موسيقى - الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية بقيادة الأب توفيق معتوق مارينا بوتشيارللي وكارلو مالينفرنو غرّيدان من أصالة البل كانتو

10 آذار 2015 | 00:00

(تصوير مروان عساف)

بين الغناء للحبيب والابتهال لله، الصوت الغرّيد واحد، يناجي اللامرئي بألحان تسبيحية رهيفة، طالعة من الروح، مطمئنة إلى ديمومة الخالق كما يغازل المرئي بلواعج الحب والخوف عليه من الفراق والموت. فبين أوبرا "نورما" لبلليني و"ستابات ماتر" لروسيني، كنا في كنيسة القديس يوسف على مفترق درب بين الغناء السموي والغناء الأرضي، وفي الحالتين تعرّ من الواقع والاعتلاء بالروح إلى حيث النقاء الأثيري.

الأب توفيق معتوق، لم يكن قائدا للأوركسترا وحسب. هذا المغمور بنعم الموسيقى ربّى صوته الباريتوني على الأوبرا ودرّب جوقة الجامعة الأنطونية على الإنشاد الكنسي والأوبرالي، وغالبا ما يحشر خامة صوته بينها داعما أفرادها، وفي هذه الليلة كان بعشقه المطلق للموسيقى يبث فرحا في الأوركسترا الفيلهارمونية، يستثير الروح العاطفية المتمادية من الآلات ويؤنسنها حتى إذا أنشدت مارينا بوتشيارللي السوبرانو المتمادية بصوتها إلى الأثير "آريا" من بلليني، تخاوى الهارب بحذافير منطقها الليريكي، واستأنس الهوبوا مع الباريتون كارلو مالينفرنو في "ريكويام" دونيزتي. الوصف قد يطول حين ندرك أهميّة ما في هذا اللقاء الفني- الثقافي بين الجامعة الأنطونية والأوركسترا الفيلهارمونية والمعهد الإيطالي الثقافي، من حسن تبادل، كي تبقى الموسيقى على عهدها لغة الانسانية، تلك التي تقول الأفراح والأحزان في وتر كمان، في أنفاس ناي ورهجة إيقاع.
في هذا اللقاء بين آيات دينية ودنيوية، وبين أن تنشد الرائعة مارينا بوتشيارللي، "الستابات ماتر" بتقوى، أو أن تكون جولييت العاشقة، في أوبرا بلليني "كابوليتي ومونتيكي"، كان تناغم واتحاد لحب واحد مولود من الافتتان الذي يكنّه بلليني للمرأة كما دونيزيتي وبوكيريني للأم العذراء مريم، في لائحة هذه الأمسية.
هي المرأة الملهمة منذ الزمن الباروكي حتى الموسيقى المعاصرة، تخط لعظماء الموسيقى، أعمالهن الخالدة. ففيفالدي مضى إلى العهد القديم لينشل "جوديت" من النسيان، أسوة بفيرونيز الرسام وميتاستاز الشاعر، وفي بالنا أكثر من امرأة رفعت الأوبرا إلى مصاف تراجيديات الحب الذي يعتق، من "كارمن" لبيزيه، إلى "الترافياتا" و"عايدة" لفردي، و"مانون" لبوشيني، و"نورما" لبلليني، وغيرهم. كأن لقدر تيك النساء الخاطئات من كثرة ما أحببن وعشقن وخدعن، ديناً، لا تنالهن التوبة إلاّ حين يتطلّع المؤلّف إلى العلى ويكرّم أم الله بموشح يصوغه من الآلات التي ارتكبت بها خطايا نساء الأوبرا ولكن بكلمات ترضيها وتعفو عنهن.
في ليلة الجمعة كان الغناء موزّعا بين السوبرانو مارينا بوتشيارللي التي يتحوّل صوتها في الغناء إلى زفير رقيق، إن أنشدت "الستابات ماتر" لبوكريني أو ناجت الحب في "نورما" أو هي اتحدت بقداس روسيني الصغير، والباريتون كارلو ماليفرونو الذي أخذ من القائمة "ريكويام" دونيزيتي وآريا من "المروبصة" لبلليني إلى خاتمته الرائعة "الثرثرة" من "حلاق أشبيلية" لروسّيني. صوت من خامة الحناجر الجهيرة ومن أهل "البل كانتو" الايطالي حيث الصوت مهما اخشوشن يظل ينزّ حلاوة ورومنطيقية وحيوية. أحيانا كانت الأوركسترا تتوقّف عن العزف تاركة للمغنين الانفراد في عالمهما. غير أن لنقرات الوتر في الثرثرات الروسينية الطريفة، تعابيرها الظريفة إذ جاءت متناغمة مع دور "القيل والقال" الذي برع مالينفرنو في نقله أوبراليا، ساخرا إلى الجمهور.
إذا الأوركسترا ضمنت الجزء الأكبر من الأمسية للأوبرا والموشحات الدينية، غير أنها افتتحت السهرة بمدخل لأوبرا "نورما" وأخذت من روسيني سنفونيا من أوبرا "لا سكالا دي سيتا". للختام كانت رفيقة السوبرانو في غناء كلّه دلع وإغواء من أوبرا "دون باسكوالي" لدونيزيتي.

may.menassa@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard