أبولون يا أصدقائي هو سبب شقائي

18 نيسان 2015 | 00:00

من المسلّم به أن الحركة المسرحية الحديثة في لبنان بدأت في أول الستينات من القرن العشرين، تحديداً بعد تأسيس "مدرسة المسرح الحديث" برئاسة منير أبو دبس في العام 1960 في منطقة راس بيروت، فأصبحت هذه المدرسة ونشاطها تاريخاً لبدايات الحركة المسرحية الحديثة عندنا. لكن هذه المحطة الفصل لم تأتِ من فراغ. فإذا استثنينا الحركة المسرحية الأولى الغزيرة الإنتاج تأليفاً وترجمة وعروضاً، منذ مارون النقاش (1817-1855) ثم مع خلفائه الكثر على مدى قرن بكامله يمتد حتى منتصف القرن العشرين، مع ما رافق ذلك من تأسيس لفرق ومسارح فضلاً عن نشاط المدارس والجامعات واحتفالات القرى، فإن الخمسينات (1950-1960) شكلت مرحلة انتقالية بين الحركة الأولى والحركة المستجدة. إذ شهدنا فيها نشاطاً مسرحياً جديراً بالإنتباه على مرافق عدة ومع بعض التجارب.

أول هذه المرافق مدرسة الآداب العليا (Ecole des Lettres) التي فتحت مسرحها في جناح الكونت دو شايلا، إلى مسرح داخلي خاص تابع لإدارتها المركزية، أمام العديد من الأعمال المسرحية باللغة الفرنسية تولاها أساتذة فرنسيون من مثل ألان بليسون، الذي شارك طويلاً في ما بعد في الحركة المسرحية الناشئة، ومارك هنري منغي وجاك مترا وغيرهم. ثم ما لبث أن انضم إلى هذا النشاط بعض اللبنانيين الذين قدّموا بدورهم مسرحيات باللغة الفرنسية من مثل جوزف طراب، ماري كلود إده، جلال خوري، إيف تركية وروجيه عساف.
في موازاة ذلك، كان أنطوان ملتقى المتخصص في الفلسفة وعلم النفس يمثل ويُخرج بعض المسرحيات في مدرسة الحكمة وفي بلدته وادي شحرور. كذلك شكيب خوري الذي يحسب من المؤسسين أيضاً للمسرح الجديد في لبنان، كان بدوره يقوم بنشاط مسرحي متنوع قبل أن يسافر إلى لندن لمتابعة تخصصه في مجال المسرح. كذلك قدم بعض المسرحيين الأرمن أعمالاً في الخمسينات منها "المقيّد" ألّفها ليفون شانت وأخرجها جورج سركيسيان في العام 1955. وتولى برج فازليان الإشراف على "الجمعية الخيرية الأرمنية" في العام 1958، ونفذ لها مسرحيات عدة. وعرف من المخرجين الأرمن أيضاً فاروج هاديشيان.
يجب أن لا نستثني محاولات بعض العاملين في هذا المجال على اختلاف الرؤية والأساليب في مجال صناعة النصوص وتمثيلها، كمحمد شامل وعيسى النحاس وميشال هارون وإدوار الدحداع وفريد مدور وأديب حداد وغيرهم مما لا يتسع المجال لتعدادهم. هؤلاء كانت لهم مساهمات جديرة ولها امتداد في القاعدة الشعبية. وقد رافقت نشاط من ذكرنا، ولا سيما نشاط مدرسة الآداب العليا الفرنسية.
باختصار، هذه هي المرحلة الإنتقالية التي فصلت بين عصر وعصر، وأسلوب وأسلوب، وجيل وجيل. وعندما تأسست لجنة مهرجانات بعلبك في العام 1956 برغبة من السيدة زلفا شمعون زوجة الرئيس كميل شمعون، كان في نيتها تنشيط أو تطوير – إذا صح التعبير – هذه الظواهر ووضعها في إطار ممنهج ومدروس يؤسس لحركة مسرحية مستدامة وقائمة على أسس ومناهج متطورة. لذا بادرت بالترحاب طلب منير أبو دبس بتأسيس مدرسة لتعليم التمثيل. كان أبو دبس يدرس الإخراج التلفزيوني في فرنسا عندما استدعته اللجنة ليكون مستشاراً لها في الإعداد لمهرجان بعلبك. وتطور التعاون بين الإثنين إلى تأسيس مدرسة المسرح الحديث، وتولى أبو دبس الإشراف عليها.
حدّد منير أبو دبس منذ البداية مبادئ هذه المدرسة. على أن فهمه بشؤون المسرح آنذاك تشوبه علامة إستفهام، لأن تخصصه في الأساس كان في الإخراج التلفزيوني. مع ذلك وضع مبادئ لمدرسته تستوحي المعايير الغربية المعروفة، معتبراً أن المسرح أكثر من مجرد عرض. إنه اتصال يتم على الخشبة بواسطة عناصرها. اتسمت أعماله في ما بعد بأجوائها الشاعرية والصوفية، وخصوصاً في إخراج المسرحيات الإغريقية القديمة.
أحبَّ أنطوان ملتقى أن يشارك أبو دبس في هذه المدرسة فالتقيا معاً. وانضمّت إليهما مجموعة من الشباب المتحمس للتمثيل، كان ريمون جبارة بين الأوائل منهم ثم انضم أنطوان كرباج، رضى خوري، ميشال نبعه، صبحي أيوب. ثم توسعت الدائرة مع نبيه أبو الحسن، رينيه ديك، مادونا غازي، ميلاد داوود وغيرهم.
مما لا شك فيه أن هذه المدرسة أحدثت تحولاً نوعياً وجديداً في الحراك المسرحي عندما راح أعضاؤها يقدمون العروض الأولى. ووقف النقد منها موقفاً إيجابياً.
لم يلبث ريمون جبارة أن غادر مدرسة أبو دبس لأنه كما قيل، لم يسند إليه الدور الأول في مسرحية "ماكبث" بل أسنده إلى أنطوان كرباج، فقد اعتبر ريمون أنه الأحق بلعب هذا الدور، لأنه الأقدم انتساباً إلى المدرسة من كرباج. استذكر ريمون هذه الحادثة بعد عشر سنين أي في العام 1970 عندما كتب "لتمت دسدمونة" فوضع حواراً في المشهد الأول لرجل لا يريد أن يمثل دوره في المسرحية لأنه كان يفضل عليه دوراً آخر، وهو يرغب بترك هذه الفرقة، والتفتيش عن فرقة مسرحية جديدة تقدر إمكاناته.
بعد مغادرته أبو دبس، مثّل جبارة أدواراً رئيسية عدة، راسكولنيكوف لدوستويفسكي في "جريمة وعقاب" التي أخرجها أنطوان ملتقى وعرضها في العام 1963 في أطار مهرجان راشانا. ثم مثّل في "لعبة الختيار" لبن جونسون من إخراج برج فازليان، ومثّل في "الزنزلخت" لعصام محفوظ وفي "وصية كلب" التي أخرجتها لطيفة ملتقى في المسرح الإختباري والمأخوذة عن الكاتب البرازيلي أريانو سواسونا. وقد مثلت شخصياً إلى جانبه في دور المسيح الزنجي.
مع الوقت راحت دائرة المسرحيين تتوسع، وكثرت الأعمال والتجارب وتعدّد الكتّاب والمخرجون الذين دخلوا الحلبة: جلال خوري، شكيب خوري، روجيه عساف، نضال الأشقر، يعقوب شدراوي العائد من الإتحاد السوفياتي بخبرة مسرحية غنية، موريس معلوف وغيرهم...
مجموعة مقدامة، شرسة، أرادت أن تلعب اللعبة على أصولها، فدخلت التجربة في مسالك متعددة، وحمل كل مسرحي زاده الخاص من الثقافة والمعرفة. فتح أنطوان ملتقى باب التجارب على مسرح دائري وثنائي. وحاول أن يجدد في السينوغرافيا، وفي أساليب إعداد الممثل. دقّ جلال خوري رأسه ببرشت وراح يقود تجربته في المسرح السياسي من خلاله أو من وحيه. أسس روجيه عساف ونضال الأشقر "محترف بيروت للمسرح" الذي خلق صلة حميمة بين الخشبة والمشاهد وأشرك الممثلين في وضع الحوارات والتصورات. واختار موريس معلوف العمل على المسرح الإيمائي الصعب.
من دون أن نستطرد في وصف التجارب المسرحية، الجاد منها وغير الجاد، المثمر وغير المثمر، نقول بأنه قد نتج من هذه التجارب صراع قوي شارك فيه النقد حول جدوى كل هذه التجارب في الشكل والمعنى.
لم يكن ريمون جبارة بعيداً عن كل ما يحصل، وكان يجد فيه تحدياً له، فنزع ثياب الممثل عنه واقتحم التأليف والإخراج. واستطاع منذ عمله الأول "لتمت دسدمونة" (1970) أن يفرض نفسه رقماً صعباً في المعادلة بما حملته من جديد من حيث النص وحواراته، ولعبة المسرح داخل المسرح، والمواقف غير المألوفة في التصرف العاقل، والسخرية اللاذعة التي تخفي وراءها مأسوية جارحة فبدت كأنها باروديا لمسرحية يونانية، أو قطعة مستلّة من أعمال العبثيين.
بعد عامين كتب وأخرج "تحت رعاية زكور" وعرضت في "مسرح بعلبك"، القنطاري، وقد شاركت فيها شخصياً. أكدت "تحت رعاية زكور" موهبة جبارة، كما أكدت أسلوبه في الكتابة. مرة أخرى استعار شخصيات من شكسبير: هاملت، هوراشيو، ولكن بطريقة الباروديا، كما استعار شخصيتي إبرهيم واسحق من التوراة من خلال قصة التضحية، تضحية ابرهيم بابنه أسحق. بنوع من الفانتازيا الساخرة أنزل جبارة الله بالقفّة من السماء ليقول لإبرهيم وهو يضع السكّين فوق رقبة إبنه: دبحو... بدل أن يبعث له بكبش يفتديه كما تقول الرواية التوراتية وقد شاركت "تحت رعاية زكور" في مهرجات شيراز في ايران العام 1973.
يهزأ جبارة في "تحت رعاية زكور" كما في "دكر النحل" من الرموز السلطوية على الأرض، وبخاصة العسكرية والديكتاتورية. سخر من الجنون العسكري عند هتلر في زكّور، وخلط كل الصور والألوان والشخصيات: الجنرال، رئيس الدولة، حتى نابوليون وسترة جندي أحمر، وشخصيات ترتدي ثياباً أميركية مع صليب معقوف، وقبعات رومانية مغطاة بالكوفية والعقال... مزيج من رموز سلطوية طحنها جبارة في مطحنته التي لا ترحم.
من حيث التركيب يعتبر ريمون جبارة أن مسرحه يتألف من ثلاثة عناصر: الصوت، ويشمل الكلمة والموسيقى والمؤثرات الأخرى، والصمت، وهو رديف الصوت، ثم الحركة. يحدد مسرحه بأنه مسرح مناخ وجوّ أكثر منه مسرح كلمة، وهو باعترافه جزء منه يعكس طفولته التي هي خميرته الأولى، ولأن الإبداع بحاجة إلى الدهشة، كما يقول.
يكتب ريمون جبارة نصوصه أو يقتبس أحياناً نصوص آخرين لكن هذه النصوص سرعان ما تتحول بين يديه إلى نصوص خاصة به حين يعالجها بأسلوبه وحسه.
لا يعتقد جبارة بوجود أزمة نص، على رغم أن الحقبة التي كتب فيها كانت مرحلة تأسيسية لمسرح لبناني جديد كان بحاجة إلى نصوص مبتكرة ترفده. يرى أن أزمة النص هي مشكلة نفسية أكثر منها مشكلة مطروحة على بساط الواقع. لعل جبارة في قوله هذا يستمد ثقته من مفهومه الخاص في كيفية توليف النصوص ليبقى نصه نصاً مستقلاً ضمن معالم أسلوبه.
من صفات نص جبارة أيضاً أنه لا يربط حوادثه في المكان ولا حتى في الزمان. فهو نص يخترع فضاءه ثم يذهب إلى أبعد حدود هذا الفضاء. من صفاته أيضاً أنه يستكشف تفاصيل الحركة كي يحرك نبض القاعة لاجئاً أحياناً إلى تقنية المسرح داخل المسرح على غرار بيرانديللو. إلا أن خشبة ريمون جبارة لا تخرج برغم ملامح "جنونها" عن مدى معين في تحولات إيقاعها الحركي، أي أنها لا تنفجر كما تنفجر مساحة الخشبة في عروض الحكواتي والسندباد، أو على الشكل الذي عمل من خلاله "محترف المسرح اللبناني" مع روجيه عساف ونضال الأشقر.
في وصف مسرح ريمون جبارة، من حيث بناؤه الدرامي، يمكن القول أيضاً إن جبارة لم يكن يحب التراكيب الجاهزة والمواضيع الآنية المثيرة للغرائز، أو انتهاز تحركات شعبية. فهو لم يضع مشاهد يصور فيها إضرابات عمالية، أو قضايا مطلبية مباشرة كما فعل جلال خوري رائد المسرح السياسي المعاصر. ولم يحاول إسداء النصائح المباشرة ولم يكتب مسرحاً تاريخياً، وهو بهذا يقترب من العبثيين.
لكن بعضهم يأخذ عليه سيره إلى جانب أمين الجميل أثناء الحرب اللبنانية حيث عيّنه الرئيس الجميل رئيساً لمجلس إدارة تلفزيون لبنان ثم أوكل إليه الإشراف الثقافي في "بيت المستقبل" في المتن الشمالي.
بسبب ذلك يفترض البعض أن نوعاً من الصراع الداخلي حصل عند جبارة في مفهوم الإنتماء: قومي اجتماعي، عروبي، مسيحي، كتائبي، فينيقي...
ربما لأن حياته كانت مزيجاً من التناقض زادته بشاعة الحرب الداخلية القذرة والعبثية. الحدث الثاني الذي أثّر في حياته، العارض الصحي الكبير الذي تعرّض له وأجبره على الإنكفاء عن المسرح لفترة من الزمن. وعندما عاد عاد بأعمال مقتبسة. فقد اقتبس "قندلفت يصعد إلى السماء" عن "إحتفال لزنجي مقتول لأرابال، واقتبس "من قطف زهرة الخريف" عن "المهاجرين" لمروجك. لم يرد أن يستسلم جبارة. عاد فكتب وأخرج "إن وأخواتها" التي قدّمها على مسرح جامعة سيدة اللويزة في زوق مصبح.
باختصار يستمد مسرح ريمون جبارة نكهته المأسوية من رؤياه الخاصة لمعنى الوجود، ويدخل نفسه في متاهة العبثيين، ثم لا يلبث أن يتراجع مستنجداً بشرقيته وتقديس العائلة ومتعلقاً بالرغم منه بأهداب الإيمان لكنه في كلتا الحالتين لا يتخلى عن الحلم.
له فلسفته الخاصة لمعنى الوجود. ففي رأيه، الوجود مشروع فاشل، والحياة مشوار تافه، ولأنه كذلك فلماذا نضيف عليه تفاهات أخرى. يعتبر أيضاً أن القانون بوجهيه السموي والأرضي شيء مخيف ومن الأفضل قتل الإنسان بدل إخافته لذلك صرخ الله بابرهيم أن يقتل إبنه.
كما يعتبر أن الإنسان مسحوق بين سلطتين:
سلطة تمثلها القوانين السموية بما فيها من أوامر ونواه وثواب وعقاب أشد أنواعه رعباً هي النار. وسلطة تمثلها القوانين التي وضعها الإنسان والتي لم تستطع أن تحقق له المساواة أو العدالة أو السعادة.
مسرح جبارة بمعنى آخر صرخة رفض بالمطلق، وتمرد على كل شيء. لا يوافق ولا يرفض بأن مسرحه مسرح سياسي، فالأمر يتوقف على فهم معنى المسرح السياسي وعلى التفريق بين السياسة في العمق والسياسة الشعبوية. لكنه يظهر رفضه من اعتبار الناس، أو بعض المتسيّسين، أن المسرح يجب أن يلعب دور الحزب، أو دور الإعلام الحزبي، أو دور وسائل إعلامية متخصصة بالإقتصاد والسياسة وعلم الإجتماع فيطلبون من المسرح ما يطلبونه من هؤلاء.
يرفض جبارة الرأي السائد بأن المسرح هو صورة أو مرآة تعكس الواقع. فيقول: "ليس ضرورياً أن يماشي الفنان تيار الرأي العام، بل المهم أن يكتشف الرأي العام ولو بعد حين، أن الفنان الذي مشى عكس تياره كان على حق...".
ليس المسرح السياسي عند جبارة إذاً برنامجاً حزبياً أو نهجاً سياسياً، أو فكراً مؤطّراً بمبادئ صارمة على غرار ما فرضته الثورة البولشفية في الإتحاد السوفياتي حين طالبت بأن تكون الفنون في خدمة الثورة. يقول جبارة إن المسرح السياسي في الدول العربية هو إما مسرح يمدح الحاكم وإما مسرح يهجو أعداءه. وقد وصف المسرح في العالم العربي مرة بأنه: "مسرح مباشر وراءه الدولة، ومسرح ديماغوجي وراءه الحزب، ومسرح تافه وراءه الجمهور الراغب بالسلوى الرخيصة، ومسرح منبوذ وهو المسرح الجيد...".
تقود هذه القراءة للمسرح السياسي الذي ينأى عنه جبارة بمعناه العربي إلى وعي حضور التجربة اللبنانية في الضمير العربي واللبناني، حيث تميز المسرح اللبناني دائماً بمناخ من الإنفتاح والحرية. بهذا المعنى يعتبر جبارة مسرحه مسرحاً سياسياً بالعمق ولكن من زاوية معالجة الهموم الإنسانية التي تتحول السياسة أمامها إلى محطة صغيرة في حياة الإنسان المعذب بين الحياة والموت.
جبارة مثل عصام محفوظ، كان من مؤيدي فكر أنطوان سعاده لكنه اقترب من السياسة بحذر من دون أن يحرق أصابعه. كما يقول غسان سلامه. ففي كل مرة يبدأ مسرحهما يوحي بمعنى سياسي محدد يحيّدانه نحو المضامين الفلسفية والنفسية، ويضيف جبارة إليه أشكالاً طقوسية، هي طقوسية آرابالية عبثية لا تخلو من الفوضوية، فيصبح نصه غير معني ببناء إطار مضبوط لتفاصيل عرضه. فهو باستمرار، وهنا تكمن خصوصيته، وراء تحويل مجالات خشبته إلى حلبة ثقافية فالتة وحرة وفوضوية وعرضة لجميع الإشارات والتحولات والمفاجآت.
بعد "لتمت دسدمونة" و"تحت رعاية زكور" و"دكر النحل" بدا جبارة كأنه قال كل ما يريد أن يقوله. وعندما طلب منه الإكليروس الماروني أن يكتب وينفذ مسرحية عن حياة القديس شربل رفض بداية لكنه عاد فكتب ونفذ ولكن بأسلوبه الخاص. فقد ترك من حيث المضمون، الزخم الإيماني ينطلق في مداه الرحب، لكن الصوغ والتقطيع واللعبة الإخراجية بقيت تحمل بصماته. فلم يكن في إمكان أحد أن يكتب مسرحية عن القديس شربل من دون أن يقع في الوعظ المباشر والسرد المألوف والفخ التاريخي.
في النهاية لا يستطيع الباحث في مسرح ريمون جبارة ومسيرته أن يغفل عن حدثين كبيرين أثّرا في هذه الحياة وتلك المسيرة. الحدث الأول هو الحرب اللبنانية التي اندلعت في العام 1975 وامتدت على مساحة الوطن برمته ودمرت العاصمة ومعالمها وتفاصيلها الحميمة ومنها المسارح. أصيب المسرحيون والمثقفون تحديداً بالذهول. فقد لحق الدمار بكل ما بنوه طوال خمسة عشر عاماً وكل ما عملوا من أجله ومن دون مقابل. فهم لم يسعوا من أجل أهداف مادية.
هذه كلمة حق يجب أن تقال. كتّاب ومخرجون وممثلون عملوا بكد ومواظبة من أجل تأسيس حياة ثقافية صحية للعاصمة وللبلد برمته، وكنا معهم حفنة من الشباب المتحمس للمسرح فإذا بالمجتمع يخيّب آمالهم. العامل الثاني كما قلنا هو الحدث الصحي الذي تعرّض له ريمون وحمل آثاره لسنوات وسنوات حتى أقعده أخيراً، ولم يستثنِ بعض أفراد عائلته.
المآسي الإغريقية والشكسبيرية التي شغف بها ريمون جبارة علّمته كيف يجابه القدر وعلّمته أن البطل المأسوي يكتسب عظمته من هذا الصراع غير المتكافئ بينه وبين القدرية، وهو إن خسر يخسر بشرف، وإن ربح يكون ربحه تمرداً على آلهة ظالمة لم تعرف كيف تسوس البشر، ويصرخ كما صرخ أجاكس في المسرحية التي تحمل إسمه عند سوفوكل: أبولون يا أصدقائي هو سبب شقائي.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard