مهارة إقامة العلاقة التفاعلية مع الجمهور. ثمّ تعرّفتُ إليه عن قرب عندما انتسب إلى قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة، الجامعة اللبنانية، فنشأت بيننا علاقة متعلم بأستاذ، تطورت الى صداقة حميمة، لِما رأيتُ فيه من موهبة واعدة، وخصوصا لِما أبداه من اهتمام بفن الإيماء". بعد مشاركة ميشال في مسرحيات، بينها "جبران والقاعدة" للمخرج الراحل يعقوب الشدراوي، و"على الرغم من موهبته ومتانة أدائه وطرافته، كان بعض النقاد يتهمه خطأً بتقليد زياد رحباني الذي لم يكن من تشابه بينهما إلا في الشكل".
العلاقة بين ميشال وفائق تطورت على الرغم من ظروف الحرب. "موهبة ميشال"، يقول فائق، "سمحت له بالتقدم سريعاً في استيعاب تقنيات الأداء الإيمائي، وأدّت الصداقة التي نشأت بيننا لأن يدخل بيتي وأن نمضي أوقاتاً طويلة نتحدث عن الفن وضرورته في المجتمع. وبما أن ظروف الحرب العشوائية كانت تمنعه من التنقل بين بيروت والجبل في بعض الأوقات، كان يحلّ عليَّ ضيفاً كي يتمكن من الذهاب إلى بحمدون. في تلك الإقامات الجبرية، كان يستفيد لتطوير إمكاناته، وكنت أستفيد لتطوير بعض الأفكار الخاصة بالعرض المسرحي الإيمائي من خلال النقاشات والتجارب. وكان لهذه السهرات الفنية، وغيرها من التجارب والنقاشات مع الطلاب، دور فاعل في تكوين صورة المسرحيات الإيمائية التي قدّمتها في الثمانينات، وأخص بالذكر إدخال التمثيل باليدين في العرض الإيمائي، الذي استوحيته من حركات كان يؤدّيها ميشال على ضوء الشمعة فترسم بظلالها أشكالاً على الحائط، ويضيف إليها أصواتاً لتؤلف حالات ومواقف تمثيلية، وقد أُعجبت بسلاسة حركات يدَي ميشال أكثر من أشكال الظلال، فبدأتُ بتجربة أداء مواقف وحالات تمثيلية باليدين فقط".
وجد ميشال نفسه في المسرح، يصعد الى الخشبة "فينسى الدنيا"، يقول مغمضاً عينيه. كانت ذروة علاقته بالمسرح في بيروت، بحسب فائق حميصي، في أحد البرامج التلفزيونية. في نهاية تصوير الحلقة جاء مَن يطلب من الجميع الحذر في الخروج من الستوديو الكائن في الحازمية لأن معارك تجري في الجبل وهناك قذائف تتساقط في المنطقة، وكانت هذه ما سُمّيت في ما بعد حرب اجتياح الجبل. وجد ميشال مَن يقلّه من العاملين في التلفزيون، واتجه حميصي الى منزله حاملاً حقيبة ثيابه وحقيبة ميشال التي نسيها. لم يحضر ميشال في اليوم التالي الى الجامعة. كان ذلك آخر لقاء بين حميصي وبينه. عاد ميشال بو رجيلي الى بحمدون بعد تدهور الأوضاع فيها. ولو قُدِّر له البقاء في لبنان ومتابعة مسيرته في المسرح، يروي فائق بحسرة، "لكان من أهم العاملين في هذا المجال نظراً إلى موهبته وثقافته وإحساسه المرهف وجرأته الفنية".

مجزرة صديقة
في بحمدون، استشعرت والدة ميشال الخطر مبكراً عليه، عندما بدأت ميليشيا "القوات اللبنانية" بالتضييق على شيوعيي البلدة. بعدما حاصرت "القوات" البناية، قرع أحدهم، نجل حارس مدرسة بحمدون، باب شقة ميشال. ففتحت والدته زمرد الباب وهي ترتجف خوفاً، إذ سبق أن اختفى أفراد شيوعيون من العائلة بعد دعوتهم إلى عشاء، فانقضّوا عليهم جميعاً، فيما فرّ بقية الشيوعيين ولم يبق سوى ابنها. "طلبتُ منها ألاّ تخاف"، يقول ميشال، "وذهبتُ للتحدث الى الزائر: كيفك؟ صرلنا زمان مش شايفينك، ردّ بلهجة عسكرية فاجأتني، وطلب مني تسليم السلاح. قلت له: تعرفني جيداً، لست ممّن يحملون السلاح، وإذا أردت، ادخل لترى بنفسك. أدار ظهره ورحل".
الأيام التالية اتسمت بالعصبية الشديدة. كان فؤاد، والد ميشال، لا ينام قبل أن يغفو ابنه. "وكانت لأمي نظرية بأنني لا أنام حتى آكل من طبخها". لم يتحمل الوالدان الضغط، فطلبا من أبنائهما الأربعة المغادرة إلى بيروت. "والدتي زمرد أرادت الرحيل أيضاً لكن والدي أراد البقاء في بحمدون، كان يقول: ولدتُ هنا وهنا أموت، ويسأل: لمن نترك الدار؟". الدار؟ أيّ دار؟ كانت الدار شقة بالإيجار. ترك ميشال بحمدون وسافر عبر دمشق إلى موسكو ومنها إلى أوكرانيا. "غادرتُ قبل يوم من انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية". سمع لاحقاً أن "القوات" انسحبت من دون ابلاغ غير المحسوبين عليها، وخصوصاً أهالي الشيوعيين، ثم دخلت قوات "الحزب التقدمي الاشتراكي" وارتكبت المجزرة. "قيل لي إن والدتي ووالدي قُطّعا بفأس".
لكنك كُنت شيوعياً وشريكاً في الحرب؟ "لم أشارك في الحرب. أرسلني الحزب مرّتين للحراسة في بيروت، وأمضيتُ وقتي بالمزاح، فسحبوني ولم يعيدوا الكرّة". هل تلوم نفسك؟ يشهق ميشال سريعاً بالبكاء، مغمضاً عينيه: "يا ليتني بقيت في حفرة براز ولم أغادر". ماذا تريد الآن؟ "أريد الاعتراف بالمجزرة. 256 انساناً قُتلوا، أريد كرامتي، أريد قبراً أضع عليه وردة". كيف يبقى ميشال شيوعياً وقد رأى أهوالاً في الاتحاد السوفياتي؟ "هذه لم تكن شيوعية". ما هي الشيوعية اذاً؟ أليست ديكتاتورية البروليتاريا هدفك؟ "يعطيه العافية ماركس لما قالها هاي، لكن المانيفستو ليس كتاباً مقدّساً. الشيوعية بالنسبة اليَّ هي أن تكون انساناً يؤمن بالعدالة والمساواة الاجتماعية، الشيوعية هي عندما كان والدي يُصلح ثياباً ممزقة للفقراء، ويفتح مع والدتي باب المنزل ليأكل معنا الجيران".

زيارة الألم
بعد سنتين من المجزرة والمصح، اتصل بو رجيلي بفائق حميصي للمرة الأولى. أبلغه بنيّته الهجرة مع زوجته إلى أسوج والإقامة فيها نهائياً، لكنه "لم يفرّج عن مكنونات نفسه تجاه المجزرة إلاّ أخيراً عبر كتابة ما يجول في خاطره عن رحيل أهله". في العام 2005، زار بحمدون للمرة الأولى، لم تُعجبه تحولاتها السياحية والسياسية، شاهد سيارة رباعية الدفع يحمل ركّابها أعلام "الاشتراكي" و"القوات" على وقع أغانٍ غربية. "أمضيتُ أسبوعين ومرضتُ سنتين بعدهما". وعد نفسه بألاّ يُعيد الكرة أبداً.

زراعة في الصقيع
في القطب الشمالي، عاد بو رجيلي إلى المسرح حيث شغفه. لكن بحمدون لا تنفكّ تلاحقه. ميشال "أبو وليم" أيضاً، تماماً كفؤاد والده. لديه ولد آخر اسمه ايلي مارسيل (الاسم الأول تيمناً بجاره في بحمدون، والثاني لصديقه مارسيل خليفة). يُغمض ميشال عينيه وينتقل الى عالم آخر بإيماءاته. يُعدّ الطعام كزمرد، مستخدماً ما يزرع، ثم يدعو الأصدقاء والطلاب إلى منزله كما كان يفعل فؤاد وفائق. يبدأ الزراعة داخل المنزل في تشرين الثاني. يستيقظ في الخامسة صباحاً، يبقى في الفراش ساعات ساكناً حتى الظهر، ثم يخرج إلى الصقيع بعد ارتداء كمٍّ هائل من الملابس ومعطف منتفخ يُخفي بنيته الضعيفة. فدرجة الحرارة تنخفض شتاءً الى 40 تحت الصفر. أحياناً، يرتاد حانة قريبة من بيته للتفرج على مباريات كرة القدم ولمتابعة معشوقه اللاعب الأسوجي من أصول بوسنية زلاتان ابراهيموفيتش. منذ سنوات، وجد ميشال أيضاً هواية ثانية: يكتب الشعر العاميّ والفصيح أحياناً على الـ"فايسبوك" بإسم "أبو الميش قطباً شمالاً": "مَعَكُم، أبقى معكم لأنكم حياتي، أعاود الذكريات، معكم، بدونكم، من دون رحمة، وفي اليوم التالي، أقف عارياً، أمام مرآة الحياة، وأخجلُ منكم".
قبل سنوات، كان ميشال بو رجيلي يتفرج على نشرة الأخبار، وفيها فقرة عن استخدام الأميركيين تقنيات عالية لكشف المقابر الجماعية في البوسنة. تذكر بحمدون سريعاً: "أغمضتُ عينيّ، وحلمتُ بتنفيذ عملية كوماندوس في بحمدون. أنزل فيها لأنجز المهمة". ما هو الإنجاز؟
قبر لوالدي وقبر لوالدتي.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني