مسرح - يارا بونصار في يدها حقيبة السفر والحنين إلى بيروت في مسرح الجيب في "مونو" امرأة تحكي عن مدينة والرحيل قدرها

28 شباط 2015 | 00:00

في بيروت بيوت وسكان وغربة. في بيروت شعراء يغنون جمالها حتى يسكتوا تعاستها. في بيروت يقتلعون المنازل العريقة المنقوشة بالتاريخ ويبنون أبراجا من الأسمنت والمعادن. بيروت المدينة التي تبدّل ملابسها باستمرار، لم تعد تسأل عن هويتها، لم تعد تتذكر سماتها، لم تعد...

في مسرح الجيب في "مونو"، امرأة من هذه المدينة، رسمت حدودا حولها حتى تمنع الخوف. امرأة ككل إنسان في هذا الوطن تعرّى من قشرته الواقية، مشرّعا للشكوك، للارتياب، يسأل، والجواب صدى يقرع كأجراس الحزن في دماغه. حكايات مدن بلا حيطان ترويها يارا بونصّار بابتسامة رقيقة على شفتيها تكتم خيبات تقرأها على وجوه الناس: "صرت ملاحظة لما الواحد بيبتسم ما بيعود الناس يكتّرو أسئلة ويشكّكو فيه. بهزّو راسن وبكمّلو طريقن وبيسألو حدن تاني عنو".
يارا بونصار، كتبت ومثّلت واقعاً لا يبتسم. المرأة الضائعة في مدن الآخرين وفي مدينتها، هو دورها في الحياة. امرأة جميلة، من سحر الغجر تكاوينها، تحمل غجريتها في حقيبة، تُفرغ ما فيها أينما حطت، وفي أي مدينة عبرت، تسأل ويبقى السؤال صدى بلا جواب. هكذا التمّت هذه المغامرة على حالها وفي حقيبتها سرّها وخبريات ترويها لذاتها، حتى إذا امتلأت مقاعد مسرح الجيب بالناس كان الإصغاء لهم، والأسئلة لهم على نسق نقطة استفهام، من دون أن يتلقّوا منها سوى أجوبة عابرة. ففي مسار هذه الجنّية الساحرة، محطات مبهمة وحدها تدرك فحواها، والجالس قبالتها يستمع إلى صمتها الطويل أحيانا، تفرد من هذه الحقيبة أشياء هجينة، هي في سرّها محطّات حياتية ورموز وجودية، ليس من حق المشاهد أن يتطفّل على حميمياتها أو أن يتدجّن في معانيها، كأنه بسعيه اللجوج إلى عمق هذه الشاردة على دروب الدنيا، يتخطى الحدود التي ذرّتها رملاً ورسمت من حولها خط تماس حماية لوحدتها.
"بيت بلدي"، عنوان كبير لعنوان آخر يرسم معالم الأرض التي يعيش عليها الناس "حكايات مدن بلا حيطان"، عرض مسرحي جمع حول الأداء المنفرد ليارا بونصار، باد كونكا، واضع الموسيقى والمنفرد في مواكبة يارا على الترومبيت. الدراماتورجيا لإيلي يوسف والسينوغرافيا لرينات ونش، أما الفستان الأزرق المفصّل بعياقة على تقاطيع قامة يارا الرائعة، فله أكثر من دور: ريّا قزعون مصمّمته، جعلت فيه نوافذ كتومة تطلّ على مساحات صغيرة من بشرة هي كالورقة، تخط عليها المسافرة ذكريات كالوشم في مسامها.
"مرحبا"، تقول، في مستهل لقائنا بها. "قصتي بسيطة، حكايات عن مدن زرتا، ناس التقيتن فيا. أنا بسافر لحالي، بسافر لأن ما في شي ناطرني ببيروت. على فكرة، قصتي
كلها بتبلّش ببيروت. كانت مدينتي اللي الوقت ما عاد فيا يتحرّك" .
من مشهد إلى آخر، نرافق المرأة في أسفارها وعوداتها، كأنها تذكّر كلاً منا، بأن بيروت معزولة، مظلومة، تعم فيها الفوضى حتى خيبة الأمل. حكايتها نعيشها، لا إثارة فيها سوى ما تحويه الشنطة التي تفرغ بعضا من محتوياتها بين مشهد وآخر. ولأن الدروب تحتاج إلى حذاء، نراها تستبدل حذاء أحمر بآخر أخضر، بكعب أو من دونه، المهم كما تقول: "كانت عم بتراقب جسما وهي عم تلبس تيابا، كانت عم تسمع صوت سكربينتا هيي وعم تمشي على الطريق...". المرأة فيما هي تخلع من رجليها حذاء لآخر، تعلّقه على حبل مع أشياء أخرى من متاع الحياة، تفكّر في أشياء أخرى لم تفهمها بعد. كلمات من قشعريرات الوجود تتحسسها في بدنها: "كانت دايما تخاف تختفي لحد اليوم اللي انضمّت بصورتا لباقي الوجوه المفقودة المعلّقة على الحيطان".
أثناء ذلك نراها تعلّق صورة أحد المفقودين على الحبل في مدينة سكاّنها مفقودون وصورهم معلّقة على حيطانها.
من مشهد إلى آخر تتواصل المرأة مع حالها، تتساءل عن القرار الأفضل، الذهاب أم البقاء: "صار لي فترة عم نبّش على غرض أخير زيدو على غراض بيتي. بهاللحظة حاسة إنو عندي كتير غراض وكتير حكايات من الماضي مكدّسة فوق بعضا ومشربكة".
في مدينة يتطلّع سكانها في اتجاه واحد، تراهم يارا كأنهم في انتظار قصة. من هذه المدينة التي لا إسم لها، وعدت نفسها بأن تحمل منها آخر غرض "مناسبة كي أروي قصّتي".

may.menassa@annahar.com.lb

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني