"الوادي" لغسان سلهب: أرض شاسعة وأفق... لكن مسدود!

9 نيسان 2015 | 00:00

كارلوس شاهين في "الوادي".

لا يتوقف "الوادي" لغسان سلهب من الدوران حول كوكب المهرجانات حاصداً جوائز عدة منذ عرضه في مهرجان تورونتو في أيلول من العام الماضي. أمر نادر في مسيرة المخرج اللبناني الكبير الذي لم يستطع دائماً الانوجاد في الصروح العالمية ومخاطبة الجمهور الواسع، وإن كانت أفلامه تستحق الانتشار والتقدير. أما في الداخل اللبناني، فمشاهدوه معدودون.

سلهب، هذا السينمائي الذي يرمي نظرة مستهجنة وفاضحة على محيطه، يقدم لما يسمّى "هابي فيو" أفلاماً صعبة، تسلخنا سلخاً عن السائد من الأعمال التلفزيونية الباهتة التي تعرضها الصالات المأجورة باعتبارها "الـ"سينما اللبنانية. منذ شريطه الأول، "اشباح بيروت"، اعتاد ان يضع اصبعه على الجرح. السوداوية والتمرد اللذان نجدهما في سينماه لا يوازيان الا الواقعية التي يصور بها بيروته، مدينة كئيبة ضاقت فيها آفاق العيش.
في أواسط سنوات الألفين، هذا ما كان يقوله لنا سلهب: "أنا كالأسفنجة. امتص الواقع الذي من حولي (...). اتجهت الى نوع مختلف من السينما. نوع لا يسهل الأمور على المشاهد. تماماً كرؤيتي للسينما. ولم اختر هذه الصيغة، لغاية مجانية، بل لأؤكد أن ثمة تركيبات سيناريستية مختلفة. اختياري لهذا النهج يعود الى حقيقة اننا في بيروت، يصعب علينا النظر الى محيطنا على نحو "خطي" ومستقيم. السينما أشبه بحوض قد يتجمع فيه كل ما يثير الرغبة والشغف. السينما ليست الحياة. والناس تتوقع من الشخصيات ان تتكلم كما تفعل هي في حياتها اليومية، لكن من دواعي الاسف القول ان الكاميرا والحياة شيئان متناقضان، والوجوه التي نراها على الشاشة ليست لأشخاص من لحم ودم، ولا تمت بعلاقة الى البشر. الحياة أشبه بالتراجيديا. وإذا قبلت بفكرة ان الحياة مأسوية فحسب، ففي ذلك الوقت تستطيع رؤية النور من داخل الظلام".
جديده "الوادي"، واحد من أكثر الأفلام الروائية اللبنانية المنجزة في السنوات الأخيرة، رصانةً وطموحاً واكتمالاً تقنياً، وكان ينقصه القليل القليل كي يزجّ به في قائمة التحف السينمائية. يبدأ الفيلم مع رجل (كارلوس شاهين) يخرج من المجهول. بعد نجاته من حادث سيارة على طريق نائية وسط وادي البقاع اللبناني المعزول، يصاب بفقدان الذاكرة، قبل ان يقع في يد مجموعة من الأشخاص الذين يعملون في مزرعة محلية تُستخدَم كمرفق لإنتاج المخدرات.
بعد أفلام عدة في بيروت وعنها، يذهب سلهب الى مكان هو نقيض بيروت، متجهاً بكاميراته الى الأراضي القاحلة والمناطق البعيدة. فيلمه السابق، "الجبل"، لم تقع حوادثه في بيئة محددة كما هي الحال هنا، وكان من الممكن أن تدور في أي مكان. هنا البيئة حاضرة بقوة، ومشاهد الطبيعة تلقي بظلالها على مجريات القصة. بالنسبة إلى سلهب، السينما لقاء بين الزمان والمكان: "لم أرد ان يكون المكان الذي أصوّره ديكوراً أو مجرد مصادفة أو شيئاً يصلح للإفادة منه. المكان لي شيء له معنى. "الجبل" مثّل نقطة انطلاق: بطل الفيلم يغادر شقته في بيروت ويذهب الى العزلة البعيدة. يذهب الى اللامكان. في "الوادي"، نذهب الى "المكان" (مشدداً على الكلمة). فالرجل المصاب بفقدان الذاكرة في عزلة، لكنه في قلب المكان. وكما تعلم - خلافاً للأجانب الذين قد يجهلون هذه الحقيقة - البقاع ليس مجرد مكان. علماً أنني لم أنجز فيلماً عن البقاع، بل عن مكان في البقاع. البقاع مكان غريب جداً لأن هناك جبلين يمنحانك الانطباع بأنهما يحميانك، لكنهما في الوقت نفسه يشكلان مصدر تهديد. هذا ما أثار فضولي في الحقيقة. ثمة أرض شاسعة، ثمة أفق، لكنه أفق مسدود. كنت أريد أن يكون المكان وسيعاً، كي تتبلور فيه كلوستروفوبيا غريبة. اذا أردنا أن نقارن بين الفيلمين، صح القول إن "الجبل" كان بئراً. كان من الواضح منذ البداية أن البطل يريد أن يغلق على نفسه. هنا، أردتُ فيلماً مضيئاً. كان في إمكاني أن أصوّر بإضاءة خافتة، لكني لم أرد أن أسبق المشاهد وأحرق توقعاته. رغبتي كانت ألاّ أصوّر في مكان مغلق كي يتسنى لي اغلاقه تدريجاً".
كان سلهب يحضّر "الجبل"، عندما خطر على باله "الوادي". كان يكتب المشهد الأخير لـ"الجبل"، بعدما عزل نفسه في منطقة عيون السيمان. يروي: "كنت أنظر الى الثلج، وأنا أعلم أنه لن تكون هناك الا خطوات. قد تقول كان في إمكاني أن أكتب في أي مكان، وأن تسأل لمَ ذهبتُ الى هناك. ربما لأنني لستُ مخرج ستوديوات بل أحتاج دائماً الى مكان. فالمكان يمارس عليّ تأثيراً كبيراً ولا يقتصر تأثيره في الشخصيات فحسب. عندما أكتب أذهب الى الأماكن. منذ فترة طويلة، كانت في مخيلتي حكاية شخص يفقد الذاكرة جراء حادثة يتعرض لها، فنراه يمشي في طريق يعبرها عدد قليل من السيارات. من هنا، ولدت الحكاية. مصدر هذه الحكاية يأتي من علاقتي بفكرة التهديد التي نحن عرضة لها. التهديد أسوأ من الكارثة. فالكارثة إن حلت، تكون قد حلت وهي أحياناً تشكل خلاصاً (أبالغ قليلاً، فلا أحد يبحث عن الحرب والتقاتل الأبديين). ما أقوله هنا إن الكارثة يسهل القبول بها كشيء حصل. التهديد تآكل، تآكل يومي. اذاً، كنت في عيون السيمان، في هذا المكان الهادئ. حتى الارسال لا يصل اليها أحياناً، ما يعني أنك بعيد من كل مصدر ازعاج. الغريب أنني شعرتُ بالتهديد في هذا المكان الذي يتسم بالهدوء والسكينة. لم أشعر بتهديد يُمارَس تجاهي. كان مثل بخار يتصاعد. شعرتُ أنه بعيد، لذا كان ثمة احساس بأنه قريب. من هذه العناصر، تشكل الفيلم تدريجاً. ليس هناك دائماً سبب يجعلنا ننجز فيلماً ما. البعض لديه سبب واضح، قد يكون عذاباً شخصياً. لستُ منهم. الأشياء عندي مصدرها حوادث أتعرض لها، رجل يمشي، الخ...".
يقدم سلهب هنا فيلماً أشد سوداوية من أفلامه السابقة. فيلم يكاد يكون سادياً. يقول مخرج "أرض مجهولة" انه ليس سادياً، لكن الحوادث التي بتنا نعيشها سادية بامتياز: "لا تنسَ أنني أنجز فيلماً في لبنان وليس في مكان مجرد. هذا التهديد الذي لا ينتهي وينطوي على مفارقات عدة، هو السادية عينها. لا شكّ أن هذا فيلمي الأكثر سواداً وتشاؤماً. لذا كنت أريد صورة مضيئة. لم أكن أريده شبيهاً بالأفلام التي تضعك في العتمة منذ البداية. صديق لي من الثمانينات، كان ينظر الى السماء ثم الى البحر، ويقول: "انظر الى هذا الطقس كم هو رائع، على رغم الدمار والخراب من حولنا". الجملة هذه ظلت معي طويلاً. أن تجري فصول التراجيديا عندنا في ظلّ هذا الطقس البهي، هذا ليس بالأمر القليل".

(▪) "الوادي" ــ يُعرض في "متروبوليس".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard