سينما - تافياني وإيغويان وأكين صوّروا "الهولوكوست العثماني" العصيّ على التصوير

23 نيسان 2015 | 00:00

عندما قدّم المخرج الكندي آتوم ايغويان "آرارات" في العام 2002، قال عن الفيلمين اللذين تصارعا داخل فيلمه: "هناك شريط ضخم عن الحدث الفعلي، أيّ المجزرة، يتواجه مع فيلم آخر ينفي حصولها". بات معلوماً اليوم أن عورات التاريخ ولحظاته الدموية، لا يصلحها فيلمٌ ولا ألف فيلم. في هذا السياق، لا يمكن النظر الى "آرارات"، تلك البدعة الذكية لحفيد مهاجر أرمني، كسوى اعتراف من مخرج باستحالة نقل فظاعة كهذه، فنجده يلقي بمسؤولية تشخيص الإبادة على عاتق "الفيلم داخل الفيلم"، انطلاقاً مما صوّره مخرج قدير لكن شديد الأكاديمية (شارل ازنافور). "لماذا نصوّر اذاً المجازر وكيف؟" - من رواندا الى كمبوديا فأماكن أخرى من هذا العالم - هذا هو تحديداً السؤال الذي تنطوي عليه الأفلام الثلاثة التي نستعرضها هنا عن الإبادة التي بلغت قرناً من العمر.

- 1 -
"مزرعة القبّرة" للأخوين الإيطاليين باولو وفيتوريو تافياني يُفتتح بمشهد دماء نازفة من مجهول على جدار أبيض. هذه الدماء المتدفقة هي بمنزلة إنذار، يأتي على شكل رسالة مشفّرة الى عجوز لاهث، على فراش الموت، قبيل رحيله بلحظات. ما إن يبدأ الشريط حتى يحبط الأسطورة الداعمة لفكرة أنه عندما تتحول الدماء الى كابوس، يتبدد احتمال أن يتحقق هذا الكابوس في الواقع.
مشهد الدمّ هذا هو أحد الفصول التأسيسية لأسلوبية الأخوين تافياني ("بادريه بادرونيه"، 1977  - "ليلة القديس لورنزو"، 1981) في هذا الفيلم. هنا، لا يجتمع الفعل وردّ الفعل في مساحة زمنية واحدة. اذ دائماً يتأخر المقلب الآخر في إظهار مقاومة ما. هذه المقاومة لن تأتي أبداً مهما ننتظر. هكذا كانت الإبادات، وهكذا هي إبادة الاتراك للأرمن في صيف 1915. لذا، نادراً ما نعثر على الجلاد والضحية تحت سقف واحد. بهذا الهوس من الصرامة الإخراجية، تُكتَب مرافعة الأخوين تافياني ضد أولى المجازر في عصر سيكون زاخراً بالتراجيديات. لعل ما يميز هذه المجزرة عمّا سبقها أو لحقها، تمسّك مرتكبيها بالإنكار، وإصرارهم على أنهم لم يكونوا هناك في ذلك المكان وفي تلك اللحظة. يأتي الفيلم ليقول العكس، بل ليُرينا خلاف تلك الادعاءات. لكنه يفعل ذلك بتريّث وغضب مضمر ورغبة في الإقناع واستدرار عواطف. وهنا لبّ العلّة، لأن الصراع الأصلي والحقيقي جلّه بين معسكرَي التاريخ والسينما. فما إن يتعزز حضور التاريخ المهيب حتى تضمحل حجة المخرجَين السينمائية، وتبهت حاجتهما الى التشخيص وتحويل الشنيع الى ميلودراما لربّات المنازل. يبتلي الفيلم بالآفة نفسها في كل مرة يتنكّب المخرجان مهمة تعزيز لغتهما بشيء من الباروكية المفتعلة التي تسير في مسالك متنافرة. وطبعاً قد يكون فيسكونتي يتقلّب في قبره، لكن لا بأس.
بالتأكيد، يستأهل الفيلم المشاهدة نظراً الى قدرته على تكريس فكرة، لمرّة نهائية ربما، مفادها أن لا وسيلة تعبير تقوى على إنصاف ضحايا المجازر، والأجدر بالسينمائيين أن ينقّبوا عن العدالة في أرض أخرى، أكثر خصباً، اذا استطاعوا. وكم يذكّرنا الشريط بكلام معبّر قاله ذات مرّة ستانلي كوبريك في "لائحة شيندلر"، رائعة ستيفن سبيلبرغ: "هذا ليس فيلماً عن ضحايا المحرقة النازية. إنه فيلم عمَن جرى انقاذهم من تلك المحرقة".
يتسلّح المخرجان المتحدران من عائلة كانت مناهضة للنظام الفاشي القائم سابقاً في ايطاليا، بالعناصر التي تتيح لهما أفلمة حادث تاريخي لم يلتفت اليه أحد لسنوات خلت، واستعادة تفاصيله التاريخية. لكن العمل يبقى نظيفاً لمّاعاً فيه الكثير من بريق معدّات التصوير والعدسات والفيلترات والموازنة التي تلوي ظهر المنتج في حال انتكاسة تجارية. ما ينجزه تافياني في "مزرعة القبّرة" هو صيغة إخراجية يعتمدها دكاترة "الفن الراقي" وجهابذته، مع بعض الخرطشات السينمائية والتلوينات هنا وهناك، وهي ربما اللحظات الأكثر امتاعاً في فيلم، كل رقعة منه وليدة حسابات، وليس ثمة فسحة خاوية يمكن أن نطل من خلالها على المستحيل والعصيّ. غريبٌ إيمان الأخوين وتشبثهما بالتقاط اللحظة واعتمادها كلحظة أبدية، كأن ما يصوّرانه هو الآني. نادراً ما يمنح فيلم عن مجزرة، براءة الذمة التي يوزعها الأخوان يمنة ويسرة على شخصيات حكاياته. لكلٍّ أسبابه وظروفه تجعله إمّا خاضعاً وإما مخضِّعاً. على رغم هذا كله، يبقى هذا الثنائي حرّيفاً من العيار الثقيل. إنهما إيطاليان حتى أصغر "بيكسل" من صورتهما.

- 2 -
في قصيدة عباس كيارستمي السينمائية، "طعم الكرز"، كان رجل عجوز تسكنه الحكمة يروي للبطل الذي يرغب في الانتحار، مزية فاكهة الكرز التي غاب عنه اليأس، بعدما تذوقها ذات يوم، فاستفاقت في أعماقه الرغبة في الحياة من جديد. في "آرارات"، لآتوم ايغويان، السينمائي الذي يضطلع بدوره شارل أزنافور اعتاد أن يتناول، يومياً، بذرة رمّان تعطيه، بحسب قوله، أمرين: الحظ وإمكان التخيّل.
هذه الفسحة التي تحتل مساحة شاعرية كبيرة في الفيلمين، ليست ثمار المصادفات. ذلك ان الفاكهة تجسد في كلا العملين "خشبة الخلاص"، التي يتمسك بها المرء عندما تسقط من حوله كل أشكال الايمان والأمل. بذور الرمان (علامة بامتياز للتفكك والتضامن)، حاول ايغويان زرعها في شريطه الذي سجل عودة المخرج الكندي الى أصوله الأرمنية، بعد سلسلة أعمال كانت وراء شهرته العالمية، ورسمت له خطة سينمائية لم يتطرق فيها الى موضوع جذوره وانتمائه الا جزئياً، ومن خلال بعض الإشارات والرموز والدلالات.
في هذا الفيلم الذي أنتجته ستوديوات "ميراماكس" الأميركية، ورافق كل مراحل تحضيره احتجاج السلطات التركية، واجه ايغويان قضية الإبادة على نحو مباشر، لاجئاً الى سيناريو "أعوج" متشعب، ومطعّم بتساؤلات سينمائية طرحها صاحب العمل على نفسه، أبرزها: ما مدى إمكان إعادة التجسيد السينمائي لإبادة غير معترف بها من جانب فاعليها؟ اذا استثنينا بعض الأعمال التي تناولت الإبادة كخلفية لها (هنالك فيلم كازان الشهير، "أميركا أميركا"، وفيلم هنري فرنوي عن سيرته الذاتية "مايريغ")، فينال "آرارات" صفة أول شريط روائي يستقي موضوع الإبادة كمفصل محوري له.
مع هذا الشريط الذي ينتمي الى "جانر" سينمائي اصطدم دوماً بـ"فخاخ إعادة التجسيد"، تلافى ايغويان أن يعيد إنتاج عمل يوازي "لائحة شيندلر" (ستيفن سبيلبرغ - 1994)، مستبدلاً ضحايا اليهود بضحايا الأرمن. فمقاربته التي ارتكزت على تركيبة سينمائية ذات "جوارير"، إذ نجد فيها متفرعات عدة، تهتم بإدخال المشاهد ضمن سيرورة فيلمية، ومتاهات، تسطّح الزمن لتجعل منه "شيئاً" قريباً من الذاكرة.
في مقابلة مع "لو موند" يقول ايغويان: "القضية هنا هي الاعتراف بوقوع المجزرة. إنما علينا أن نكون واقعيين لأننا نطلب ذلك من أناس بعيدين جداً عن الحقيقة. فالتركي الشاب نشأ في أيامنا هذه من غير شعور بالذنب حيال الأرمن. كما يصعب جداً بناء علاقة مع شاب من أصل تركي مولود في كندا. لذا أظهر "آرارات" أبعاداً مختلفة لـ"القضية"، أوّلها المخرج سارويان، الذي يؤدي شخصية جماعته لكنه عاد إليها أخيراً وصوّر فيلماً عن القضية الأرمنية وفاءً لذكرى والدته. لكني أعتقد أنه ليس السبب المثالي وراء تصوير الفيلم. ثم نتعرّف الى القضية عبر الشخصية التي تؤديها أرسينه، وهي ترغب في تعزيز الفن ومساعدة الفنانين في ثورتهم عقب المجزرة وإنجازهم التحف الفنية العديدة، وكان عملها هذا ثمرة لمسار زوجها المناضل المتطرّف. نصل أخيراً الى رافي، ابن أرسينه الذي عمل على فيلم سارويان وحرص على صدقه، ويعتبر أن أفضل طريقة لإنجاز فيلم ضخم هي السّفر الى تركيا والعودة بصورة حقيقية عن جبل آرارات. أما أنا فأعتقد أن القضية الحقيقية تتمحور حول أصالة الفيلم وتتعلق بحقيقة ما جرى فعلاً، فضلاً عن إمكان إظهار تلك الحقيقة وتجسيدها كما هي".

- 3 -
إبادة الأتراك للأرمن قضية لم تتناولها السينما الا نادراً، خلافاً لـ"منافستها" اليهودية التي أصبحت مادة لمئات الأفلام على مرّ التاريخ. فما بالك إذا انقضّ عليها مخرج تركي مثل فاتي أكين يريد تصفية حساباته مع ماضٍ ثقيل يشعر بعبئه، كما قال لـ"النهار" في المقابلة التي أجريناها معه في البندقية العام الماضي بعد العرض العالمي الأول لفيلمه "القطع". من الأشياء التي تحفّظ عنها بعض النقاد: كلاسيكية الفيلم. أغضبهم أيضاً أن الكل في "القطع" يتكلم لغته الأمّ، إلاّ الأرمن الذين يتكلمون الانكليزية بلكنة أرمنية. الفيلم اتُهم أيضاً بالإفراط في الميلودراما والعنف. بعضهم فاته ربما أن أكين لم يصوّر نزهة إكزوتيكية الى الشرق الأوسط، بل جريمة لا يزال أحفاد مرتكبيها ينكرونها. هذا فيلم ناضل أكين ولا يزال يناضل من أجل فرضه على الرأي العام التركي.
سبعة أعوام وهو يبحث عن الشكل المثالي لنقل الإبادة الى الشاشة. دول عدة شاركت في الانتاج، في مقدّمها فرنسا وألمانيا، ما أعطى العمل طابعاً دولياً. النتيجة مبهرة على أكثر من صعيد. أنجز أكين فيلماً جماهيرياً من النوع الرصين. أولاً، هذا من الأفلام التي لم تعد على الموضة (فكرة يؤكدها مارتن سكورسيزي في الملف الصحافي للفيلم)، لأسباب كثيرة، أبرزها أن السينما الحالية لم تعد تحبّ المساحات الشاسعة، وعبور القارات، ولم تعد تؤمن بسوى الحلول السيناريستية التي تغذّي الميل الى اللؤم. الملاحم لم تعد تجدي ولا تشبع حاجة الناس الى تجاوز الواقع والسخرية منه. أكين يسير هنا عكس التيار. فيلمه يتطلع الى العالم من الزاوية الواسعة. لم يقبل، هذا الحائز "الدبّ الذهب" في برلين (2004)، إلاّ أن يصوّر بالـ35 ملم والسينماسكوب. ليس هذا وحده ما يجعله يحذو حذو أحد الملهمين له في هذا الفيلم: سيرجيو ليوني. فالفيلم يحمل شيئاً من الوسترن، تدعمه الموسيقى التصويرية البديعة التي وضعها ألكسندر هاكه.
صرّح أكين في موازاة إنجازه للفيلم، بأن الشعب التركي الآن بات مستعداً للتحدث عن هذه القضية، ولكن ماذا عن الحكومة والدولة التركيتين؟ يقول: "أعتقد أن الدولة مستعدة منذ زمن بعيد. على الأقل، أتاحت المجال للآخرين كي يتكلموا عن الإبادة. بعد 2007، نشأت في تركيا حركة شعبية غير منظمة. هؤلاء بدأوا ينشرون الوعي حول ما حدث في العام 1915، من خلال الكتب واللوحات الخ. عاجلاً أم أجلاً، كان على السينما أن تلتحق بهذه الحركة الناشئة. في 24 من نيسان، يوم ذكرى الإبادة، يمكنك في تركيا اليوم أن تنظّم تظاهرة. صار هناك شيء من الانفتاح في هذا المجال. اليوم، صارت تصلني أولى المقالات التي كُتبت عن الفيلم في تركيا. قرأتها، وأنا سعيد بأنها تشيد بالفيلم، مع العلم أنها كتابات سياسية لا سينمائية. بعض الكتّاب قال إنه يجب عرض هذا الفيلم في تركيا. إبادة الأرمن شيء طاردني طوال حياتي، مذ كنت مراهقاً، ومذ سمعت عنها للمرة الأولى. الإبادة عبء عاطفي هائل، لأنها أُنكِرت وأُهمِلت. كونها تابو، جعلني أهتم بها أكثر فأكثر. وكلما كنت أطلع على تفاصيلها، كنت أدرك مدى كونها تابو. اليوم، لم أعد أذكر تحديداً المرة الأولى التي سمعتُ فيها عن الإبادة. كل ما أذكر أني لحظة سماعي عنها انحزتُ الى الأتراك لاشعورياً. كانت تلك المرة الأولى أشعر فيها بقوميتي التركية. كنا في المدرسة. وعندما عدتُ الى المنزل، قال لي والداي إن هذا كله أكاذيب اختلقها الأرمن وإن الإبادة لم تحصل، وطلبا مني ألاّ أتحدث عنها. بدلاً من أن أكتفي بتوصياتهما، ذهبتُ الى المكتبة. قرأتُ كثيراً عن القضية. ثم اكتشفتُ كتاب فرانتز فرفل، "الأيام الأربعون لجبل موسى". هكذا بدأ كل شيء. كان من الواضح أنني سأنجز فيلماً عن هذه القضية في يوم من الأيام. كانت مسألة وقت".
أنجز أكين "القطع" وفي باله أولاً المشاهد التركي، وليس فقط المثقف بل الجميع. كان يريد التوجه الى ناس في مثل حال والده: رجل من الطبقة الوسطى ينكر حصول الإبادة. حاول أن ينجز فيلماً يجد فيه نفسه، هذا المسلم الذي يصلّي خمس مرات في اليوم الواحد، يقول: "كنت أريده أن يهتمّ بمصير ربّ عائلة مسيحي يبحث عن ابنتيه. كل شيء في الفيلم موثّق ويرتكز على معطيات تاريخية لا يمكن التشكيك في صحتها. ذهبتُ عند تانر أكشام، وكان مصدر إلهام كبير لي. كتب أكشام كثيراً عما حصل. وهذه الأشياء التي أُريها في الفيلم حصلت فعلاً: بعضهم أُجبر على تغيير ديانته. وعندما كان أحدهم يعتنق الاسلام، أحياناً - وليس دائماً - كان الأتراك يتركونه حياً. هذا
ليس فيلماً علمياً عن الإبادة، فللإبادة أوجه مختلفة
وأسباب مختلفة، كانت الغيرة أحدها. أتكلم عن غيرة الأتراك من الأرمن. لهذا السبب وضعتُ مشهداً عن الغيرة في مطلع الفيلم. هؤلاء الذين اعتنقوا الإسلام يسمّونهم في تركيا "دومنيه". ليس عليَّ أن أقول هذا، لكنه معطى علمي: المحرقة كانت محض عنصرية، بمعنى أنه كان ينبغي محو اليهود من الوجود. بينما لم تكن رغبة الأتراك قتل كل الأرمن، بل التخفيف من حضورهم في بعض المناطق والتقليل من شأنهم في مناطق معينة. النازيون لم يكونوا يقبلون أن يتحول اليهود الى مسيحيين".

hauvick.habechian@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard