نقاش - تعليقًا على مقالة علي حرب "لا مصالحة بين الإسلام والحداثة" في "الملحق" سياسات الغرب الثقافية جزء من المشكلة لا جزء من الحل!

4 نيسان 2015 | 00:00

تناول الدكتور علي حرب موضوع الإسلام والحداثة من زوايا عدة، وفق تصورات اتجاهات إسلامية متناقضة ومختلفة في مقاله، "لا مصالحة بين الإسلام والحداثة" (ملحق النهار، 21 آذار 2015). كما أشار في إحدى زوايا المقال، إلى علاقة الإسلام بالغرب الحداثي. وهو انضم إلى ثلة من المثقفين والمؤلفين العرب والأجانب الذين يؤكدون الفكرة القائلة بأن العرب، والمسلمين منهم بشكل خاص، رفضوا ولا يزالون يرفضون الحداثة لأنها غربية المنشأ وغريبة عنهم، على الرغم من أن الغرب التنويري والحداثي والعلماني قدّمها إليهم على أطباق من الفضة متنوعة. يذكر الكاتب رفض الإسلامويين الجدد للديموقراطية. وهذا صحيح، لكنه يقفز فوق حقيقة أن الإسلام الاصلاحي الذي تزعمه الشيخ محمد عبده في القسم الثاني من القرن التاسع عشر قال بتوافق الشورى الإسلامية مع الديموقراطية الغربية، لا ليستعيد الشورى، بل ليقبل بالمفهوم الديموقراطي الحديث ضمن اطار ثقافي اسلامي، وينسى الكاتب ردّ المندوب السامي البريطاني في القاهرة اللورد كرومر، بأن "الإسلام الاصلاحي لا يعود إسلاما"! كما يتحدث عن عودة بعض الطقوس والعادات مثل حجاب الفتيات الذي كان اختفى مع أمهاتهن وعاد إلى ما كان عليه أيام جداتهن وهذا أيضًا صحيح، لكنه يعكس مستوى الأزمة الهوياتية والثقافية والاجتماعية التي زادت بحدّة خلال العقود الخمسة الماضية بسبب ارتفاع وتيرة الضغوط الداخلية والخارجية درجات في المجتمعات الإسلامية. على رغم ذلك، تثبت هذه التغييرات أن أوضاع هذه المجتمعات متحركة متغيرة حسب الظروف وغير راكدة ساكنة في الزمان و المكان. أما السؤال فهو: "هل تنظيم مثل "داعش" بإيديولوجيته وممارساته البربرية يمثل التيار الأساسmainstream عند المسلمين أم يمثل تيارًا هامشيًا يُتوقع له أن يغيب بالسرعة نفسها التي ظهر بها؟".
ينتقد علي حرب فرنسا لتراجعها أمام الفكر الطائفي على أرضها وهي فكرة تستأهل النظر اليها من زاوية أخرى، إذ إن فرنسا وغيرها من دول الغرب ومجتمعاته لا ترى في المسلم إلا هويته الدينية ولا تتعامل معه إلا على هذا الأساس النمطي، وهي لذلك تراجعت إلى حصره بطائفته منذ ما قبل الأوضاع الراهنة كما سأشرح لاحقًا. ينتقل الكاتب بعد ذلك ليقول الآتي في ما يتعلق بفترة الانتداب الفرنسي في لبنان: "أعرف أن الفرنسيين أتوا إلى لبنان بجيوشهم وجنرالاتهم، لكن الغزو الثقافي، هو الوجه الآخر للغزو العسكري، كان نِعم الغزو لأنه كان بمثابة فتح حضاري نقلنا من عصر إلى عصر. هذا مع أن الغزو العسكري الفرنسي للبنان، كان غزوا ناعما قياسا على غزوهم الوحشي للجزائر ولبلدان أخرى".
سأتوقف عند هذه الفقرة بالذات لأنّها تحاول أن تكون تأريخية توصيفية تقريرية، كما تحاول أن تميز بين ما كان ثقافيًا وما كان عسكريًا وسياسيًا. لن أدخل في جدال هنا، عما إذا لا مصالحة بين الإسلام عموما أو بين تيار إسلامي متطرف معيّن والحداثة، لأن الأمر الأخير بديهي، أما المسألة الأولى فتجيب عنها مراحل تاريخية معيشة سابقة للمرحلة المأسوية التي نمرّ بها حاليًا وتتميز عنها بانفتاح واسع أو محدود على أفكار ومجتمعات أخرى. اضافة إلى ذلك، يردّ البعض، للأسف، القاعدة العامة إلى الاستثناء ويفسر السائد بالعابر ويقرأ الوضع الجزئي الراهن الذي تعبّر عنه أقلية حركية، كأنه يقرأ الوضع الفكري الاجتماعي والسياسي العربي في مجمله، وهذا اختزال غير صحيح لأن صورة الجزء المتوترة الزاعقة تسيطر على الصورة الكلية المعتدلة عند شرائح كبيرة من المجتمع الذي تعبّر عنه أغلبية غير ناشطة. كذلك، يقرأ هذا البعض الحاضر، ومن منطلق ثقافوي بحت، واصلًا اياه بأوضاع قاسية مماثلة في الماضي ويخرج بصورة مطلقة لكل الماضي والحاضر وربما المستقبل. وقد ذهب شاعر حوّل نفسه مفكرًا في كل علم وفن إلى اعلان أن الإرهاب الجديد اليوم ليسَ إلا تنويعاً على إرهابٍ قديم، وأن الإسلام يجبّ ما بعدَه ضمناً كما يجبّ ما قبلَه. ويضيف أن غبار حروب العرب بعضهم ضدّ بعض، لم يهدأ خلال التاريخ الإسلامي كلِّه، متناسيًا حضارة عالمية كبرى أنتجت وسادت، وأن الحروب الأوروبية ما توقفت خلال تاريخ قارة الاشعاع الفكري الحديث، وأنها ولّدت حربين عالميتين في قرن واحد كانت حصليتهما ثمانين مليون ضحية.
إن الوقائع التاريخية كما وردت عند أكثر من مؤرخ تؤكد أن فرنسا عملت على ترسيخ ثقافة الطائفية وسياساتها قبل مرحلة الاستعمار وأثناءها وبعدها. إن "نِعم الغزو الثقافي" الفرنسي خصوصاً والغربي عموماً لم تكن في حقيقتها إلا بئس الغزو، لأنّ الغرب هو الذي سار على سياسة تحريم ما أجازه لنفسه على غيره من العرب، مسلمين ومسيحيين، على أساس ثقافي، وترجمه ترجمة سياسية أو العكس، لكن التلازم بين الثقافي والسياسي، لا التمايز بينهما، هو الأمر الذي أراه في مقاربتي هذه. الواقع أنه بينما حاول المثقفون العرب التمثل بالقيم الأوروبية الحديثة وترجمة أفكار ديكارت وروسو وغيرهما من فلاسفة التنوير والتأثر بها وبأفكار الثورة الفرنسية الداعية إلى الحرية والمساواة والإخاء، كانت أوروبا تصدّهم على أساس أنهم مختلفون عرقيًا وأقل ثقافة وفكرًا واستعدادًا ذهنيًا لتحوّل كهذا، وأن الأفضل لهم أن يظلّوا في نطاق ثقافاتهم المحلية والدينية فحسب. لذا من الصعب جدا التمييز بين ما هو ثقافي وما هو سياسي- عسكري إلا في ما يتعلق بالجانب الإداري البيروقراطي والتكنولوجي البحت.

في البدء كانت الامتيازات
يقول المؤرخ البريطاني اللبناني الأصل ألبرت حوراني في كتابه "سوريا ولبنان: مقالة سياسية": "منذ أن قبلت الدولة العثمانية في القرن السادس عشر بالامتيازات الأجنبية أصبحت هذه الامتيازات بمثابة منصة لربط المصالح الأجنبية بنظام الملل غير الإسلامية. واستطاعت فرنسا، على سبيل المثل، وعبر تجديد امتيازاتها مع العثمانيين في القرن السابع عشر، أن تجعل كل رجال الدين الكاثوليك بمثابة رعايا فرنسيين. وقد استمر عدد هؤلاء بالزيادة المطّردة بسبب إنشاء البعثات التبشيرية والتعليمية اليسوعية والكرملية والفرنسيسكانية. أضف إلى ذلك، أن الحماية الفرنسية توسعت لتشمل ليس فقط الرعايا الكاثوليك الفرنسيين المقيمين في الدولة العثمانية، بل والكاثوليك العثمانيين أنفسهم كذلك"1.

بونابرت الثوري، الإسلامي، الكاثوليكي
أما بعد الثورة الفرنسية في 1789 التي عرفت بمخاصمتها الدين والكنيسة وإلحقائها الدين بالدولة بصورة متشددة، فاتبعت، في البداية على الأقل، أسلوبًا مختلفًا عندما أرسلت بونابرت لاحتلال مصر في 1898. جاء المنشور الأول الذي نشره القائد الفرنسي بين المصريين مختلطًا بالتعابير والصور الدينية. ومما فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك له في ملكه. من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية (المساواة) السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية، بونابارته، يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مديد (بعيد) الصناجق (المماليك) الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون (يعاملون) بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية، ويظلمون تجارها بأنواع الايذاء والتعدي، فحضر الآن ساعة عقوبتهم، وآخرنا (أرجأنا) من مدة عصور طويلة (...) فإنه قد حكم على انقضاء دولتهم. يا أيها المصريون: قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف (المكان) الا بقصد إزالة دينكم فذلك كذب صريح فلا تصدّقوه، وقولوا للمفترين انني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم ... أيها المشايخ والقضاة والأئمة والجربجية (الشوربجية) وأعيان البلاد، قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى (روما) وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكورللرية الذي كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين. ومع ذلك (فإن) الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني وأعداء لأعدائه، أدام الله ملكه".
لم يمض بعض الوقت على إعلان بونابرت "إسلامه" حتى بدأت القوات الفرنسية باستثمار الاختلافات الدينية بتأليف فرقة عسكرية تقتصر على الأقلية القبطية المصرية بقيادة المعلم يعقوب للمساعدة على السيطرة على الأغلبية المسلمة.
كذلك، عندما بدأ بونابرت زحفه نحو عكا ظانًا أنه سيستطيع احتلال بلاد الشام بالسرعة التي احتلّ بها مصر فإن البطريرك مار يوسف بطرس تيان (1760-1820) الذي شغل كرسي البطريركية المارونية بين 1796 و1809 "عرض سنة 1799 الدعم الماروني عليه على الرغم من أن الإكليروس الماروني، التابع للكنيسة الكاثوليكية، لم يكن معجباً بالثورة الفرنسية، ولا ببونابرت؛ وقد بدت وجهة نظره المترددة جلية في رسالته التي وجهها الى القائد الفرنسي. لقد كتب إلى الجنرال أنه يوجه إليه بعثة من أجل حبّ إخوانه الشعب الفرنسي وليس من أجله هو، مضطهد الكنيسة الكاثوليكية! وأتى ردّ ابن الثورة الفرنسية أكثر إثارة: "أنا أيضاً كاثوليكي، وسوف ترى أنّه بشخصي سوف تنتصر الكنيسة وتنتشر في البلاد البعيدة".
أيضاً، منذ بداية القرن العشرين، "لم تغير الحركة المناهضة لرجال الدين في فرنسا وفصل الكنيسة عن الدولة، عام 1906، من سياسة الحكومة الفرنسية في شيء. صحيحٌ أنها قادت الى تأسيس البعثة العلمانية "الميسيون لاييك"، المدارس اللادينية، التي عملت بدورها على نشر الثقافة الفرنسية بشكلٍ علماني، وحدث في المقابل نقص في عدد المبشّرين والأساتذة الفرنسيين، وارتفع عدد هؤلاء لدى الإيطاليين. لكن من الناحية الحكومية، تنبهت الحكومات الفرنسية من المشارب كافة إلى أن حركة مناهضة رجال الدين ليست للتصدير، وعملت على المحافظة على صلاتها مع المسيحيين المشرقيين وتقويتها وتأمين الحماية لهم بالترافق مع المصالح الكاثوليكية في الأمبراطورية العثمانية".
أما المؤرخ جون سبنيولو فذكر في خضمّ وصفه للتطورات في القسم الثاني من القرن التاسع عشر: " لقد أرسى سيانكيافيتش (القنصل الفرنسي العام في جبل لبنان) في العام 1880 قواعد اللعبة عبر رفضه ملاءمة التراث العلماني للشرق. فقد اعتبر أنّ الفرنسيين يملكون "حضارة غارقة في القدم تطورت فيها الأفكار باستمرار"، في حين كانت البلدان في الشرق متأخرة. عند تلك النقطة، كان التوافق السياسي مع الإكليروس ممكنًا تبريره كما لو كان في فرنسا عائلة يور. بشكلٍ غرائزي، قاد التناقض في المواقع (والتاريخ المتحيز) الفرنسيين الى الجزم بأنّ التغيير العلماني عند أنصارهم المسيحيين يعّدُ معادياً لمصالحهم، أو كما جرى تحديدها بشكل فضفاض، لأهدافهم الامبريالية. بدت الاضطرابات الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية لدى البابويين بالنسبة إليهم كأنها تصبّ في مصلحة أعداء فرنسا، وذلك ضمن صراع السيطرة على سوريا أو، كانت، بشكلٍ لا يقلّ إثارة للقلق، تنبئ باستقلالٍ غير مرغوبٍ فيه لدى زبائن فرنسا"2.

لنا العلمانية ولكم الطائفية
مثلما منع الغرب التطور العلماني للمسيحيين في الشرق، فعل الشيء نفسه للمسلمين. وقد تميزت النظرة الثقافية لأوروبا والغرب عمومًا تجاه غير المسيحيين بنوعين من العنصرية: واحدة قائمة على العرق وأخرى قائمة على الدين. وشهد العالم نتيجة هذه النظرة التي تبعتها العنصرية القائمة على العرق وتبخيسها الثقافي للعرق السامي عبر ما حدث للأقلية اليهودية قبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها، التي انتهت بالمحرقة التي تشعر أوروبا وأميركا بعقدة ذنب تجاهها مما جعلهما تحصران عنصريتهما بالعنصرية الدينية المعادية للإسلام وللمسلمين. هكذا، كان التيار الفكري الغربي الغالب المنادي بالحرية يرفض اعتبار هذا المبدأ مبدأ عالميا ويحصره في المجتمعات الغربية ليس إلا.
وعندما انتهت الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، لم يلغ الانتدابان الفرنسي والبريطاني نظام الملل ولم يقيما أنظمة علمانية؛ بل زادا من تأكيد الطائفية، وحوّلاها من "طائفية مجتمعية" إلى "طائفية سياسية"، فجرى مثلاً تقسيم بلاد الشام سبعة كيانات سياسية بألوان مذهبية ودينية فاقعة: دولة حلب، دولة دمشق، دولة العلويين، دولة الدروز، دولة لبنان الكبير، دولة شرق الأردن، ودولة فلسطين التي وعدتها بريطانيا غير مشكورة بالتهويد الصهيوني.
لا يمكن اتهام الدكتور جورج قرم بصداقة ما للاسلامويين عندما يقول: "أدت حماية الأقليات إلى تطوير مدرسة فكرية كاملة تنظر إلى الحرية السياسية من منظور إقامة قاعدة مؤسساتية للتجمع الطائفي البحت. ولم تعد الحرية الفردية، القادرة على تحقيق المساواة بين المواطنين من كل الأديان، هي المنشودة، وإنما الحرية الجماعية لطائفة ما إزاء السلطة المركزبة، التي يُنظر اليها من جذورها الإسلامية حصراً (...) هكذا استقرت الريبة وانعدام الثقة بين الطوائف المسلمة التي غالباً ما تجاهلتها واستهانت بها القوى الأوروبية وبين الطوائف غير المسلمة المحلية، المسيحية بشكل رئيسي، التي أصبحت موضع عناية القوى الأوروبية واهتمامها وتعاطفها في كل الأقاليم العثمانية. تحولت هذه الأخيرة طوائف ذات ارتباط "زبائني" بالقوى العظمى، وأصبحت بمثابة وسيلة تغلغل ثقافي واقتصادي، بل حتى عسكري في بعض الحالات. ولقد كلف هذا الدعم بعض الطوائف ثمنَاً باهظاً، كما هي مثلاً حالة الطائفة الأرمنية (في تركيا) أو الآشورية في العراق التي خضعت لعمليات انتقامية عنيفة، هي أقرب إلى الإبادة الجماعية. من دون كلل، جهد المفكرون العرب المشبعون بالمُثل العقلانية الأوروبية في مكافحة انعدام الثقة وهذا التباعد الذي خلقه الانتشار الأوروبي بين الطوائف، مؤكدين أولوية الأمة على الدين"3.
لا تزال هذه السياسة مستمرة لكنها أصبحت اليوم تشمل المسلمين المنتشرين في أوروبا نفسها. أشار الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون إلى هذه النقطة في "النهار" الشهر الماضي مفسرًا أسباب ظهور المجموعات الإسلامية المتطرفة في أوروبا نفسها: "للتطرف مجموعة من العوامل والأسباب التي تحصل مجتمعة. اذا ذهبنا أبعد من الاسباب المباشرة فالمتطرفون فرنسيون وأوروبيون لكن هذا الجيل الثاني ولد في ظروف صعبة مترافقة مع الفشل المدرسي والتربوي والعائلي أو ضعفه أو غيابه، وكذلك المحيط من حيث السكن والجيرة، وان كان السكن ليس في"غيتوات" الا انه في أماكن لا تساعد على انفتاح الأولاد مع ما يرافق ذلك من فراغ ثقافي وروحي وفراغ الهوية. الى جانب هذا نضيف الطريقة التي ينظر بها الآخرون اليهم، إنها نظرة تملأها الأفكار المسبقة والعنصرية وهي يومية ومستمرة، كما نشعر بتعسف الشرطة. 80 في المئة من السجناء هم من المغرب العربي وأفارقة وليس بسبب عمل إجرامي كبير بل أعمال بسيطة وهم يصيرون في السجن متطرفين مهمتهم المقاومة أو الجهاد. هناك يقدمون لهم قضية تشعرهم بوجودهم. يقال إن هناك نحو 1500 شاب وشابة من الفرنسيين يحاربون في سوريا. السبب الأساسي هو العلاقة المعقدة والسيئة بين فرنسا وأبنائها الذين لم تعترف بهم كفرنسيين مئة في المئة. وهذه مشكلة مطروحة منذ اكثر من ثلاثين سنة" ) "قضايا النهار"، 24 آذار 2015).
هكذا يزرع الغرب ما يحصده داخل العالم الإسلامي، وأخيراً داخل أوروبا نفسها. لا شك أن كثيرين سيرفعون أصواتهم صائحين: أين مسؤوليتنا نحن في كل هذا الذي يجري؟ الجواب: مسؤولينا كبيرة وخصوصاً مسؤولية الجزء المتنور من المجتمع لفهم وتعديل وضع الشريحة المجتمعية التي تشعر بالتهميش والإحباط الفكري والسياسي والاقتصادي الناتج من القمع العميق الذي تمارسه الأنظمة والغرب معًا مما سدّ كل المداخل إلى الحياة الكريمة لهذه الشريحة التي تراجعت إلى خط الدفاع الأخير عن نفسها وأعلنت استجارتها بإيديولوجيات متطرفة وممارسات بعيدة عن العصر. مع هذا، فإن الغرب، وبسبب موازين القوى، هو الطرف المسيطر على المعادلة الفكرية والدولية وأحياناً كثيرة المحلية، مباشرة أو بالواسطة. لا لزوم للتذكير المستمر بمثال علاقته التي بدأت حميمية، سياسيًا وعسكريًا وفكريًا مع تنظيم "القاعدة"، أو "المحاربين من أجل الحرية" في أفغانستان حسب تعبير الرئيس الأميركي، ريغان، وقتها وعلى مدخل البيت الأبيض، التي انتهت مأسوية حوّلتهم ارهابيين ضد الحرية في نيويورك!

*أستاذ التاريخ في جامعة البلمند

1- Albert Hourani, Syria and Lebanon: A political Essay, (London: Oxford University Press, 1946), 146-147.
2- John Spagnolo, France and Ottoman Lebanon: 1861-1914, (London: Ithaca Press, 1977), 233-234.
3- جورج قرم، نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشلرق الأوسط: تحليل ظاهرة توظيف الدين في السياسة الدولية (بيروت: دار الفارابي، 2014)، 260.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard