"أن تسير خلف المرآة" لجيهان عمر

26 كانون الثاني 2015 | 00:39

عزيزي نيتشه
إنهم لا يثقون بك

تتجه الشاعرة جيهان عمر إلى محاكاة العميق من الوجدان الإنساني المتوتر البالغ الشفافية والرهافة لدى شروعها في مجموعتها، "أن تسير خلف المرآة"، الصادرة عن دار"العين للنشر" في القاهرة. لعل اختيارها الفيلسوف الألماني الكبير نيتشه رمزاً تتوجه إليه في محاكاتها تلك، يفتح الباب العريض على التأويل، وعلى التعددية التي تحتملها النصوص الشعرية. وقد ذهب الباحثون إلى حد تحريم الفلسفة على الشعر، إذ ان الشعر لا يطيق الفلسفات ولا الحكم، ولا غاياته غاياتها. إلا أن جيهان عمر كانت أكثر من حذرة، وأكثر من عارفة، وأكثر من أنها لا تطيق، كما سيدها الشعر، فمضت حيث الشعرية القصوى في واحد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها إنفتاحاً على التعددية والتأويل في رائعة نيتشه "هكذا تكلم زرادشت". وهي توغل في مضيّها هذا إلى محاكاة نيتشه فيلسوف الدعوة إلى بلوغ القدرات الخارقة في الإنسان، مزدرياً الضعفاء والخانعين والمستسلمين. وما "زارا" سوى ذلك البطل الإنسان الذي أعلن جهاراً أنه غايته المثلى، بعيداً من الغيبي، والمحتجب الكلي القدرات، نابذاً كل ما لا تتم رؤيته القائلة بالقدرة الكامنة في الإنسان، النابعة من ذاتها، والواجدة كل شيء والموجودة من ذاتها وإليها.
في قصيدة "عزيزي نيتشه" تفصح الشاعرة عن إيمان وتواؤم فكري عميقين بالرؤية النيتشوية، لا بل تتّسق معها، وتُعلي من شأنها، كما أنّها تتخذ منها ركيزة أساسية كواحدة من تيمات عملها الذي يجاور الضعف ويسير في محاذاته وأحياناً في لجّته، لكنها لا تمكث فيه حيث تقول: "إنهم لا يثقون بك، يرمونني بكرات الشفقة المؤلمة... لماذا لا يفتتحون صالة كبيرة لألعاب البولينغ، يتسلون في الليل باللعب والغناء؟". هذا التواؤم هو تواؤم تتحدى به الشاعرة المشفقين وتتحدى ذاتها.
ولأن القصائد هنا باعثها ومطلقها الفرح المؤجل، أو الذي كان مأمولاً في الأقل، وعلى صدق مقاصد ما تعني كل كلمة من نقمة وعنف تروّضه سكينة الأنثى الشاعرة، فهي تشد القارئ في إثرها وبقوة. هذا الإنشداد الذي ينبّه في الوقت نفسه إلى ان البوح العالي الحميم ولا سيما الذي لدى النساء الشاعرات منه، قادر على تخطّي وقوع الغالبية العظمى منهن في بُرك التداعي العاطفي الذي لا ينفك يخرج من توقيع ذائب، ينفق كل شيء في إثر الحبيب ليقع في التوقيع الآخر. إلا ان الامر هنا يختلف أسلوباً وتعبيراً.
كأن جيهان عمر تكتب سيرة للحب، الذي اختار لنفسه سيرورة بقائه على شكل غياب كامل خارج على نمطية التسميات والعلاقات العادية التي تشبكها اليوميات والوقائع والحوادث البسيطة من العيش الذي كان، والعيش الذي انقطع، وكان لا يزال في عز فورانه، والعيش المأمول في نفس الشاعرة وكيانها. هو الغياب – الحياة، وهو أيضاً الحياة المؤجلة، لكن المعيشة وسط عوالم لم تنفك عن تناسلها المولع، المشرقط هدوء الشاعرة الكيان الأنثى المكابدة على وجه الخصوص، والإنسان المحكوم بقدرية خارجة عن يدها، عن يده، عن أيدينا، عن أيديهم على نحوٍ عام. إذ الموتى يظلون أحياء بقدر ما نحبهم، ونتذكرهم، ونعيشهم كما تعيش الأشجار الصلبة الباسقة تُرسِل أوكسيجناً، وتمتص الإنبعاثات السامة. قد نموت ويعيش موتانا بالقدر الذي نخلق لهم عوالم وفضاءات تتفكك ثم تلتحم ثم تتحلل، ثم تعود كيمياؤها إلى حيواتها المكثفة المتلونة المغتبطة بمتغيراتها التي لا يمكن لأي منا الإحاطة بها أو القبض عليها: "لا تبحثوا هنا عن قصيدة، فقط أستند بظهري إلى شجرة موتك، أستريح في ظلها، وإذ تفوح رائحة التحلل، لن أخاف، ستزول قريباً، ما إن تهدأ تدريجياً حركة الدود في داخلي".
بعيداً عن تيمات التذكر ومحاكاة الغائب، كما لو انه حاضر بيننا، ثمة تعددية وتناص تفضي إليهما قراءة نصوص جيهان عمر، إفضاء لم يتُق ولم يطمح إلى أبعد من المتعة واللذة في القراءة، كما سمّاها رولان بارت في أطروحته "لذة النص".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard