"دنيا الدين الإسلامي الأول" لراتب شعبو: سياسة محمد

4 آذار 2015 | 01:01

قد اختلف مع الصديق راتب شعبو كثيراً في مقاربة اشكال الحلول السياسية الممكنة للحرب الدائرة في سوريا، غير أنّني أنحاز بقوّة إلى مقاربته السياسية هنا في بحثه المبدع، "دنيا الدين الإسلامي الأول"، "دار شرق وغرب"، دمشق، الذي كتبه قبل أكثر من 15 سنة في سجن دمشق المركزي، مستكشفاً فيه سياسة محمد بن عبد الله رسول الديانة الإسلامية في نشر دعوته. وإذا كان الكتاب لا يتوجّه بالنقد إلى العقيدة الإسلامية، ولا يعنى بها، إلا أنّه يبرز عبقرية الرسول في مسيرته السياسية الثورية لتغيير بنية حياة العرب أو دنياهم، ونقلها من طور إلى آخر، مفنّداً بذلك رأي هنري ماسيه الذي نفى صفة الثورية عن الرسول. ليفنّد بعد ذلك رأي محمد عابد الجابري الذي لم ير أيّ مشروع سياسي في سيرة محمد ورسالته.

يعتمد راتب شعبو على آلية نشر الدعوة وتنظميها منذ البداية ورغبتها في إعادة "صياغة العلاقات الاجتماعية وفقاً لمبادئ محدّدة". صحيح أنّ الكتاب يشير إلى تنبه الملأ المكّي إلى الخطر السياسي لدعوة الرسول محمد مبكراً، إلا أنه لا يوضحه ببعده الديني. ذلك أنّ الديموقراطية الدينية في مكّة مهما اتسعت أبعادها لتشمل عبدة الأصنام والأحناف واليهود والنصارى، قد لا تقف مكتوفة الأيدي أمام سلطة نص كالنص القرآني يجردها من سلطتها الأدبية. وقد لا تنظر بعين الرضى إلى أبنائها وعبيدها وهم ينقادون لهذا النص وصاحبه بشكل سرّي وبغير إذن من ساداتهم. ولاسيما أنّه سيخلّ باستقرار الاستقطاب الديني المتعدّد في مكّة، ليتحوّل إلى استقطاب ديني وسياسي أحادي التوجّه.
ما يركّز عليه راتب شعبو، ويدير الحديث حوله، هو رغبة الرسول محمد بأن يقود قريش، ليقود من خلالها العرب. وكان الرسول من الذكاء بحيث أنّه لم يطرح هذا الهدف الاستراتيجي لمشروعه السياسي على الملأ المكي مباشرة، وإنما أخذ يلمح إليه تلميحاً بتكرار مقولته الشهيرة: "جئتكم بخير الدنيا والآخرة"، أو بتطمينه المتكرّر لقريش من خلال مقولته: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام". أما لماذا قريش، فربما لا يفيد القارئ تكرار ما ذكره الرسول عن المكانة التي تحظى بها قريش لدى الله بقوله لأبي قتادة الأنصاري بعد وقعة أُحد: "لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله"، ليس لأنّ الله يلغي كلّ ما سواه لدى المؤمنين به، وإنما لأنّ الإجابة ممكنة دنيوياً وفق البعد السياسي الذي يتبنّاه الكتاب. فقريش أكبر قبيلة في مكة، ولها السيادة عليها. وتتميّز مكّة باعتبارها مركزاً تجارياً ودينياً مستقلاً، "لم تخضع لمركز سياسي معين أكان عربياً (كندة، الغساسنة، اللخميون) أم غير عربي (بيزنطة، الحبشة)"، وفشل أبرهة الحبشي في تدمير مكة مشهور، وذلك بسبب وباء تقرحي أصابه وجيشه، وكنى القرآن لاحقاً عن هذا الوباء بطير أبابيل وحجارة من سجّيل. إضافة إلى ذلك أنّ الرسول محمد ينتمي قبلياً إلى قريش، وهنا يمكن الإشادة بجهد الكاتب لإيضاح أنّ الرسول محمد لم يحارب القبيلة أو بنيتها الاجتماعية مطلقاً، وإنما سخّر هذه البنية لتخدم مشروعه السياسي، مستفيداً، ربما، من فكرته القديمة حين اختلفت القبائل على من يضع حجر الكعبة مكانه، فاقترح محمد - ولم يكن قد أصبح رسولاً - أن يوضع الحجر على عباءته، وتمسك كلّ قبيلة بطرف من أطراف العباءة لترفعه، وهذا ما حصل في وضع الحجر. وهذا ما حصل سياسياً عندما فتح الرسول مكة، وساد عليها، فتوافدت القبائل العربية إليه من كلّ صوب، للدخول في الإسلام، أو بالأحرى للدخول في كنف الدولة الجديدة، ليؤرخ ذلك باسم "عام الوفود". بهذا المعنى لا تشكّل سياسة الرسول محمد خروجاً عن البنى الاقتصادية التي كانت سائدة في الجاهلية، فلا هي تنتصر للفقراء ضدّ الأغنياء، ولا للعبيد ضدّ أسيادهم. وإن أبدت تسامحاً في انضمام العبيد والفقراء إلى جسدها أوّل الأمر، فإنما لتقوى على طريق الوصول إلى الهدف الكبير، وهو إنشاء الدولة المحاربة التي ستوحد القبائل من أجل الغزو الأكبر، وهو الفتح، ووعد الرسول لعمر بن الخطاب بسوار كسرى دلالة واضحة على ذلك.
لم يكن الرسول ينتمي إلى قريش فقط، بل كان ينتمي إلى الأحناف من خلال جدّه عبد المطلب، وما يبدو ملتبساً ومحيّراً هو علاقة اليهود بالأحناف، أولاً بالتشابه في طقوس العبادة. وثانياً حين جعل الرسول من الكعبة بيتاً لإبرهيم ليكون أباً للعرب وليس لليهود، على غير ما ورد في التوراة. الأكثر من ذلك، محاربة الرسول ليهود يثرب بحزم وطردهم من المدينة، على الرغم من دعمهم له – ترى هل كان ذلك استئنافاً لصراع قديم بين ديانتين (الحنفية واليهودية) استلهمت إحداهما الأخرى، أم هو مجرد إجراء وقائي من خطر يهودي محتمل على الرسول ودعوته؟! سؤال لا يجيب عنه الكتاب بدقّة، لكنه يطرحه بفطنة ودراية.
أيضاً يتهرّب الكتاب من سلطة النص القرآني بعد وفاة الرسول، وقد استحوذت عليها قريش وثقيف لمنافسة بني هاشم عائلة الرسول على الحكم. فلا يأتي على ذكر بيعة الغدير التي توردها أدبيات المذهب الجعفري، وتتضمن تولية الرسول لعلي بن أبي طالب على المسلمين خلفاً له إلا بالإشارة إلى الجانب السري للدعوة الذي استمرّ حتى النهاية. من الواضح أنّ بيعة الغدير - إن تأكّدت - تمثّل امتداداً قبلياً لكيفية السلطة واستحواذها، بينما أجمع الملأ المكي على ما جاء في النص القرآني: "وأمرهم شورى بينهم"، وقد تمت مبايعة أبي بكر كخليفة للرسول على أساسه. لكنّ هذا الجانب القبلي في الحكم سيستعاد في عهد معاوية، ليحارب إرادة الملأ المكي في اختيارهم لعلي بن أبي طالب خلفاً لعثمان، وقد ساعد مقتل علي على يد الخوارج في سيطرة بني أمية، أخوة بني هاشم من جدّهم عبد مناف، على العرب، ولكن من دمشق هذه المرة، وليس من مكة.
أهمية اكتشاف راتب شعبو للمنحى القبلي في السياسة المحمدية تبرز في استمراره في حياة العرب، وطريقة حكمهم الحالية. لكن إن كان الرسول قد وحّد القبائل العربية تحت سلطة متعالية، أخرجتهم من أزماتهم المصيرية، ولا سيما الاقتتال البَيْنِي على الموارد الفقيرة أصلاً في شبه الجزيرة العربية، إلا أنّ تفتّت هذه السلطة الدينية المتعالية مذاهب شتّى، ألغى فاعلية النهج القبلي لأنّه تحوّل بدوره إلى عامل تفتيت أكثر منه عامل توحيد.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني