العامّيُّ العبثيُّ الساخر يجترح الضحك من اليأس والقنوط

18 نيسان 2015 | 00:00

ريمون جبارة الممثل اللامع في الحركة المسرحية اللبنانية الحديثة طوال ستينات القرن العشرين، صار في مطلع السبعينات أحد ألمع الكتّاب والمخرجين المسرحيين البنانيين في تلك الحركة. مزج في مسرحه بين الروح العامّية اللبنانية الهزلية الساخرة، وثقافة الاقتباس من المسرح اليوناني الكلاسيكي، ومن المسرح الأوروبي العبثي الحديث. ثم أضاف إلى هذا المزيج شخصيات من القصص الديني، دافعاً سخريته العامّية العبثية إلى حدود السخرية الدنيوية من فكرة الخلاص في المعتقدات الدينية.

ساخر ومتهكم هو ريمون جبارة في معظم أعماله المسرحية، وفي حياته وتعليقاته الصحافية في "ملحق النهار" الأسبوعي. إنه شخص مطبوع بالسخرية والتهكم اللاذعين، السليطين أحياناً، بل مفطور عليهما، ومفتون بهما، بلا هوادة ولا سأم. لكن سأمه مما هي عليه أحوال الناس، يشكل عاملاً من العوامل الداخلية والتكوينية في سخريته المتهكمة، من دون أن يبحث لهذه الأحوال، ولا لسأمه وبرمه، عن أسباب ومبررات وشروح لبيان دوافعها. فالسخرية والتهكم لديه بديهيان، وأصلٌ في حساسيته ونظرته ورؤيته للحياة، وفي أسلوبه التعبيري المسرحي وغير المسرحي.

عبثية دنيوية
الجذر الثابت لعبثيّة جبارة هو السخرية. عبثُه ألوانُه كثيرة، تتلبَّسه فيوزّعها في أعماله المسرحية على أدوار وشخصيات متباينة ومتعارضة في مصادرها ومراجعها وحضورها على الخشبة. يستلّ عبثيته ويستلهمها من ثقافات وأزمنة ثقافية - اجتماعية متباعدة ومختلفة، قديمة وراهنة، أسطورية ورمزية وواقعية، ومن نثر الحياة اليومية: من المسرح الإغريقي والقصص الديني وخرافات الأولين، من ذاكرته وحياته ويومياته البلدية والقروية اللبنانية، من تجربته الطويلة في المسرح اللبناني الحديث في الربع الثالث من القرن العشرين، ومن احتكاكه اليومي بنمط العيش المديني (بيروت) وثقافتها في الحقبة نفسها.
ينطوي مسرحه على تذمر وسخط لا أثر فيهما للعلنية والخطابية، تجعلهما السخرية هادئتين وخفيتين وعبثيتين، أو تفضيان الى العبثية، بلا صخب. فعبثيّة صاحب "من قطف زهرة الخريف" ليست موقفاً يُعلَنُ ويُقال انطلاقاً من وضع وحال جزئيين محددين، بل هي مدار لرؤيته الساخرة المتألمة، التي لا تطرب أو لا يُطربها الألم، فتخفيه في قاع السخرية: من الدنيا وأهلها، آلهتها وأنبيائها وملوكها وعوامِّها، من قسمتها وأقدارها، ومن معاييرها الأخلاقية، الدينة والدنيوية، على هذه الأرض وفي العالم الآخر، إذا كان لهذا الأخير من وجود.
كأن صاحب "لتمت دسدمونة"، أول أعماله المسرحية (1970)، خُلِقَ ليعيش ويشرف على رحيله المتباطئ متذمراً ساخطاً وعبثياً، حتى النفَس الأخير والثمالة، لكنْ موقناً بلا جدوى التذمر والسخط اللذين كأنهما قدره العبثي الصامت، ورسالته التي لا أمل في أن تفضي إلى أي غاية. مَن هذه حاله، في شخصيته، في نظرته إلى العالم والبشر والمجتمع وأحوال الناس من حوله، وفي التعبير عن هذه الأحوال، يستحيل أن تبقى نفسه ويبقى شخصه خارج دائرة السخرية المريرة السوداء، حتى العبث. لكنه عبث يحاول انتزاع الضحك من معدن اليأس والقنوط. في هذا المعنى يبدو مسرح ريمون جبارة دنيوياً في مقاربته الرموز الدينية والقصص الديني والتراث الديني، وفي إيمانه بالرسالات الدينية، وبفكرة أو أسطورة الخلاص الديني. مصدر رؤيته الدنيوية للدين، ليس الإلحاد. فرؤيته هذه لا تفضي به إلى الإلحاد، أو إلى عدم الإيمان. إيمانه ونظرته إلى الوجود لا أدريان، مستمدان من تجربة العيش الدنيوي الوجودي، هنا والآن، بلا مراجع فلسفية ولاهوتية وثقافية.

الشّك والكلبيّة
حين يستدعي ويستحضر إلى مسرحه شخصيات من القصص الديني ومن المسرح الإغريقي القديم، يستحضرها ويُخرجها من سياقها المرجعي اللاهوتي والتراجيدي، وينزع عنها طابعها الديني والأسطوري والمقدس، ليدرجها في إطار دنيوي راهن، وأحياناً بلدي ومحلي. وهو في هذا يستعير كثافتها الأسطورية ورمزيتها وقوتها في المعتقد والذاكرة الشعبيين، كي يجعلها مداراً لمقاربة أخلاقية دنيوية، فيطرح عليها أسئلة وجودية راهنة ومريرة، ليبيّن أن العبث يضرب جذوره في المقدس وفي العالم، منذ بدايات الخلق.
العبث في مسرح صاحب "قندلفت يصعد إلى السماء"، ليس فلسفياً، بل هو وليد تجربة عيش شخصي وعام في العلاقات الإجتماعية، ووليد العمل في المسرح نفسه، ما دام المسرح لصيقاً بحياة ريمون جبارة التصاقاً عضوياً، ويشكل مدار خبرته الثقافية والمهنية. هذا على الرغم من تذمره الدائم من القدر الذي ساقه إلى العمل في المسرح، وفصله عن فطرة العيش والعمل في الأرض والريف. لكن رغبته في العودة إلى تلك الفطرة، لا تخلو أو لا تنجو بدورها من سخريته العبثية التي يرى أنها تطبق على حياة الإنسان، ولا شيء سواها يكشف عن أحواله وأفعاله. المسرح بدوره لا ينجو من السخرية، وكذلك دوره وجمهوره. فكل شيء يقع تحت نظر هذا المسرحي، معرّض لسخريته الضاحكة المريرة.
قد يكون الشكّ هو الباعث على هذا كله. كأن لا أدرية جبارة حيال الايمان والدين، ونظرته الدنيوية، هما مصدر الشك لديه: في البشر والأعمال والتعاملات بين الناس الذين يبدون في مسرحه منقادين قدرياً إلى سلوك كلبيّ أو شبه كلبيّ، لا خلاص ولا مخرج لهم منه. كأن الكلبيّة من ضرورات العيش وأنانياته التي يصعب أن تنتظم الحياة وتستمر من دونها. أما الأخلاقيات والقيم العليا أو المتعالية، دينية ودينوية، فليست سوى قناع صفيق لصغائر العيش. لذا جعل صاحب "صانع الأحلام" الكشف الدائم عن تلك الأقنعة مداراً أساسياً لأعماله المسرحية كلها.

السخرية من التراجيديا
ومع أن الخير أقرب إلى أن يكون مستحيلاً، وأسطورة حنين إلى عود أبدي في مسرح ريمون جبارة، فإن مسرحه نفسه يخلو تقريباً من الصدام بين الخير والشر، خلوّه من التراجيديا. هو مهجوس بالصدق والخير والعيش في وئام، لكن هجسه هذا لا يؤول سوى إلى حلم مستحيل أو بعيد المنال، والى القول إن وقائع العيش تكذّب ذلك الحلم الذي يحتاج إليه البشر كخرافة أو أسطورة، مدارُها ومِدَادُها الحنين الذي يخفف من لا أخلاقية الانغماس في قسوة الوقائع. هذا ما يغيّب التراجيديا من مسرح جبارة. فهي في تعريفها الأوّلي صدام بين الخير والشر، بين الواجب الأخلاقي المتعالي وانفلات الأهواء والرغبات الدنيوية، وبين الميثولوجيا والواقع.
وبما أن الكشف الساخر عن السلوك الكلبيّ الذي يتحكم بتعاملات البشر تحكماً شبه قدري، هو مدار مسرح صاحب "تحت رعاية زكور"، فإن مسرحه معاكس للمسرح التراجيدي الذي يسخر منه غالباً، ومن أدواره وشخصياته التي يرى أنها تنطوي أصلاً على أبعاد ميثولوجية تقنّع الواقع والسلوك الفعليين. أما استعاراته شخصيات تراجيدية من المسرح الإغريقي والقصص الديني، واستدخالها في مسرحه، فينطويان على القول إن العالم الحديث والأزمنة الحديثة خلت من التراجيديا. هذه أصلا مقولة معروفة وشائعة في أبجديات النقد المسرحي والروائي، وتشكل مفتاحاً أساسياً لفهم الفنون الحديثة. لكن مسرح جبارة لا يخلو من المواقف التراجيدية فحسب، بل إنه غالباً ما يشكّك في أصل هذه المواقف في أزمنتها القديمة، من دون أي حنين إلى تلك الأزمنة التي يعرّض شخصياتها التراجيدية للسخرية.
إذا كان صاحب "زرادشت صار كلباً" لا يصرّح مسرحُه بهذا كله، فإنه يستبطنه خلف عمله التأليفي لنصوصه المسرحية، ويستلّه من تجربة عيشه الفطرية الحية، من دون غوص أو تبحّر في المصادر الفلسفية والثقافية. لذا يمكن القول إن خبرته في التركيب المسرحي تظهر في مقدرته الحدسية والتجريبية على استدعاء شخصيات من المسرح الإغريقي ومن القصص الديني، وإدراجها في زمن اجتماعي راهن، غالباً ما يكون محلياً وعاميّاً في لغته الشفوية المحكية، وفي مصادره ومعانيه.
قد تكون هذه الظاهرة ملازمة لتجارب المسرح اللبناني الحديث، وخصوصاً في نشأته الأولى التي اعتمدت على الترجمة والاقتباس من المسرح العالمي، الإغريقي القديم غالباً، وصولاً إلى المسرح الأوروبي، والعبثي منه على وجه الخصوص. لكن ريمون جبارة اعتمد في اقتباساته أسلوباً معاكساً: أخرج الشخصيات المقتبسة من المسرح الإغريقي ومن القصص الديني، من أطرها في مصادرها الأصلية، ونزع عنها الصبغة التراجيدية والطابع المقدس، وألبسها لبوساً محليّاً وعاميّاً، بل منحها أدواراً من هذا النوع، وعرّضها لسخريته العامية المحلية أو البلدية في سياق مسرحه. ثم إنه قدّم شخصيات ميثولوجية دينية وتراجيدية إغريقية، وأخرى حديثة ومبتذلة، على قدم المساواة: مندوب حزب، ومندوبة صحافية، ومندوبة جمعية خيرية، ومؤلف مسرحي ووالده، وبيك وزعيم سياسي. ساوى بين هؤلاء في حضورهم ومواقفهم وكلامهم على خشبة المسرح، وبين النبي ابرهيم وابنه اسحق (اسماعيل) وزوجته، وأوديب وسواه من شخصيات المسرح الإغريقي، وصولاً إلى استحضاره الله، على ما فعل في "تحت رعاية زكور". إضافة إلى هذا كله، أخرج هذه الشخصية أو تلك من دورها، وألبسها دوراً آخر مناقضاً للأول في مشاهد المسرحية نفسها وفصولها.

بيروت النهضة الثانية
ما هي العوامل التي ساهمت في تكوين شخصية ريمون جبارة كممثل مسرحي وصاحب أعمال مسرحية، كتابةً وإخراجاً، في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، وفي أي إطار اجتماعي – ثقافي تكونت شخصيته هذه ونمتْ؟
في قرنة شهوان، القرية المتنية في جبل لبنان، ولد ريمون جبارة العام 1935، وتفتحت حواسه وتفتح وعيه، إبناً لأسرة من العامّة في بيئة مسيحية (مارونية تحديداً)، في أواخر حقبة الانتداب الفرنسي على لبنان. آنذاك، أي في ثلاثينات القرن العشرين وأربعيناته، كانت ظواهر وعوامل قد تضافرت ولعبت دوراً بارزاً في طبيعة الحراك الاجتماعي لتلك البيئة: الإقبال على التعليم كان قد قطع شوطاً واسعاً وتوسعت قاعدته. أما تيار الاغتراب والهجرة الخارجية الى الأميركيتين، فكان قد مضى نحو أقل من قرن على تدافع موجاته المتفاوتة، من دون توقف. الى ذلك كان الانفكاك، المتفاوت بدوره، عن نمط الحياة الريفية، والاتصال بنمط العيش المديني البيروتي والإقامة في بيروت، قد قطعت شوطاً، بعد عقود على خروج الريف المسيحي في المتن وعاليه وبعبدا والشوف من الزمن والعلاقات الاقطاعية، ونشوء فئات متوسطة وعاميّة مسيحية متحررة نسبياً من تلك العلاقات. هذا إضافة الى انخراط أبناء فئات اجتماعية متنوعة، ومنها العاميّة، في المهن والأعمال الحرة المحدثة، وفي الوظائف العامة في مؤسسات الدولة اللبنانية الانتدابية، والاستقلالية تالياً.
كانت هذه الظواهر والعوامل مجتمعة قد بدأت تفضي الى "تمدين" الريف المسيحي القريب من العاصمة بيروت، والى اتصاله بها اتصالاً وثيقاً. في هذا الإطار الاجتماعي ظهرت نخبة ثقافية وفنية لبنانية جديدة، كان لأبناء الفئات العامية المسيحية حضور بارز فيها، وفي ما سمّي "النهضة الثانية" في لبنان الستينات والسبعينات من القرن العشرين. وكان لريمون جبارة العامي المسيحي حضوره ودوره في تلك "النهضة" الثقافية والفنية، كما كان إبناً لها في وقت واحد.
في وجهٍ من وجوهها كانت "النهضة" الثانية، استكمالاً واستئنافاً لما سمّي "النهضة الأولى"، "الأدبية والتحررية"، في مصر ولبنان النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، وخروجاً عليها في بعض من وجوهها الأخرى. ففي حين كانت "النهضة" الأولى "أدبية" و"إنشائية" و"رومنطيقية" في نتاجها الأدبي الغالب، وكان موضوعها الأساسي الخروج على اللغة العربية القاموسية "المتخشبة" و"الميتة" في العبارة والتعبير، واستهدفت التحرر الاجتماعي والتعبيري والاستقلال السياسي عن الأمبراطورية العثمانية المنهارة أصلاً، وكذلك الانفتاح على الأفكار والعلوم الغربية، فإن "النهضة" الثانية اللبنانية والبيروتية، وظّفت ثمار "النهضة" الأولى ومناخ الحرية والليببرالية والاستقرار السياسي في لبنان الخمسينات والستينات، في إنشاء دوائر جديدة محدثة للعلانية العامة السياسية والثقافية والفنية والإعلامية. وكان لاندفاع الديكتاتوريات العسكرية والأمنية وسيطرتها على أنظمة الحكم وعلى المجتمعات العربية في تلك الحقبة (مصر الناصرية، وسوريا والعراق البعثيين)، وخنقها الحريات العامة، السياسية والثقافية والإعلامية، دور بارز في "النهضة" اللبنانية الثانية في بيروت التي تحولت قبلة أنظار النخبة السياسية والثقافية والإعلامية والفنية العربية الهاربة من سطوة الديكتاتوريات العسكرية العربية.
نهوض الشعر الحديث الحر وقصيدة النثر، والصحافة وحلقات مقاهي المثقفين والصحافيين والفنانيين، والفنون الشعبية الفلولكورية الغنائية والمسرحية ومهرجاناتها، وبدء البث التلفزيوني، ورغبة "لجنة مهرجانات بعلبك الدولية" في إنهاض حركة مسرحية جديدة وحديثة يساهم فيها الكتاب والمثقفون والشعراء؛ هذا كله، شكّل الملامح الأساسية لـ"النهضة" الثقافية والفنية في لبنان وبيروت الستينات والسبعينات. في إطار هذه "النهضة" نشأ ريمون جبارة الشاب، وكان إبناً لمظاهرها المتداخلة في دوائر العلانية العامة المدينية الناشئة في بيروت، وخصوصاً في مجال التمثيل والمسرح.

الهجرة الى التمثيل
كان لأبناء الفئات المتوسطة، والعامية المسيحية التي صدر عنها جبارة، حضورهم البارز والفاعل في تلك الدوائر، بعدما أصابهم نصيب متفاوت من التعليم، والانخراط في "مهن" فنية وثقافية وصحافية مزدهرة ومتوسعة في بيروت الربع الثالث من القرن العشرين. أمضى جبارة سنوات قليلة من طفولته وفتوته تلميذاً في مدرسة "راهبات القلبين الأقدسين" في قريته، قرنة شهوان. مثل كثيرين سواه من أبناء الفئات العاميّة والمتوسطة المسيحية، شملته فرق التمثيل المدرسية. لكن أسرته سرعان ما انتقلت الى الأشرفية في بيروت، بعدما بدأ والده العمل حاجباً في دائرة السجل العقاري. وحين يستعيد جبارة محطات من سيرته، فإنه ساخراً متهكماً يروي أن "كثيرين اغتنوا من ذلك العمل"، فيما أنهى والده عمله "حاجباً" فقيراً، "لأنه ينتمي الى سلالة الحمير في العائلة".
في "مدرسة الحكمة" في الاشرفية، ظل ريمون الفتى وأخوه على عاداتهما القروية. في طريقهما من بيتهما الى مدرستهما واظبا على "إلقاء التحية على كل من يصادفهما في الطريق"، فينظر اليهما الناس "مستغربين مستهجنين". مرض والده وفقره أديا به الى ترك المدرسة قبل نيله الشهادة الثانوية. يروي أنه عمل في "أكثر من مكان" ليعيش، معتبراً أن "الفن" الذي احترفه لاحقاً "لا يغني عن جوع". في العام 1954، وكان في الـ21 من عمره، حزم حقائبه وهاجر الى البرازيل، ملتحقاً بأقارب أمه المغتربين هناك. لم يمكث في ديار الاغتراب سوى 11 يوماً، عاد بعدها في باخرة الى لبنان. في رحلته البحرية يروي أنه "أبحر طوال 11 يوماً في عيني صبية إيطالية تدعى مارتشيلا، بعد صعودها الى الباخرة في ميناء جنوى الإيطالي". وفي بيروت "غرق في علم المساحة في مدرسة مهنية بمبنى سينما كابيتول"، أو بناية العسيلي في ساحة رياض الصلح. لم يجد المغترب الفاشل والهارب سريعاً من مغتربه البرازيلي عائداً الى بلده، سوى الدائرة التي عمل فيها والده حاجباً، أي دائرة السجل العقاري، ليعمل فيها مسّاحاً عقارياً. ساخراً، يسمّي تلك الحقبة من حياته "الحقبة الطوبوغرافية"، ويتذكر أنه اجتاز، مرة، المسافة بين الناقورة وعديسة سيراً على قدميه. لكنه هجر "الحقبة الطوبوغرافية" هذه، بعدما أيقظت في نفسه ذكرياتُ الأدوارِ المسرحية المدرسية التي أداها في فتوته القروية، هوى التمثيل والمسرح الذي يقول إنه ظل "طيّ الكتمان، خشية عدم تقبل" محيطه لأن يكون "ممثلاً". خالدة سعيد في مؤلفها عن "الحركة المسرحية في لبنان: تجارب وأبعاد، 1960 – 1975"، تنقل عن جبارة أنه كان يقيم في قرنة شهوان، عندما أتاه صديق له، وأخبره بأن "مخرجاً قادماً من فرنسا - وهو من قرية الفريكة القريبة من قرنة شهوان - عازم على تأسيس مدرسة للمسرح". هكذا شاءت الأقدار أن يتحقق هوى التمثيل لدى ريمون جبارة، وأن يهاجر إليه هجرته الثالثة، بعد هجرته مع عائلته من قريته الى الأشرفية، وهجرته العابرة الى البرازيل.

البداية ممثلاً لامعاً
كان الشاب العامّيّ المسيحي، الفقير الحائر، في الخامسة والعشرين من عمره، عندما بدأ رحلته في التمثيل المسرحي. خالدة سعيد تنقل عن مروان نجار، الكاتب والمخرج المسرحي ومؤلف المسلسلات التلفزيونية لاحقاً، أنه مع جبارة الذي يسمّيه "المجنون"، حاولا في العام 1957 مسْرَحة "قدموس" لسعيد عقل، مع أنطوان ملتقى وفؤاد حداد، الكاتب والصحافي المعروف بـ"أبو الحن"، الذي اغتيل في خضم ما سُمِّي "ثورة 1958" العروبية الناصرية في لبنان، وأصاب الاغتيالُ أيضاً الصحافي وصاحب "الحياة" آنذاك، كامل مروة. "الثورة" نفسها وحوادثها الأهلية الدامية، أدت الى عدم تقديم "قدموس"، "ووزعت" العاملين على مسرحتها "كلاً في طريق"، حتى سمعوا في العام 1960 أن مخرجاً آتياً من فرنسا ويعمل في التلفزيون، وراغباً في تأسيس فرقة للعمل في المسرح. كان ذلك المخرج منير أبو دبس الذي عهدت اليه "لجنة مهرجانات بعلبك الدولية" إنشاء "معهد التمثيل الحديث" و"فرقة المسرح الحديث" في لبنان. هكذا تحلّق حول أبو دبس ومشروعه شبّان وشابات من أصحاب الهوى والرغبات والأعمال في الحرف الفنية المحدثة. والحق أن أفراد الغالبية الساحقة من العاملين في فنون المسرح المختلفة لما يُعرّف بالحركة المسرحية اللبنانية الحديثة في الستينات والنصف الأول من السبعينات، كانت لكلٍّ منهم سيرته وحضوره في المعهد والفرقة هذين. في الدائرة الأساسية الضيقة حضر ريمون جبارة ممثلاً لامعاً أولاً، ثم كاتباً ومخرجاً مسرحياً ثانياً.
ترى خالدة سعيد أن جبارة "يتوسط المجال المسرحي اللبناني، وتاريخه" منذ نشأته العام 1960. بدأ ممثلاً في المسرحيات التي أعدّها وأخرجها منير أبو دبس: في "الذباب" لجان بول سارتر، لعب دور إجيست. في "أنتيغون" لعب دورو كريون. مع أنطوان ملتقى لمع في دور ريتشارد الثالث في المسرحية التي تحمل الإسم نفسه، ثم في دوره في مسرحية "عرس الدم"، وفي أدائه شخصية راسكولينكوف في مسرحية "الجريمة والعقاب". أما في شخصية ديب الخادم في مسرحية "لعبة الختيار" من تعريب إدوار أمين البستاني ولبننته، عن بن جونسون، وفي إخراج برج فازليان، فكان "دوره لا يُنسى"، بعدما افتُتِحت بتلك المسرحية العروض الاولى في "مسرح بيروت" في عين المريسة، في العام 1965. أما المسرحيات السابقة التي شارك فيها جبارة ممثلا، فعُرِض بعضها في "مسرح بعلبك" الذي أنشأته في القنطاري "لجنة مهرجانات بعلبك" لتقديم أعمال مدرسة المسرح وفرقتها التي كان مقر تدريباتها في شارع بلس قبالة الجامعة الاميركية في بيروت.
وشارك جبارة ممثلاً في دورين أساسيين، في كل من "الزنزلخت" من تأليف عصام محفوظ وإخراج برج فازليان، و"وصيّة كلب" التي عرّبتها ولبننتها لطيفة ملتقى عن أريانو سواسونا، ثم أخرجتها في العام 1972.

الهجرة من الترجمة
في جدول بالأعمال المسرحية التي قدّمها منير أبو دبس بين 1961 و1970 (أثبته نبيل أبو مراد في كتابه "المسرح اللبناني في القرن العشرين")، هناك 15 مسرحية مترجمة عن المسرح الإغريقي والأوروبي الحديث، شارك ريمون جبارة ممثلاً في ما لا يقلّ عن خمس منها. هذا يعني أن المسرح اللبناني الحديث في نشأته وبدايات نهضته اعتمد على الترجمة والاقتباس. ويبدو أن كوكبة المنتسبين الى "معهد التمثيل الحديث" و"فرقة المسرح الحديث" بإدارة أبو دبس، بدأت ذائقتهم المسرحية تنشأ وتنمو، أداءً وتمثيلاً وأدواراً، بناء على مشاركتهم في تلك الأعمال المترجمة والمقتبسة شخصياتها وأدوارها ومناخاتها وأفكارها من المسرح الإغريقي الكلاسيكي والأوروبي المحدث. وقد ترك ذلك بصماته على تكوّن الممثلين وفهمهم للمسرح، كما أدى الى تشرّبهم الأدوار المقتبسة التي تدرّبوا عليها وأدّوها، وإلى تطبّعهم بها، حتى صارت لصيقة بشخصياتهم وأدائهم كممثلين، وبثقافتهم ومخيلتهم المسرحيتين.
مثل كل حركة ثقافية وفنية جديدة، سرعان ما خرج من كوكبة العاملين في "فرقة المسرح الحديث"، بعض أقطابها. كان في طليعة الخارجين أنطوان ولطيفة ملتقى اللذان أسّسا في العام 1961 "حلقة المسرح اللبناني"، فوضعا لها نظاماً في الإدارة والتدريب، وانتسبت إليها كوكبة من المسرحيين، وقدمت أعمالها الأولى في راشانا، حيث كان ميشال بصبوص، المشارك في الحلقة، عازماً على إقامة مهرجانات سنوية للرسم والنحت والمسرح في بلدته. أما الأعمال المسرحية الـ14 التي قدّمتها "حلقة المسرح اللبناني بين 1962 و1973، فكانت 13 عملاً منها مترجماً ومقتبساً، وشارك ريمون جبارة ممثلاً في عدد منها.
الخروج الثاني من كوكبة "فرقة المسرح الحديث"، كان قطبه ريمون جبارة نفسه الذي أسس في العام 1965 "فرقة المسرح الحر"، مع برج فازليان وأندره جدعون ومادونا وكريستيان غازي وصلاح مخللاتي. المسرحية الأولى التي قدمتها هذه الفرقة هي "لعبة الختيار" المقتبسة أيضاً، أدى فيها جبارة دوراً أساسياً، اعتبر "محطة في تاريخ المسرح اللبناني الحديث". لكن جبارة الممثل البارز طوال ستينات القرن العشرين المطبوعة معظم أعمالها المسرحية بالترجمة والاقتباس، انتقل في العام 1970 إلى التأليف والإخراج، فقدّم من توقيعه عمله الأول "لتمت دسدمونة" على "مسرح بعلبك" في القنطاري. هذا العمل استلّ جبارة نصّه وشخصياته من أطياف الأدوار التي أدّاها ممثلاً ومن أجوائها، مُدخِلاً عليها لمساته الخاصة. والحق أن ريمون جبارة، مؤلفاً ومخرجاً مسرحياً في أعماله الاولى، استلهم الكثير من الشخصيات والأدوار المترجمة والمقتبسة التي أداها في تجربته الطويلة ممثلاً. لكنه طبعها في كتابته المسرحية بطابع جديد، صابّاً استلهاماته على شخصيات من القصص الديني والمسرح الإغريقي، فألبسها لبوساً وأدواراً خاصة، وطبعها بسخريته التهكمية العبثية، مع العلم أن مسرح العبث الفرنسي كانت بصماته شديدة الحضور في الاقتباسات والترجمات التي اعتمدها المسرح اللبناني طوال الستينات.
يبدو أن ريمون جبارة صبّ جهده في التأليف المسرحي على الخروج من تجربة الاقتباس والترجمة، فقام بتقديم شخصيات من القصص الديني والمسرح الإغريقي في قالب محلي أقرب الى الشعبية والعاميّة "المثقّفة"، وخصوصاً في "تحت رعاية زكور". لكنه في الأعمال التي كتبها وأخرجها صبّ رؤيته الساخرة والعبثية للوجود، على فكرة الخلاص الدينية التي تحيّره إلى حدّ التشكيك فيها بأسلوب مستلّ من الفطرة الشعبية التي يرى باختين في كتابه الكبير عن رابليه وعصره، أنها في الركن من الفكاهة والسخرية.
وإذا كان الأدب اللبناني في "النهضة الاولى" قد تعرّض بالنقد لطبقة الإكليروس وأصحاب المراتب والمناصب والمقدّمين، وخصوصاً مع جبران خليل جبران، فإن هذا النقد الرومنطيقي والأدبي والإنشائي والخطابي تحوّل سخرية لاذعة في كتابات مارون عبود، مثلاً. ويبدو أن هذه الحساسية النقدية الساخرة حاضرة لدى ريمون جبارة حضوراً فطرياً، فوظّفها في تأليفه المسرحي، مزاوجاً بين الروح الشعبي المحلي الساخر، ورؤيته العبثية للوجود المستلة من المسرح العبثي الذي خبر أدواره ممثلاً، ومن تشكّكه في فكرة الخلاص الديني. بحسب قراءة خالدة سعيد، يبحث جبارة "عن العصب المأسوي الذي ينتظم تاريخ الأساطير والمعتقدات (...) ليفتح المأسوي على الهزلي والعبثي"، من دون أن "يكفّ عن شد المقدس إلى الدنيوي، وعن تفكيك الأسطورة وإعادة بنائها". أما نبيل أبو مراد في قراءة لرؤية جبارة فيرى أنه "يعتبر الوجود في الحياة مشروعاً فاشلاً (...) والقانون بوجهيه، السموي والأرضي، شيئاً مخيفاً". أما "الإنسان فمسحوق بين" هذين القانونين – السلطتين".

العاميّة العبثية
لكن ما هي مصادر سخرية ريمون جبارة وعبثيته، أو سخريته العبثية؟ وكيف زاوج فيها بين الروح المحلية الشعبية أو العاميّة اللبنانية وبين شخصيات استلّها من المسرح اليوناني الكلاسيكي ومن المسرح الأوروبي العبثي الحديث ومن القصص الديني؟
كتب جبارة أعماله المسرحية بالمحكيّة اللبنانية التي تحمل، أصلاً، في تركيبها وقيمها وحقلها الدلالي والتعبيري، مخزوناً ثقافياً عاميّاً، له تراثه وحضوره في الأدب الشعبي اللبناني للمجتمع المسيحي الجبلي. الفكاهة والهزل والسخرية لها حضورها البارز في الأدب الشعبي هذا. الأرجح أن ريمون جبارة، إبن البيئة العامية المسيحية في الجبل، تشربت ذاكرته وذائقته اللغوية والتعبيرية ما يتضمنه ذلك الأدب من روح هزلي وفكاهي ساخر، ينصبّ جزء بارز منه على أصحاب المراتب والمقدمين وطبقة الاكليروس من رجال الدين، على ما هي عليه الحال في الأدب الشعبي اللبناني أو الشفوي، والأدبي الفصيح، وفي النماذج الأدبية التي تزاوج بين الشفوي والفصيح في أدب مارون عبود على وجه الخصوص. لكن جبارة، في كتابته المسرحية، ثقَّف العامية الهزلية الساخرة، بأن أدخل إليها خبرته وتجربته ممثلاً مسرحياً، وكذلك الثقافة التي حصّلها من مشاركته الفاعلة في حلقات المسرح اللبناني الحديث الذي استمد ثقافته ونصوصه المسرحية من الاقتباسات والترجمة عن المسرح اليوناني الكلاسيكي والعبثي الأوروبي. في تثقيفه الروح الهزلية العامية الساخرة، أو في استدخاله العامية الساخرة الى الثقافة المسرحية اليونانية والأوروبية العبثية، توصل جبارة إلى نصّ مسرحي لبناني مهجّن أو هجين، أنشأ مساحة وسطى تمتزج فيها قيم الثقافتين: العامية اللبنانية الهزلية الساخرة، والعبثية التهكمية الثقافية التي خبرها في تجربته المسرحية، ثم أضاف الى هذا المزيج العبثي الساخر، أو دفعه الى حدود السخرية الدنيوية من فكرة الخلاص في المعتقدات الدينية. لذا ليس من باب المصادفة أن تكون عناوين عدد من المسرحيات التي كتبها ذات مرجع ديني، مثل "شربل" (1977) و"محاكمة يسوع" (1980) و"قندلقت يصعد الى السماء" (1981). وقد يكون الجديد الذي قدّمه جبارة في أعماله، هو العامية العبثية، أو العبث العامي الساخر حتى اليأس والقنوط. وبلغ عدد ما ألّفه 9 مسرحيات، وتجاوز عدد ما أخرجه الـ15 مسرحية. أما "زرادشت صار كلباً (1978)، و"دكر النحل" (1982)، و"من قطف زهرة الخريف" (1992)، و"بيكنيك على خط التماس" (1997)، و"مقتل إن وأخواتها" (2012)، فقد ألّفها وأخرجها، بعدما كان اقتبس "صانع الأحلام" (1985). هذا إضافة الى أنه أخرج للاخوين رحباني "المؤامرة مستمرة" (1980)، و"صيف 860" (1981)، لمنصور رحباني (1988).

الساخر من حياته
لكن نشاط جبارة في مسيرته الطويلة لم يقتصر على التمثيل والتأليف والاخراج. ذلك أنه كان حاضراً وفاعلاً في المنتديات المسرحية والثقافية اللبنانية. ففي العام 1974 ترأس "دار الفن والأدب"، الذي أنشأته جانين ربيز. وبين 1986 و1990 ترأس مجلس إدارة "تلفزيون لبنان"، وتولى فيه منصب المدير العام أيضاً. لكنه غادر إدارة التلفزيون ليصاب بشلل نصفي، لم يوقفه عن العمل والانتاج المسرحيين. هذا بعدما كان ترأس "مجلس المتن الشمالي للثقافة"، و"مؤتمر المسرح اللبناني" في العام 1982. منذ العام 1969 ظل مدرّس مادتي التمثيل والإخراج في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية، حتى العام 1990، لكنه لم يتوقف عن التدريس في جامعة الكسليك إلا في الفترة الأخيرة من حياته التي لم يتوقف عن السخرية منها، معتبراً أن "السعيد في الحياة هو المخبول"، ومردداً: "أتمنى أن أموت وأنا نائم".

mohammad.abisamra@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard