حكمة - رشّة ملح

7 شباط 2015 | 00:00

منحوتة لصفاء الست.

سعر صرف الديموقراطية
في أواسط القرن السابع قبل الميلاد كان عدد أعضاء الجمعية العمومية (أبيلاّ) في اسبارطة اليونانية يبلغ أحياناً أكثر من 8 آلاف عضو، حيث كانت العضوية حقاً لكل رجل حر تجاوز الثلاثين من عمره، إلا إذا أسقط عنه هذا الحق بالقانون، في وقت لم يتجاوز فيه عدد السكان الأحرار 40 ألفاً، أي أن نسبة مجموع أعضاء جمعية الشعب إلى مجموع عدد السكان الأحرار كانت تبلغ 20 في المئة، وأن كل عضو فيها كان يمثل خمسة أفراد فقط.
الشاطر يحسبها على سعر صرف الديموقراطية في القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد. وكلٌّ في بلده.
* * *
كانت الأبيلا قد قامت على دستورٍ وضعه المشرّع الإسبارطي ليقورغ وانبثق على أساسه نظامٌ ملكي ثنائي يقود البلاد بموجبه ملكان تختارهما من بين أبنائها القبيلتان الكبريان في اسبارطة، ويخضع الملكان فيه لمراقبة مجلس شيوخ تشريعي (غيروسيا) مؤلف من 28 عضواً من المواطنين الأحرار ممن تجاوزت اعمارهم ستين عاماً، تنتخبهم "أبيلاّ" لمدى الحياة، كما تنتخب مجلسأ من خمسة أفراد (إيفوريا) يقوم بمهام الحكومة لمدة عام، ولا تصبح القوانين التي يشرّعها مجلس الشيوخ نافذة المفعول من دون مصادقة "أبيلاّ" التي كانت تنعقد شهرياً وتُعتبر مصدر السلطات وصاحبة السيادة. عندما أجرى ليقورغ في ما بعد تعديلاً على الدستور أعطى بموجبه مجلس الشيوخ حق تغيير قرار الجمعية إذا رأى أنها اتخذت قراراً "معوجّاً"، طالبه احد المفكرين بأن ينشئ دولة ديموقراطية، فردّ عليه ليقورغ بالقول: "إبدأ أيها الصديق بإنشائها في أسرتك".
يبدو أن الرجلين، لا يعتبران أن الدساتير وما يصاحبها من آليات، كافيةٌ لخلق الديموقراطية.
* * *
على كل حال، كان ذلك في اسبارطة ذات المجتمع العنيف الحربي المتقشف، وقبل أن تسود قبائل أثينا فتبلغ الديموقراطية لدى الإغريق عصرها الذهبي في زمن بيركليس (500-429 ق.م) بعد تغييرات وإصلاحات على مدى 150 عاماً (لم تكن تخلو من صراعات) كان أبرزها الإصلاحات السياسية والإقتصادية التي قام بها سولون في 594 ق.م ومن بعده كلايسثينيس في 508 ق.م حيث ارتقت المشاركة الشعبية - في صنع القرار وليس في صنع السلطة- إلى مستوى لم تصل إليه أي ديموقراطية أخرى حتى الآن، كما يؤكد البروفسور الألماني هانز فورلَيندر، أستاذ كرسي تاريخ الفكر والنظريات السياسية في جامعة دريسدن.
هنا، أرجو أن لا تتعبوا أنفسكم في الحساب، لأن ديموقراطية أثينا في عصرها الذهبي لا تخضع لأسعار الصرف الحالية.
* * *

جدارتنا بالحص
لا شك أن الرئيس سليم الحص جديرٌ بالحياة في أبهى تجلياتها، وهو قامة لبنانية عربية شامخة ومتجذرة كأشجار الأرز، يتألق بالعفة والنزاهة كما تتألق هي بالخضرة الدائمة. ولا شك أنه صنع موقعه القيادي، في الفكر كما في السياسة والإقتصاد، بجهده ومن دون أن يرثه من أحد، كما عفّ أن يورِّث. ولا شك أنه وطني لا يستطيع أحد أن يجادل في لبنانيته المتصلة بالعروبة والديموقراطية والتحديث. ولا شك أنه رجل دولة من الطراز الأول وقمة في التواضع والإقتدار والتفاني الذي يصنع الحياة. ولا شك ولا شك ولا شك... لكن ما أشك فيه، هو جدارتنا نحنُ، قبائلُ الريح والرمل والهباء، بالحص وأمثاله من النجباء.

لست شارلي
الحرية الفردية، بما فيها حرية التعبير عن الرأي، هي قبل كل شيء مسؤولية، ينبغي أن لا يمارسها إلا العقلاء الذين يعرفون أين تبدأ حريات الآخرين، وهي ليست جسماً سابحاً في فضاءٍ خالٍ من الجاذبية، مثلما هي ليست عصفوراً يربطه ولد شرير بخيطٍ سميك. الإصلاح والتغيير لا يتمّان بالإهانة والشتيمة، بل بالعقل المنفتح والمحاججة الفكرية والإحترام المتبادل الذي لا يصنعه أيضاً الإرهاب وإسالة الدماء. لم نصل إلى الحق المطلق ولا إلى الحقيقة المطلقة بعد، ولن نتوصل. التشريعات التي تنظم حياة المجتمعات البشرية ترسم حدود الحرية الفردية. مهمة العالم في دورته الحضارية الحالية تثبيت التشريعات المتمدنة التي من شأنها توسيع حدود الحرية على قاعدة التعددية والتنوع والعيش المشترك بين الجماعات الدينية والعرقية. إحترام الرموز الدينية يسهل عملية الحوار والمحاججة مع الأتباع ويفتح تالياً طريق الإصلاح. الإهانات تدفع المتطرفين إلى الواجهة، ولا تعبّر إلا عن خواء وتطرف مقابل.
هل يحقّ لي أن أفتح شبّاك بيتي لأشتم جاري وأدعي أنني حرٌّ في بيتي؟ هل يحقّ لجاري أن يقتلني إذا كان لديّ ولدٌ تعوّد على الشتيمة؟ لا.
إذاً، لست "شارلي"، ولست كوّاشي بالطبع، أنا فقط، حرية الرأي المسؤول، لا الحرية التي تستثير الحقد أو تستثير الألم لدى سائر المسلمين أو غيرهم كما استثارته لدى البابا فرنسيس وجعلته ينسى أو يرفض أن يدير خدّه الأيسر، حتى همس بتوجيه لكمة. إحترامي لشخصه وموقعه ومواقفه.

* * *

يا مالِكَ المُلْك
(قال الأمير للشيخ الوافد عليه طلباً للنصرة والحماية:
- "أَبشِر ببلادٍ خيرٍ من بلادكَ، وبالعزّة والمَنَعة".
فردّ الشيخ:
- "وأنا أُبشّرك بالعزّ والتمكين، وهذه كلمة (لا إله إلا الله) مَنْ تمسك بها وعمل على نصرها، ملك بها البلاد والعباد".
وقامت دولةٌ فيها مَلِكٌ ومالك).
من ألف صفحة بريد ألكتروني وصلني من رائف بدوي في 9/1/2015
* * *

نعم تدور...
علق أحد الظرفاء، ولكن المتخومين بالهمّ العربي والإنساني، على استشهادي في مقال سابق بقول غاليليو: "... إنها تدور"، على رغم مأسوية المشهد عندنا، قائلاً:
- نعم، إنها تدور بنا كما تدور بالدجاج المشوي.
- يا لطيف!
* * *

خبز وملح بين الشرق والغرب
في ليلة الميلاد وصلتنا هدايا من صديقتنا السويسرية السيدة كارين لاغر، عبارة عن تمر وزيت زيتون من فلسطين المحتلة، تروّجهما جمعية سويسرية داعمة للمجتمع الفلسطيني تحت الإحتلال. من بين نشاطات الجمعية الاتصال بعائلات سويسرية لتبَنّي تكاليف الدراسة لطلاب فلسطينيين ينحدرون من عائلات فقيرة، وقد قمت شخصياً بترجمة الكثير من رسائل الشكر التي يرسلها الطلاب وأهلهم من الأرض المحتلة، إلى اللغة الألمانية لإيصالها إلى العائلات السويسرية الكفيلة. من خلال معرفتي المتواضعة بأسماء العائلات الفلسطينية وانتماءاتها ومناطق سكناها، وكذلك من خلال مضمون الرسائل ومفرداتها، في استطاعتي أن أجزم وأقسم أنه لم يكن بينهم ولا مسيحي واحد، كلهم مسلمون. أما السيدة لاغر فكانت زارت بنفسها في وقت سابق مخيم عين الحلوة في لبنان مصطحبةً ابنتيها البالغتين من العمر 13 و15 عاماً "لتطّلعا على معاناة الفلسطينيين في المخيمات". أثناء وجودها هناك نظمت على نفقتها الخاصة العديد من الرحلات والنشاطات الترفيهية لمؤسسة بيت أطفال الصمود الفلسطيني وقدمت لهم مجموعة كبيرة من الألعاب وعايشت مع ابنتيها عائلات فلسطينية في المخيم وقضت لياليها في بيوتهم، ولا تزال على تواصل مع المؤسسة، ترفدها بالمساعدات المالية والعينية بين الحين والآخر. عندما عادت إلى بلادها أقامت أمسيةً ارتدت فيها الزي الفلسطيني التراثي وعرضت خلالها فيلماً، كانت صوّرته في لبنان، شارحةً معاناة اللاجئين الفلسطينيين من خلال تفاصيل رحلتها، ثم دعت السويسريين الحاضرين إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية. وقد أُرفق الفيلم بأغانٍ تراثية فلسطينية ولبنانية بمساعدة تقنية من زوجها الذي كان يشرف على إعداد الأمسية وتنظيمها. تحتضن العائلة في بيتها الريفي المكون من ثلاث طبقات مجموعة صغيرة من ذوي الاحتياجات الخاصة، بينهم فتاة فلسطينية من مخيم عين الحلوة، وترعى شؤونهم على نفقة الإتحاد السويسري.
تدأب السيدة لاغر في هذا الوقت على تعلم اللغتين العربية والعبرية كي تذهب في الوقت المناسب للإقامة في فلسطين المحتلة لمواصلة نشاطاتها الداعمة للشعب الفلسطيني.
أما طبيعة العلاقة بيننا كعائلتين؛ أوروبية مسيحية وعربية مسلمة، فهي قائمة على المحبة والإحترام المتبادل، يحترمون عقائدنا وعاداتنا وتقاليدنا بأدق التفاصيل والجزئيات ونحن نقابلهم بالمثل. من دواعي سرور الجميع أن يقضي أطفالنا جزءاً من عطلتهم المدرسية أو عطلة نهاية الأسبوع في مزرعتهم الصغيرة، فيلتقون هناك بأطفال عائلة عربية من لبنان (مسلمون أيضاً وأصدقاء للسيدة لاغر)، يلعبون، يمرحون، يتعلمون العناية بحيوانات المزرعة ويركبون الخيول في نزهات قريبة برفقة السيدة لاغر التي تدرّبهم على الركوب في أوقات خاصة كون ذلك إحدى مهاراتها التخصصية. ولولا خوف الإطالة لامتدت المقالة، لكن ما يجب الإشارة إليه هو وجود الكثير من مثل هذه العلاقات في أوروبا التي تدحض نظرية "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا" وتؤكد أن اللقاء ممكن، على الأقل في الجوانب الاجتماعية والإنسانية إن لم يكن ذلك ممكناً على الصعيد السياسي، وخصوصاً عندما تتوفر فرصة التلاقي والفهم المتبادل على قواعد التنوع والتعددية والانفتاح والاحترام. فليس كل ما يحدث بيننا وبين المجتمع الغربي محصوراً بين "شارلي" وكوّاشي. رحم الله شيخ الصوفية محيي الدين بن عربي حين قال:
أُدين بدينِ الحبِّ أَنّى توجّهَتْ ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيماني.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard