الآشوريون أقلية الأقليات

21 آذار 2015 | 00:00

في نهاية شباط الماضي، نفّذ "داعش" هجوماً مسلحاً على القرى الآشورية الواقعة على الضفة الجنوبية لنهر الخابور في محافظة الحسكة، فاجتاح تلك القرى واختطف العشرات من النساء والأطفال والشيوخ من بيوتهم واقتادهم الى جهة مجهولة. أدى هذا الاجتياح إلى نزوح مئات العائلات من قرى الخابور في اتجاه مدينتَي الحسكة والقامشلي، خشية تكرار سيناريو المجازر والتهجير الذي مارسه هذا التنظيم المتشدد في حق المسيحيين في الموصل وسنجار وسهل نينوى في خريف العام الماضي.

من هم المسيحيون الآشوريون؟ ولماذا يُعرَفون بهذا الإسم؟ لا نجد في كتب التراث إجابة عن هذا السؤال. تنتمي هذه الجماعة إلى "الكنيسة السريانية الشرقية" التي عُرفت باسم "الكنيسة النسطورية"، وقد انتشرت هذه الطائفة في بلاد الرافدين وبلغت العالم الصيني قبل أن تدخل مرحلة طويلة من الركود والانحطاط في القرن الخامس عشر، وعانت الأمرّين في العقود الأولى من القرن العشرين، إثر سقوط الخلافة الإسلامية وقيام الدول التي نشأت في تلك الفترة. انطلقت المسيحية من فلسطين إلى سائر العالم المتوسطي، وبلغت غرباً العالم اليوناني الروماني، وباتت دين أوروبا. في المقابل، انتقلت هذه الدعوة إلى الشرق حيث ازدهرت ووصلت إلى آسيا في القرون الوسطى، وذلك قبل وصول المبشرين الكاثوليك والبروتستانت الوافدين من الغرب.
يعود تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية إلى بدايات المسيحية. مؤسسها بحسب التقليد هو الرسول توما. انطلقت البشارة المسيحية من الرّها، وهي اليوم أورفا التركية، ومنها بلغت البلاد الواقعة تحت حكم الملوك الفرثيين، ولم يلحق بها أيّ اضطهاد في ذلك الزمن. على ضفاف دجلة، استقرت كنيسة الشرق بالقرب من المدينتين الملكيتين، سليق وطيسفون، على بعد خمسة وثلاثين كيلومترا من بغداد التي أسسها الخليفة المنصور في العام 762. أسقط الساسانيون الفرس الدولة الفرثية في القرن الثالث، وأقاموا عاصمتهم في المدينتين الملكيتين، وباتت كنيسة الشرق في امبراطورية الفرس، ولُقِّبت باسم "كنيسة بلاد الفرس"، وحمل رئيسها لقب "جاثليق"، وهو مرادف لـ"بطريرك". في القرن الرابع، جعل الملك بهرام الثاني من الزرادشتية ديناً رسمياً للدولة، وأصدر الأمر بإلغاء الديانات الأخرى. في الطرف الآخر، أصدر الأمبراطور قسطنطين "منشور ميلانو" الذي اعترف بالمسيحية كدين من أديان أمبراطورية الروم. أراح هذا المنشور المسيحيين القاطنين في بلاد الروم، لكنه جعل مسيحيي بلاد الفرس "متواطئين مع العدو" في نظر الفرس، وجرّ عليهم سلسلة من الاضطهادات، قضى فيها مئات الشهداء.
في القرن الخامس، شهد العالم المسيحي نزاعات عقائدية حادة أدّت إلى انفصال السريان عما يسمّى عادةً بـ"الكنيسة الجامعة" وانقسامهم كنائس متنافسة. في العام 431، دان مجمع أفسس تعاليم بطريرك أنطاكيا نسطور، وبعد عشرين سنة، دان مجمع خلقيدونيا تعاليم الراهب أوطيخس الخاصة بطبيعة المسيح. عُرف رافضو قرارات مجمع أفسس بالنساطرة، نسبة إلى نسطور، وعُرف رافضو قرارات مجمع خلقيدونيا باليعاقبة، نسبة إلى المطران يعقوب البرادعي الذي رسم إكليروساً خاصاً بهذه الجماعة في القرن السادس. أمّا أتباع مجمع خلقيدونيا، فهم في كتب التراث "الملكانية"، والكلمة في الأصل سريانية، تعني أتباع الملك، أي أمبراطور الروم. تبنّى سريان شرق الفرات موقف رافضي مجمع أفسس، مما أتاح لهم القول بأن معتقداتهم تخالف معتقدات الروم، وتبنّى سريان غرب الفرات رأياً عقائدياً جعلهم مستقلين عن الروم وعن النساطرة في آن واحد، واستمر الصراع بين الفريقين، بينما احتدم الصراع بين الروم والفرس، وأدّى إلى تصدّع الأمبراطوريتين.

كنيسة العباسيين
دخل المسلمون المدائن الملكية في العام 635، وثبتت كل من الكنيستين السريانيتين في موقعها. استمر الصراع المستديم بين النساطرة واليعاقبة في "دار الإسلام"، وأدّى إلى إضعاف الفريقين، وتشهد النصوص المسيحية المعاصرة لتلك الحوادث على تحول الكثيرين من أتباع الكنيستين إلى الإسلام، ممّا أدى إلى تقليص عدد الرعايا فيهما. على سبيل المثل، تحول سكان عُمان من المسيحية إلى الإسلام هرباً من دفع الضرائب الباهظة التي فرضها الحكّام الجدد على من أراد البقاء على دينه، وهي بحسب رواية البلاذري نصف غلالهم من الحبوب والتمر. على رغم هذا التحول الكبير، حافظت المسيحية على حيويّتها في بلاد الرافدين، ويشهد التاريخ لهذه الحيوية التي تجلت في سائر وجوه الحياة، من الثقافة، إلى العلوم، إلى الآداب والفنون. أقبل السريان على تعلّم اللغة العربيّة ودراسة آدابها، وأخذوا يصوغون أفكارهم وعلومهم وآدابهم بهذه اللغة، فأصبحت العربية "اللغة الحضاريّة" السائدة في هذه البلاد.
انتقل بطاركة النساطرة إلى بغداد، عاصمة الخلافة، لكن مركزهم الرسمي ظلّ في المدائن. عرفت الكنيسة السريانية الشرقية في العهد العباسي نهضة كبيرة، ولمع في إدارة شؤونها البطريرك طيموثاوس الأول الذي عاصر خمسة خلفاء، هم المهدي والهادي وهارون الرشيد والأمين والمأمون. سعى النساطرة إلى استعادة المكانة التي حظوا بها في زمن الفرس، واحتلوا مركز الصدارة مسيحياً في زمن الخلافة العباسية حيث باتوا بمعنى من المعاني "كنيسة الدولة". تبدلت أحوال النصارى بين عهد وآخر، ولا سيّما بعد منتصف القرن التاسع، غير أن السريان استمرّوا في البقاء والعطاء بفضل أعلامهم من الأطباء والعلماء بوجه خاص. أقرّت السلطة العباسية بتقدّم الكنيسة النسطورية على الكنائس الأخرى، واعترفت بالجاثليق النسطوري زعيماً لسائر النصارى على اختلاف مللهم، مؤكّداً تفرّده بالتقدّم على سائر أسياد هذه الطوائف. تمّ هذا الاعتراف بصورة رسمية في العام 913، حين نال البطريك إبرهيم الثالث من الخليفة المقتدر قراراً يقرّ بتقدّم جاثليق النساطرة على رؤساء اليعاقبة والملكية. عرفت الكنيسة السريانية الشرقية في العهد العباسي نهضة كبيرة، واستمرّت في التوسّع في القارة الآسيوية، خارج حدود دار الإسلام، فامتدت قاعدتها من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي، وبلغت الصين. انتشر النساطرة على طول "طريق الحرير" في آسيا الوسطى، ودخلوا سوغديا وأرض الأنهار السبعة، ونشروا دعوتهم في التيبت وتركستان الشرقية، ثم بلغوا الصين، وكانت لهم حوارات ومجادلات مع البوذية والطاوية.
على المستوى الثقافي، شارك النصارى في بناء الحضارة العباسية، وكان لهم دور كبير في ميدان العلوم والآداب الفنون كما هو معروف. في مقدمته الشهيرة، أشار إبن خلدون إلى هذا الدور المميّز في "تحضّر" العرب، ورأى أن العلوم العقلية وأصنافها وجدت مكاناً رحباً في دولة اليونان، "ولما انقرض أمر اليونان، وصار الأمر للقياصرة وأخذوا بدين النصرانية، هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشرائع فيها. وبقيت في صحفها ودواوينها مخلدةً باقيةً في خزائنهم. ثم ملكوا الشام، وكتب هذه العلوم باقيةٌ فيهم. ثم جاء الله بالإسلام، وكان لأهله الظهور الذي لا كفاء له، وابتزوا الروم ملكهم فيما ابتزوه للأمم. وابتدأ أمرهم بالسذاجة والغفلة عن الصنائع، حتى إذا تبحبح السلطان والدولة، وأخذوا من الحضارة بالحظ الذي لم يكن لغيرهم من الأمم، وتفنّنوا في الصنائع والعلوم، تشوّقوا إلى الاطلاع على هذه العلوم الحكمية، بما سمعوا من الأساقفة والأقسة المعاهدين بعض ذكر منها، وبما تسمو إليه أفكار الإنسان فيها. فبعث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة، فبعث إليه بكتاب أوقليدوس وبعض كتب الطبيعيات. فقرأها المسلمون واطلعوا على ما فيها، وازدادوا حرصاً على الظفر بما بقي منها. وجاء المأمون بعد ذلك، وكانت له في العلم رغبة بما كان ينتحله، فانبعث لهذه العلوم حرصاً، وأوفد الرسل على ملوك الروم في استخراج علوم اليونانيين وانتساخها بالخط العربي". ساهم العديد من علماء الروم الملكيين والسريان اليعاقبة في حركة نقل علوم الإغريق إلى العربية، غير أن السواد الأعظم من كبار النقلة كانوا من العلماء النساطرة، ومنهم حنين بن اسحق الذي درس في بلاد الروم، وسلالة بني بختيشوع الذين درسوا في جنديسابور، وقد نقل ابن أبي أصيبعة الكثير من أخبار هؤلاء العلماء في كتابه "طبقات الأدباء".
جمع ميدان الثقافة والعلوم النصارى والمسلمين، واخترق الجدار الديني الذي يفصل بينهم. خارج هذا الميدان، تولّى النصارى في بعض العهود مناصب رفيعة الدولة، وتجاوزوا أحياناً الوضع الذمّي الذي يستند بشكل أساسي على الآية الحادية والخمسين من سورة المائدة: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين". هكذا أولى الخليفة المعتضد ثقته إلى كاتبه النصراني عبد الله سليمان، وقال له: "إذا وجدت نصرانيا يصلح لك فاستخدمه فهو آمن من اليهود لأن اليهود يتوقعون عودة الملك إليهم، وآمن من المسلم لأنه بموافقته لك في الدين يروم الاحتيال على منزلك وموضعك، وآمن من المجوس لأن المملكة كانت فيهم". ويحفل التاريخ بحالات مشابهة كما يحفل بحالات معاكسة تظهر بأن هذه الشراكة لم تكن متواصلة، كما في عهد المتوكل حيث أُبعد أهل الذمة عن الدواوين وأعمال السلطان، وفًرضت عليهم سلسلة من القرارات الخاصة بلباسهم وزيّهم تبدو بلغة اليوم قرارات تمييزية تعسفية متشددة.
عاش النصارى في ظل العباسيين أياماً عجافاً كما عاشوا أياماً وصفوها بـ"أيام العروس". بعد المتوكل، بدأ عصر ضعف الدولة وانحلالها. تضعضعت الخلافة، وتفككت أجزاء المملكة وتحوّلت إمارات وممالك تحكمها سلالات متعددة. في ""تاريخ الزمان"، يقارن العلامة السرياني اليعقوبي ابن العبري بين وضع المسيحيين في مصر الفاطمية ووضعهم في ظل خلافة القادر، ويقول: "كان المسيحيون يومئذ متولّين شؤون الدولة العربية المصرية دون أن يضطرّهم أحد إلى جحود دينهم، بخلاف ما يجري في عصرنا، إذ أن العرب لا ينيطون الوزارة إلا بمنضمّ إلى الإسلام". في المقابل، يذكر المؤلّف في "تاريخ مختصر الدول" طائفة من العلماء المسيحيين الذي ظهروا في زمن أفول العباسيين، ومنهم قسطا بن لوقا، يوسف الساهر، عيسى الطبيب، سنان ابن ثابت، ويحيى بن عدي. تظهر هذه الأسماء أنّ المسيحية حافظت على حيويّتها في الشام والعراق ومصر على رغم ما ألمّ بها من صعاب، وتعرّبت تدريجياً من دون أن "تعترف" بهذا التعريب. شكّل دخول المغول تحوّلاً جذرياً في هذه المسيرة التاريخية، وكاد هذا التحّول أن يقضي على هذا الوجود في القرن الرابع عشر.

التضعضع والشقاق
شهد السريان صعود التتار، ووجدوا نفسهم أمام أمبراطورية جديدة تقوم في وجه الخلافة. في العام 1258، دخل هولاكو بغداد، وقضى على المعتصم آخر الخلفاء العباسيين. نزل الحاكم الجديد عند نصيحة زوجته النسطورية دوقوز خاتون، فتحاشى التعرّض للمسيحيين وللمسلمين المحتمين بهم، وخصّ الجاثليق مكيخا الثاني بدار الدويدار، أي الوزير الأكبر، وجعل فيها كنيسة. على مثال العباسيين، استعان المغول بالمسيحيين للخدمة في الدواوين، وذهبوا أبعد من أسلافهم العرب، فولّوهم على المدن، وأوكلوا إليهم السفارات لدى ملوك الغرب. في العام 1281، توفى البطريرك دنحا الأول، فاختار الأساقفة السريان خلفاً له يهابلها، مطران الصين الشمالية، وذلك لمعرفته بلغة المغول وعاداتهم، وأقرّ الخان أباقا خليفة هولاكو هذا الاختيار. لبست كنيسة المشرق ثوباً عربياً في زمن العباسيين، ولبست ثوبا "آسيويا" في زمن المغول، وتأثرت بالشامانية والبوذية، ويتجلّى هذا التأثر في كثير من الشواهد الأثرية التي تعود إلى تلك الحقبة. عاشت الكنيسة النسطورية ازدهاراً أخيراً في ظل الإيلخانات الإيرانية، وانقلب الدهر عليها في زمن صعود تيمورلنك، فضعفت وتشتّتت وفقدت النفوذ الذي كانت تتمتع به في السابق، ولم يعد لها من اثر يذكر إلا في اورمية بأذربجيان، وفي وان وهكاري بتركيا، وفي شمال العراق حول الموصل.
من هذه الكنيسة القديمة، انشقّ فريق واتحّد بكنيسة روما في منتصف القرن الخامس عشر، وأطلق البابا أوجينس الرابع على هذا الفريق اسم "الكلدان". يربط هذا الاسم حامليه بـ"كلدو القديمة"، حيث تأسّست دعائم الكنيسة السريانية الشرقية في مطلع القرن الميلادي الثاني بحسب الروايات. في مرحلة لاحقة، عُرف أتباع الكنيسة الذي رفضوا هذا الاتحاد بـ"الآشوريين"، وكانوا يُعرفون في لغتهم بـ"الأثوريين". يشير اسم "الآشوريين" إلى قوم من الساميين استوطنوا شمال العراق منذ خمسة آلاف سنة، وقد شاعت في نهاية القرن التاسع عشر بعدما أسّس رئيس أساقفة كانتبري في هذه المنطقة "إرسالية رئيس الأساقفة في أشور". في المقابل، تشير تسمية "الأثوريين" بحسب معجم الحسن ابن بهلول "أهل الموصل"، وهذه التسمية شبه منسية في زمننا الحاضر. شقّت الكنيسة الكلدانية طريقها في أرض وعرة، وانتقل بطاركتها من مركز إلى مركز إلى أن ثبتوا مقامهم قي قدشانيش قرب جولاميرك، في وسط جبار حكّاري في كردستان، قي الشرق الجنوبي من تركيا. انتقل كرسي البطريركية إلى الموصل في مرحلة لاحقة، واستقرّ في بغداد يوم أصبحت مدينة السلام عاصمة العراق المستقل. في مفارقة تاريخية لا نجد ما يماثلها في تاريخ الكنائس الشرقية الكاثوليكة، تحولت الكنيسة الكلدانية مع الزمن إلى أكبر الكنائس العراقية، وتضاءل حجم الكنيسة النسطورية التي "انشقت" عنها، وهي الكنيسة السريانية الشرقية غير المتحدة مع روما. بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، عاش آخر النساطرة سلسلة من الاضطرابات والنكبات، وتحولوا إلى "أقلية الأقليات" في العصر الحديث.
في القرن التاسع عشر، عانى الآشوريون من الجوار الكردي، وتعرضوا للذبح على يد أمير بهتان الكردي بدر خان بك، فلجأ بطريركهم شمعون السابع عشر أبراهام إلى بلاد فارس في سهل أورميه. تجددت هذه المذابح خلال الحرب العالمية الأولى، حين تحالف الآشوريون مع الروس، وأعلن بطريركهم شمعون التاسع عشر بنيامين الثورة، فهاجمهم الأكراد والأتراك، وأرغموهم على التراجع والتقهقر. في منتصف العشرينات، ظهرت الحدود السياسية لكيان العراق الجيد، وبات الآشوريون الذين هُجّروا من حكاري خارج الموطن الذي أقاموا فيه طويلاً وجعلوا منهم موقعهم القومي والديني. قُسّمت بلاد ما ين النهرين، وباتت حكاري جزءاً من تركيا، وخسر الآشوريون حلمهم المستحيل بإنشاء وطن قومي في سهل نينوى. في العام 1933، حدث ما دُعي بـ"ثورة الآشوريين"، وتسببت هذه "الثورة" بمذابح في شمال البلاد قضى فيها نساء وأطفال وشيوخ. ضعفت الكنيسة الشرقية وهزلت، وازداد ضعفها في منتصف الستينات حين انقسمت على نفسها، وباتت كنيستين متصارعتين. تعرف الكنيسة الأولى باسم "الكنيسة الشرقية الآشورية"، ولها حضور في بغداد وكركوك والحسكة وبيروت وتريشور وشيكاغو. وتُعرف الثانية باسم "الكنيسة الرسولية الجاثلقية القديمة"، ولها حضور في الموصل وكركوك وتريشور.

زمن الاندثار
تشتت الآشوريون في القرن العشرين، وتبنّوا خطاباً قومياً ضيّقاً ساهم في تهميشهم، فتحولوا إلى أقلية هزيلة مبعثرة لا تملك أيّ قوة فاعلة على الأرض. وجدت هذه الجماعة نفسها داخل الصراع الكردي العربي في زمن صدّام حسين، ووقعت مرةً أخرى ضحية هذا الصراع بعد انهيار الدولة العراقية في السنوات الأخيرة. وحدت هذه المحنة الأخوة الأعداء، وراج الحديث عن "الشعب الكلداني السرياني الآشوري" في الأوساط المسيحية المحلية. يبدو هذا "الشعب" مغلوباً على أمره اليوم، وهو يشهد اندثاره السريع أمام صمت العالم المخيف. في خريف العام الفائت، عمد تنظيم "داعش" إلى تهجير أبناء هذا "الشعب" من الموصل وسنجار وسهل نينوى. اليوم، يتواصل هذا المسلسل مع إفراغ قرى الخابور من الآشوريين، وهم في مجملهم ناجون من مجزرة سميل التي نفذها الجيش العراقي في العام 1933 بقيادة الجنرال بكر صدقي. يحدث ذلك في العام الذي يحيي فيه الآشوريون "الذكرى المئوية للإبادة الجماعية الآشورية" التي قامت بها القوات العثمانية في العام 1915 مع نهاية الحرب العالمية الأولى. قضت هذه الحملة على الألوف من الآشوريين، وشرّدت البقية الباقية منهم، وها هي اليوم تعود بشكل آخر لتقضي على من تبقى من هذه البقية التعيسة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard