ريمون جبارة صانع الأحلام يلتحق بأحلامه (1935 - 2015) غياب - كان تائهاً في اللقاء الأخير

مي منسى womansday

15 نيسان 2015 | 00:00

كان يتأمّلني ولا يراني، كواقف على مفترق دروب ضلّ الاتجاه الذي ينبغي له أن يتخذه. قلت في نفسي أيكون ريمون صنع مسرحاً ليهرب من حقيقة الحياة؟ أيكون بعبثيته الساخرة صنع "أحلاماً" من مادة الخمائر الموجعة المعتّقة في خوابي عمره، حتى إذا أحس بالحياة تهرب منه، تاه بنظراته عنها ولم يسعه التقاطها لينجو من براثن الموت؟

لعل القلم في يدي أعاده إليّ، هو الذي اعتاد حضوري في كلٍّ من أعماله، وكان يدعوني الصديقة "الكرونيك" في مقابلاتي معه. استفاق وأنا أسأله: هل من أمر أسفت عليه في حياتك؟ فأجاب بصوت نائص: إني ولدتُ. هالني ما سمعته، وكأني طوال عمر، وأنا في هذا الادمان لمسرحه، أستقي من نبوغه رؤى جديدة للمسرح الحديث، وحرية في الكتابة والإخراج والتمثيل لا تشبه إلاّه، لم يمل عليّ فكري أن وراء هذا النبوغ جرحاً نازفاً أبداً لا يندمل. "من قتل زهرة الخريف" كانت ربما السؤال الذي ظل يساور شكوكنا، وكان يكذّب افتراضاتنا كلما دللنا عليه. كان يومذاك شبه مقعد، على كرسي جرّار، يرفض الانكسار. كبرياؤه كانت تطمئن أصدقاءه الذين كوّنوا على مرّ الزمن فرقته، أما نحن فكنا الأحباء، لا نفوّت فرصة نراه فيها ونستفقد عافيته. إلى أن جاءني صوت جمانة ابنته على الهاتف. أدركتُ أن ريمون ألقى سلاحه ولم يعد قادراً على المقاومة. اللقاء لم يكن كما اعتدناه. أدركتُ أنها زيارتي الأخيرة له. أيكون ريمون جبارة المولود من رحم المسرح، من أوهامه وسحره وطقوسه، ريمون الكاتب والمخرج والممثل، الذي سطع اسمه وارتفع عاليا في عالم، توأم ذلك الصبي الشبه المتكتّم في لباس المسرح، لا عمر له ولا هوية، كان عليه أن يبدّل جلده بجلد إنسان المسرح ويتّسم بطلاسم ابطاله وينصبغ بصباغ مصائرهم وانتحال أسمائهم تعويضاً عن أحلامه الضائعة. فعلى هذه المساحة المركّبة من ديكور وأدوار وحزمات ضوء، وجد ريمون جبارة مبتغاه. بين رفاق شقّوا الدرب معه، كان في كل مسرحية متنسّكاً بالمعنى الفعلي للتنسّك، على قدر الرسالة التي يود إيصالها. كيف سيكون الفراق بعد اليوم وقد أنسنا لجلساتنا معه، ولو بصوته الخافت، حتى لا يسمع جسده المتعب ما في روحه من عطش للعودة إلى الخشبة، إلى ذلك البيت الذي شيّده بأحلامه ومواهبه؟ في هذا اللقاء الأخير وددتُ أن أتخطى شبح الموت المهيمن فوق جبينه الشاحب، فأتلقى منه ولو كلمة تبقى لي ذكرى من بعده. لكن الكلمات جاءت على ورقتي مكسّرة، فهمتُ منها أنه في صدد كتابة رواية كانت دوماً حلمه الكبير. هذا التائه بين الهنا والهناك نسي في هذا الضياع لهفته التي أدمنت السيجارة. أشياء كثيرة باتت الآن من دونه، أهمها المسرح، هذا الإثم الذي كان يقترفه باللذة الموجعة حتى لا نقول بالوجع اللذيذ. وداعاً يا صديقي "الكرونيك"!

may.menassa@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard