"ثوريّ" مسيحيّ خرج من النفق

18 نيسان 2015 | 00:00

زعم كثيرون من دعاة الإصلاح الديني البروتستانتي أن الله يحب الكيفيات، ذلك أن العبادة في طبيعتها منزوعة ومقطوعة الآصرة من كيف تكون. على زعمهم، تتقدم العبادة كيفيتها على صورتها المجردة. المتقدم هذا، يصحّ، أوّل ما يصحّ، على سيل المقالات التي تناولت العامل المياوم في دائرة النفوس ومثيلتها الطوبوغرافية، والمسرحي والناقد والكاتب ريمون جبارة الذي ارتجف جسده وهناً ومرضاً، بينما بقيت يده صلبة في الدفاع عن لبنان، ككل الأيادي التي دافعت عن البلد ومعناه. ففي حين كانت قلةٌ تنبري داعية إلى إبراز ألق الراحل وإبداعاته في كل الميادين، كانت أخرى تنعته بـ"العنصرية" أو تسجل عليه "سقطات مقلقة" عبر "ملحق النهار"، أما الثالثة فوصفته بأنه غير "قابل للتصنيف"، ورابعة أدرجته في منزلة "اليمين المسيحي المتطرف"، سالكةً مسلك وكالات إخبارية أجنبية في معرض وصفها للمتقاتلين في الحرب اللبنانية التي تتمادى أشكالاً حتى راهننا.

الأعم الأغلب من "نصوص صحافية"، جاء مبتسرا مقتضباً وأقرب إلى بيبليوغرافيا منها إلى مقالات تناقش عطاءات ريمون جبارة و"الكيفية" التي سبكها في نصوصه لمعايشة الحوادث ومواجهتها، منذ نهوضه بالعمل المسرحي في ستينات القرن الماضي. فما من نص مسرحي أو صحافي له، إلا كان مهجوساً فيه بالإنسان، وبلبنان، وتراكيبه الاهلية والإجتماعية، وبقضايا اتصاله بمحيطه العربي. "لتمت دسدمونة" التي كتبها إثر "النكسة"، تناولها كتعبير فظ عن انهيار عروبة لفظية ايقظتها المسيحية، ليتعرض بالتشريح والنقد لـ"ضحية غبية"، تشبه كل الضحايا الغبية من المحيط "الهادر" إلى الخليج "الثائر".
لم يكن جبارة "عبثياً" على الدوام، بل كان مجروحاً بالإنسان، وعقلانياً يسلك دروب العبثية في فهم الواقع المعيش سوسيولوجياً، هذا أكثر ما تجلى في مسرحيته "تحت رعاية زكور" في العام 1973 التي كتبها غداة رحيل جمال عبد الناصر. الأكثر مدعاةً للتوقف والاسترسال في متنه يكمن في مسرحية "شربل" 1977 التي جاءت كرد فعل على همجية الحرب اللبنانية وكعودة إلى القيم والروح. فالمسرحية عالجت سياق حروب تطاولت سنوات ولم تبق ولم تذر من البلد وأهله شيئاً. أم يُعاب عليه التساؤل عن العلاقة الجدلية بين المعرفة وأدوات العقل وتجروئه على أمراء الحرب في "زرادشت صار كلباً" 1978، لتليها في العام التالي مسرحية "محاكمة يسوع"، أو أن النقيصة في تصديه عبر "دكر النحل" أو "أنشودة الانكسار" يوم كان البلد برمته يحترق في العام 1982 لغمرة الحروب اللبنانية المتصلة اتصالاً وثيق العرى بقضايا العالم العربي، ويروي حكاية ضابط متقاعد يعيش وحيداً ويرقّي نفسه بنفسه، الى أن يصير جنرالاً وحده، عاكساً حال الغيتوات التي انتهى إليها لبنان جراء سياسات عروبية جعلت منه ميداناً وحيداً لما أصطُلح على تسميته بـ"الصراع العربي - الإسرائيلي" لنكون جميعنا "دسدمونة الضحية الغبية".
ريمون جبارة "صانع الأحلام" 1985، ذنبه أنه أنشد التوق إلى الحرية ومجد الكرامة بوصفها القيمة الأمثل للوجود الإنساني في حقه في التبصر في الظلمات. يكبر ذنبه ويشتد وطأة عندما حمل في زمن السلم الأهلي "المثلج" في العام 1993 صليب الحرب اللبنانية في مسرحية "من قطف زهرة الخريف" ساخراً من أدواتها القذرة التي لم يكن لها قعر مرئي في مسرحيته "بيكنك ع خطوط التماس (1997) بعد سبع سنوات من دخول "جنة الطائف" ومآسيه في النفي والاعتقال والاغتيال لكل من عارض الرضوخ للسياسات البعثية والأسدية أباً وإبناً.
قد لا تكون العقدة والموقف من جبارة إلا مع جرأته المتجددة دائماً قبل ثلاث سنوات من رحيله في آخر أعماله "مقتل إن وأخواتها" التي تناولت فلسفة الموت والحياة، وفي متنها هواجس اللبنانيين وخيباتهم المتلاحقة التي أفقدتهم الأمل بأنهم مواطنون ولهم الحق في أن تكون لهم دولة فعلية لا إسمية، أو لأنه ناقش معنى الدولة فعلياً بوصفها مشروعاً جدياً لتأطير الأفراد والجماعات للإنتساب إليها من خلال فهم سوسيولوجي عميق للبنانيين على اختلاف مشاربهم ونوازعهم الروحية والسياسية والثقافية.
سيرة ريمون جبارة ليست متقطعة كتاريخ الجمهورية اللبنانية، بل هي نص مسبوك بموقف سياسي واضح، كان الإنحياز فيه إلى فكرة الإنسان مطلقاً، وإلى الحرية، والكرامة، والتنوع، وإلى الفكرة اللبنانية، حاسماً لا يقبل تسويات من هنا أو يستجدي ضمانات للحرية من هناك. قد يكون في تقنيات مسرحه ما يربك البعض بين الحضور البشري والتعبير الإيحائي والتكثيف البصري، لكن "الشيء" الذي كان يحسم وضوحاً في مواقفه، هو نصوصه السياسية عبر صفحات "ملحق النهار" الذي نحت المدماك الأول لـ"ثورة الأرز"، ولم يكن منصة، لا ليمين محافظ منكفئ على الذات، ولا ليسار متحرر الى حد التحلل، بل فضاء للحرية التي عاشها ريمون جبارة من خلال عيشه الماروني في المسيح وشهادته له بالقيامة في هذا المشرق المستطير شراً وحقداً وعنفاً دينياً واتنياً.
كاتب هذه الأسطر يدّعي شرفاً بمزاملة مديدة مع الراحل على صفحات "ملحق النهار" التي كادت أن تكون خطاً أوحد للدفاع عن الثقافة الحرة، وعن الانسان الموجوع وعن سيادة لبنان واستقلاله في وجه النظام الأمني اللبناني - السوري، وضمت كتّاباً نهضوا فرادى، وتقاطعوا، عفواً لا تنظيماً، لمواجهة سياسة حافظ البعث وبشّاره، ولم يجدوا آنذاك غير منبر "النهار" الذي وفرّه غسان تويني وأنسي الحاج والشهيدان جبران تويني وسمير قصير والأديب الروائي الياس خوري والشاعر عقل العويط. هؤلاء مع المفكر سمير فرنجية والكتّاب محمد أبي سمرا، بلال خبيز، فادي توفيق، محمد الحجيري، ياسين الحاج صالح، زياد ماجد، محمد علي الأتاسي، وغيرهم الكثير، كانوا ينافحون عن الحرية والتنوع. كنا جميعاً في فضاء هذا المنبر قادمين من تجارب مختلفة، بعضها ميداني في مقارعة الاحتلالين الإسرائيلي والسوري. يمكن ان بعضنا اخترع وطنية مستقلة ومتقدمة على كل التعريفات العروبية، لكننا جميعاً سعينا للبحث عن الدولة الحرة الديموقراطية سواء في سوريا أو لبنان أو العراق أو فلسطين المحتلة. وكان جميعنا يدرك دائماً أن هناك آخر ينبغي الاختلاف معه في قراءة الحوادث والوقائع لا ابتسارها من سياقاتها العامة "كيفياً"، لأن في ذلك يقع متن السياسة والديموقراطية. على هذا، لا يكون ريمون جبارة "يمينياً مسيحياً" (وهذه لم تك في حال من الأحوال باباً للإدانة أو مدعاةً للفخر)، ولا سقط "سقطات مقلقة"، بل كان مهجوساً - كما دأبه - بهمّ الإنسان الموجوع والثقافة الحرة وتجارب الخلق، وبهمّ اللبنانيين وبقائهم شيعاً متنافرة متدابرة من أجل خارج ما، لا يريد من لبنان إلا البقاء طاولةً للمزاجلات وصندوق بريد للرسائل الإقليمية والدولية. لهذا تنكّب صوغ تعريفات تتناول الدولة والمجتمع والسلطة والمواطنة والقانون والديموقراطية والسيادة والحرية والإنسانية والقهر والفقر، أفضت إلى تصوير الفرق، بين ما كانه لبنان ذات يوم مع مارونية سياسية حاصلها السياسي تحالف مع إقطاعية شيعية وبورجوازية سنّية خزينها دُرزي، وبين ما انتهى إليه البلد في ظل ما مُورس من اتفاق الطائف وما استُنكف عن تطبيقه.
كان ريمون جبارة على الدوام ثائراً كالمسيح. لم يُبدِ رأياً، ولا ناقش أمراً على قاعدة فك الارتباط مع الآخر اللبناني، بل كان مدخل البحث والتفكر السياسي لديه ينصبّ على الإنسان أولاً، وعلى لبنان، تالياً على إسقاط اليأس من قاموس المسيحيين بعدما عُزلوا وقيل "إنهم إنعزاليون" في مرحلة أولى، ثم نُفيت قيادات منهم واعتُقلت أخرى واستنكفت ثالثة في مرحلة ما حتى صار وجودهم في لبنان ممهوراً بالقهر والتوقيع الإجباري على التعهد بعدم مزاولة النشاطات السياسية. مسيحيته ومارونيته في مسرحياته ومقالاته حيث الحرية والروح، فالموارنة "لا يصلحون إلا لشيء واحد هو الحرّية"، على ما قال الأب الراحل ميشال حايك في احدى ندواته. في هذا المعنى حمل مسيحيته ودافع عنها لأنها إلى كونها اعتقاداً هي قضية.
كان ريمون جبارة يطرح في كل نصوصه السياسية والفنية جدليات تسعى إلى المعرفة وليس إلى الإنطواء والتقوقع. ولمن لا يعلم، كان قاسياً جداً في انتقاداته للرئيس بشير الجميل في أول لقاء جمعهما، منها مثلاً كيفية قبوله بمناداته شيخاً وهو شاب ثائر، حتى توجس من أن "الكتائب سيسحبونني من البيت"، لكنه فوجئ بعد فترة بأن الجميل اتصل به وطلب رؤيته، حتى صار الأخير يعرج عليه كل يوم خميس وهو في طريقه إلى زيارة أمه في بكفيا، إلى أن طلب منه يوماً أن يجمع له مجموعة من المثقفين للّقاء بهم أسبوعياً، فأجابه ان "المثقفين قلّة في الكتائب، فقال لي لا يهمّني. ثم اتصلت بأصدقاء لي في الحزب القومي السوري الاجتماعي والحزب الشيوعي ودأبنا على الاجتماع ببشير أسبوعياً. وكان يصغي إليهم على رغم الانتقادات التي كانوا يوجهونها إليه". هذا هو ريمون جبارة، "المسيحي اليميني"، الذي سُجّلت عليه "سقطات مقلقة".
يُنسب إلى ريمون جبارة أنه كان يردد دائماً أن الحياة نفق، وعلى الانسان الرأفة بأخيه في هذا النفق الدامس". الآن خرج الثوري المسيحي من النفق تاركاً البلد على مشكلاته التي شب وشاب عليها، ولا يبدو أن في الأفق من سيرأف باللبنانيين مسلمين ومسيحيين، علمانيين ومدنيين.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard