فليلتحق صانع الأحلام بأحلامه!

15 نيسان 2015 | 00:00

الفنان ريمون جبارة في صورة من الأرشيف تعود الى العام 2012.

رسالة إلى ريمون جبارة

عزيزي ريمون،
لن أرثيكَ، بل سأستعير صراحتكَ اللئيمة لأقول لكَ ما يأتي: حسناً فعلتَ، أيها الصديق! وها قلبي يصفّق لكَ من أعماقه، التصفيق الذي من شأنه أن يرفع حدث الغياب إلى رتبة المسرح العبثي، ويدمل جروحاً ليس من شأنها أن تندمل في الواقع. هذا الذي صار، كان لا بدّ من أن يصير، عارفاً أن كيلكَ طافحٌ، من زمان، مع الجسد، والروح، ولم يعد من الجائز التنكيل بهما، قليلاً أو كثيراً.
يمكنكَ أن تقهقه، كما لو أنكَ فوق خشبة، أو في الحياة نفسها. لكنْ، لا تنسَ أن تدعو الجميع، هنا، إلى المشاركة في القهقهة. ربما ينبغي، والحال هذه، أن تستدعي، افتراضياً، بدهاء الفطرة الأبيّة، وبمواهبكَ الهائلة والسخية، جماعة الممثّلين والممثّلات، لمشاركتكَ هذا الفعل الأسوَد، وأنتَ ذاهبٌ إلى حيث يجب أن تذهب، بإباء الذين لا يتطلعون إلى وراء، وبمكر الذين يتألمون، من دون أن تتصاعد آهةٌ واحدة من أعماقهم المشلّعة والمعطوبة.
يمكنكَ، وأنتَ في الطريق إلى هناك، يمكنكَ أن تطمئن إلى مصير القندلفت، الذي بات في إمكانه، منذ مساء أمس، أن يصعد إلى سمائه، ضاحكاً خفيفاً، كمَن يصعد إلى عرس ليتكئ. يهمّني أن أُعلِمكَ بأن زرادشت، هذا الذي صار كلباً، في أحد الأيام، قد حطّم قيود كلبيته وعبوديته، وصار، صحبة الغيوم والعصافير.
صدِّقني، يمكنكَ أن تطمئن. فدسدمونة في الانتظار. رضى أيضاً. ومادونا. ثمة الآخرون الخفيفو الأرواح، جميعهم يُعدّون العدّة للحفلة، وينفّذون بالحذافير، تعليماتكَ والتوجيهات، التي سطّرتَها بحبرٍ ساطع على الورقة الأخيرة، استعداداً للمشهد الختامي.
هل من لزوم بعد الآن، لابتسامتكَ المجروحة الفجة، أو لسخريتكَ المتألمة السوداء؟! أعتقد أن هذا لم يعد مهماً. كما لم يعد مهماً أن تسأل مَن قطف زهرة الخريف، ولا أن تلعب لعبة الختيار، ولا أيضاً أن تبحث عن زكّور للرعاية. سيصير كلّ شيء مرتّباً، وأبيض أكثر من الثلج. هكذا، يمكنكَ أن تنصرف إلى هواياتكَ الأخرى، بلطافة الرذاذ الذي يهمي في عزّ الربيع، وبأناقة النوم الذي يأتي بعد سهرٍ جليل.
عزيزي ريمون،
ما لي وللأدب. ففي لحظة كهذه، ينبغي للقول أن يكون بالعربي الفصيح الواضح والمباشر. وعليه، خذْها منّي، كمُشاهد، وقارئ، ومُبصر، وشاهد، وشاعر: مَن مثلكَ، لا يحتاج إلى تأبين أدبيّ موارِب. وبالفم الملآن أقول، ليس في ظهرانينا، اللبنانية والعربية الراهنة، مَن يمثّل تمثيلكَ، ويكتب كتاباتكَ المسرحية، ويُخرِج إخراجك. وليس لكرسيّكَ المسرحي مَن يرثه، ليجلس عليه. لا أغمط حقّ أحد، ولا أنتقص من أحد. حاشا. لكنّكَ متفرد في خصوصيتكَ ومكانتكَ والموهبة. وقد تمكنتَ، لا بالعلم، ولا بالثقافة، بل بأسرار المواهب الفذة والخطيرة التي أُعطيتَها عفواً، وعرفتَ كيف تصيرها، وتوظّفها، وتستثمرها، بذكاء جوهري، أن تتفجر ممثلاً ومخرجاً، وأن تفسح للممثل خصوصاً، وللمسرح مطلقاً، موضعاً عزيزاً وكريماً في فضاءات المسرح العربي.
عزيزي ريمون،
لبنان يحترق. العالم العربي يحترق. للأسف العظيم، ليس ثمة حلم قادرٌ على أن يبصر الفجر. صدِّقني، يا عزيزي ريمون. لقد فعلتَ حسناً، لأنكَ قررتَ الالتحاق بأحلامكَ. مَن يصنع الأحلام، يليق به أن يلتحق بأحلامه!

akl.awit@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard