الفاتنة

24 كانون الثاني 2015 | 00:00

هي "سيدة الشاشة العربية من دون منازع ونجمتها المتألقة"، كما قيل عنها منذ أكثر من خمسة عقود من الزمن، وهي "نجمة القرن" كما قيل عنها عند إعلان وفاتها. بدأت مشوارها الفني طفلةً في نهاية الثلاثينات، وظهرت في سلسلة من الأفلام في الأربعينات، وتوِّجت على عرش الشاشة العربية في الخمسينات، وحافظت على هذا العرش بأمانة حتى رحيلها في السابع عشر من الشهر الجاري.

ولدت فاتن حمامة في 27 أيار 1931 في حي عابدين في القاهرة، وهي في الأوراق الرسمية من مواليد مدينة المنصورة في محافظة الدقهلية. والدها أحمد حمامة، من كبار موظفي وزارة التعليم، والدتها زينب توفيق، وأخوتها ثلاثة: منير الضابط في الشرطة، وليلى الموظفة في البنك الأهلي، ومظهر متخرج في كلية التجارة. انجذبت إلى عالم التمثيل مبكرةً، وحلمت بأن تكون ممثلة يوم اصطحبها والدها وهي طفلة الى سينما "عدن" في المنصورة لمشاهدة أحد أفلام آسيا داغر. تحقق حلمها بسرعة يوم اختارها محمد كريم في العام 1938 لدور "أنيسة" في فيلم "يوم سعيد"، بعدما رأى صورتها وهي ترتدي زيّ الممرضات الأبيض. هكذا بدأت الطفلة فاتن حمامة مشوارها تحت إدارة "شيخ المخرجين" العرب في فيلم لعب فيه دور البطولة نجم مصر الأكبر محمد عبد الوهاب. آمن محمد كريم بموهبة هذه الصبية، وتحدث عنها بإعجاب، ونشرت مجلة "الإثنين" صورتها في نهاية 1939 في مقالة عن الأطفال الذين ظهروا في السينما، وقالت في تعليقها: "هناك طفلة أخرى يقول الأستاذ محمد كريم إنها ستفوز بإعجاب الجماهير كثيراً، وهي فاتن حمامة، التي تمثل دوراً مهماً في فيلم "يوم سعيد" للأستاذ محمد عبد الوهاب، فهذه الطفلة تمتاز بمواهب فذة سعى الأستاذ كريم لاكتشافها وإبرازها، وقد وصفها كريم بقوله إنها جريئة إلى حد لا يتصوّره العقل وإنها مطيعة، وأكد أن لو اهتمّ بها والداها وعلّماها، فإنها ستفوق شيرلي تمبل بكثير".
رفض أحمد حمامة عروضاً سينمائية عدّة تلقّتها ابنته بعدما لمعت في دور "أنيسة" أمام محمد عبد الوهاب، حرصاً على مستقبلها الدراسي، إلى أن أقنعه محمد كريم مجدداً بأن تشارك في فيلم آخر من بطولة عبد الوهاب. هكذا ظهرت فاتن من جديد على الشاشة، ولعبت دور "نجوى" تحت إدارة مكتشفها الأول في فيلم "رصاصة في القلب" في العام 1944. اتّبع أحمد حمامة نصيحة المخرج الكبير، ورعى ابنته الصبية، وقاد خطواتها الأولى في عالم السينما. ظهرت فاتن إلى جوار صباح في فيلم "أول الشهر" العام 1945، وفي العام التالي مثّلت في "الملاك الأبيض" و"ملائكة في جهنم"، وأدارها محمد كريم من جديد في "دنيا" مع راقية ابرهيم، ولمعت في دور "ثريا" مع يوسف وهبي في "ملاك الرحمة"، ولم تلعب دور البطولة في أيٍّ من هذه الأفلام. في موازاة هذا النشاط الكثيف، التحقت فاتن بمعهد التمثيل، لكنها لم تكمل الدراسة لانشغالها بالعمل أمام الكاميرا. بقيت الممثلة الصبية في الصف الثاني، وظهرت في العام 1947 في سلسلة من الأفلام المنسية: أدارها هنري بركات في "الهانم" مع آسيا، وأدارها حسن حلمي في "نور من السماء"، ولمعت من جديد مع يوسف وهبي في "القناع الأحمر"، وبرزت أمام ماري كويني في "كانت ملاكاً" من إخراج عباس كامل، والتقت بالمخرج عز الدين ذو الفقار في "أبو زيد الهلالي". عند انتهاء تصوير هذا الشريط، هربت النجمة الصاعدة والمخرج المخضرم لعقد قرانهما تحت سفح الهرم بعيداً من رقابة والد فاتن، "وسافر الزوجان إلى الاسكندرية، وتركا عنوانهما مع الأستاذ فؤاد الجزايرلي حتى يعطي إليهما إشارة العودة إلى القاهرة أو الانقطاع عن هذا العالم إذا غضب الأب"، كما كتبت يومذاك مجلة "الصباح".

نحو المجد
في 1948، صعدت فاتن من الصف الثاني إلى الصف الأول، ولعبت دور البطولة في فيلم منسي عنوانه "المليونيرة الصغيرة"، وأدارها أحمد سالم في "حياة حائرة"، كما أدارها ابرهيم لاما في "الحلقة المفقودة"، والتقت من جديد مع هنري بركات في "العقاب"، ولمعت في "خلود" حيث لعبت دورَي "ليلى" و"آمال". جمع هذا الفيلم بين فاتن وعز الدين، ولعب المخرج في هذا الفيلم الدور الأول إلى جانب زوجته التي تبدو في سنّ ابنته. في شهر أيار، كتب محرّر "الصباح" في نقد الفيلم: "كان للأستاذ محمد كريم الفضل الأول في اكتشاف فاتن حمامة عندما عهد إليها تمثيل دور أنيسة في فيلم "يوم سعيد"، وأذكر أن الأستاذ كريم تحدث مع كاتب هذه السطور عن نجمة لامعة سيكون لها مستقبل، ولا بد أن تصل إلى كل ما تطمح له فيه من شهرة. وها هي الأيام قد حققت لفاتن حمامة ما قاله عنها الأستاذ محمد كريم، وأصبحت تقوم بعبء البطولة في كثير من الأفلام، وتلاقي في كل فيلم نجاحاً يتضاعف عن نجاحها في الأفلام التي سبقته". تضاعف نجاح فاتن مع "مخرج الروائع" حسن الإمام الذي أدارها في ميلودراما "اليتيمتين" العام 1948. بعدها، ختمت فاتن نشاطها في ذلك العام مع حسين صدقي في "نحو المجد". سارت النجمة الشابة نحو المجد في خطى ثابتة، والتقت مرة أخرى مع يوسف وهبي في "كرسي الاعتراف"، وحصدت النجاح الأكبر مع حسن الإمام في "ظلموني الناس" العام 1950، ثم أدارها المخرج الشاب يوسف شاهين في كوميديا "بابا أمين" البديعة، والتقت للمرة الأولى مع محمود ذو الفقار، شقيق زوجها، في "أخلاق للبيع".
تواصلت الشراكة الفنية بين فاتن وعز الدين، فكان فيلم "أنا الماضي" في العام 1951. احتلت فاتن الواجهة وهي في العشرين من عمرها، وظهرت بطلةً في خمسة عشر فيلما في مدة لا تتجاوز السنتين. حصدت النجاح الجماهيري مع حسن الإمام، ونالت إعجاب النقاد في ثاني أفلام شاهين "ابن النيل". رافق صباح جودت صعود هذه النجمة الاستثنائية، وكتب في وصفها: "لعلّ أبرز دليل على عظمة فاتن، أنك تستطيع أن تضعها وسط فطاحل الفن وأساطينه، كزينب صدقي، وفاطمة رشدي، وأمينة رزق، وأمام حسين رياض، وعباس فارس، وزكي رستم، من دون أن تخشى على نور مصباحها من هذه الزوابع الخليقة بإطفاء أسطع الأضواء. تستطيع أن تطمئن عليها وسط الجبابرة، فإنها قادرة على الوقوف بينهم ثابتة القدم، مرفوعة الرأس. وليس من شك أنها الوحيدة بين جميع ممثلاتنا الشابات، التي تملك أن تضع نفسها في هذا الموضع، من دون خشية ولا وجل". تابعت الصحافة بشغف وحب أخبار النجمة الفنية، كما تابعت أخبار حياتها الشخصية مع زوجها عز الدين ذو الفقار، ورافقت ولادة ابنتهما نادية ونموّها في سنواتها الأولى. في العام 1954، لمع هذا الثنائي في فيلم "موعد مع الحياة"، ومنحت الصحافة بطلته لقب "سيدة الشاشة العربية" الذي لازمها حتى رحيلها. في تلك السنة، أدار يوسف شاهين فاتن، مرة جديدة، في "صراع في الوادي"، ولعب البطولة في هذا الفيلم وجه جديد اكتشفه المخرج وأطلق عليه اسم "عمر الشريف"، وهو ميشال شلهوب. في تلك الفترة، انفصلت فاتن عن عز الدين ذو الفقار، وتزوجت في شباط 1955 من الممثل الناشئ عمر الشريف. تحول هذا الزواج إلى حديث البلد، ونسجت حوله الصحافة العديد من الحكايات، لكن أياً من هذه القصص لم تخدش صورة فاتن. بعد أكثر من عشر سنين، وبعد انفصال الزوجين، كتبت مجلة "الشبكة" في تشرين الأول 1966: "قبل أن تتزوج من عمر، طوّقت فاتن زواجها تطويقاً متشابكاً مع العناصر الفعالة في الصحافة، فزارت جميع رؤساء التحرير المهيمنين على الصحافة المصرية وشرحت لهم حبها بطريقة هي أبرع دور مثلته في حياتها. هذا الدور لم يره الجمهور مع الأسف".

ثروة قومية
بقيت فاتن في القمة في عصر عبد الناصر، وشاركت في كثير من المهرجانات السينمائية في العالم حيث تميزت بشفافيتها ولباقتها وثقافتها العالية. بين 1956 و1966، لعبت سيدة الشاشة دور البطولة في أكثر من عشرين فيلماً يعرفها كلّ محبي السينما المصرية، بعدها تركت مصر واحتجبت عن الشاشة وهي في قمة مجدها وتألقها. تقول الرواية الشائعة إن نجمة مصر الأولى اضطرت للإقامة خارج موطنها هرباً من ضغوط الاستخبارات المصرية التي كانت تطالبها بالمشاركة في عمليات سرية، وقد سعى جمال عبد الناصر إلى إعادتها إلى مصر، ووصفها بأنها "ثروة قومية"، لكنها لم تعد إلى بلادها إلاّ بعد وفاته بعام كامل.
مثّلت فاتن عشرات الأفلام دخل 18 منها ضمن قائمة الأفلام الأفضل في تاريخ السينما المصرية، والغالبية العظمى من هذه الأفلام تعود إلى الحقبة الناصرية، وهي من إنتاج الدولة، وهنا تكمن المفارقة. من ينسى "الطريق المسدود" (1957)، "دعاء الكروان" (1959)، "لا تطفئ الشمس" (1961)، "الباب المفتوح" (1963)، و"الحرام" (1966). بلغت فاتن حمامة القمة في "الحرام" الذي أخرجه هنري بركات عن قصة ليوسف ادريس بالعنوان نفسه. لعبت في هذا الشريط دور فلاحة فقيرة تعمل مع زوجها ضمن عمال التراحيل. يُصاب الزوج بمرض يقعده عن العمل، وتجهد المرأة في الكفاح لتأمين لقمة العيش. يشتهي الرجل المريض البطاطا، فتذهب لتقتلع بضع حبات منها ليلاً. يعتدي عليها شاب من شباب القرية، فتحبل، وتخفي حملها، وعندما تلد، يصرخ المولود، وتخشى هي الفضيحة، فتحاول أن تُسكته، فتقتله من طريق الخطأ، وتعود للعمل وهي منهكة، فتصاب بحمّى النفاس، وتلفظ أنفاسها. رُشِّح الفيلم لنيل السعفة الذهب في مهرجان كانّ، وتم تصنيفه لاحقاً في المركز الخامس ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.
خرجت فاتن في هذه الأفلام من أدوارها النمطية الأولى، وباتت تمثل المرأة المصرية في مختلف وجوهها، حتى صارت صورة لـ"المجتمع المصري بأكمله في القرن العشرين"، كما قيل عند رحيلها. في البدء، اشتهرت النجمة بدور البريئة الغلبانة، لكن هذه الصورة تغيّرت في عهد الثورة، وظهر هذا التحول في سلسلة من الأفلام، أولها "الأستاذة فاطمة"، ثم "صراع في الوادي". بعدها دخلت فاتن في عهد جديد، وباتت سيدة الشاشة باعتراف الخاصة والعامة على السواء. في ذروة تألقها، احتجبت فاتن في أوروبا، واختارت الصمت، وأعادها فريد الأطرش إلى الشرق في "الحب الكبير" الذي صُوّر بأكمله في لبنان العام 1968. تحت عنوان "أهلاً بكِ في لبنان"، كتبت مجلة "الشبكة" يومذاك: "أهلا بكِ ممثلة قادمة لتلعب دور البطولة في فيلم فريد الأطرش. وأهلاً بكِ نجمة من نجوم الشرق الذي تنبثق من أرضه الدرر الثمينة، وأهلاً بكِ سيدة من سيدات المجتمع، ورائدة من رائدات النهضة الفنية. إننا نرحب بكِ أجمل ترحيب، ونتمنى لكِ إقامة طيبة في لبنان، أيتها الفنانة الكبيرة التي لا تملأ فراغها فنانة أخرى. إن قيمتكِ لا تزال في ميزان الفن راجحة. واسمكِ لا يزال في سماء النجوم متألقاً. وفاتن حمامة، بالرغم من غيابها الطويل على الشاشة العربية، لا تزال نموذجاً ومثالاً ومدرسة. فأهلاً بكِ يا فاتن، وفي كل القلوب وسادتكِ".

أرض الأحلام
مهّد "الحب الكبير" لعودة فاتن حمامة، وكانت العودة في خريف 1971. عادت فاتن لتلعب تحت ادارة مخرجها المفضل هنري بركات دور "منى" في "الخيط الرفيع" أمام محمود ياسين، ونجح الفيلم نجاحاً كبيراً، ومعه ازداد بريق فاتن لمعاناً وتوهجاً. من جديد، جمع بركات فاتن ومحمود ياسين في "حبيبتي"، وصُوِّر الفيلم في لبنان، بين "مكتبة أنطوان" وحديقة الصنائع وكورنيش الروشة، على وقع موسيقى تصويرية من توقيع الياس رحباني. حرصت فاتن على انتقاء أدوارها بدقة، وظهرت في "أمبراطورية ميم"، "أريد حلاًّ"، "أفواه وأرانب"، ثم "ولا عزاء للسيدات". واصلت فاتن حمامة هذه المسيرة المميزة في الثمانينات، ولعبت تحت إدارة خيري بشارة في "يوم حلو يوم مرّ"، وفيه ظهرت في دور أرملة فقيرة تناضل لتعيل أولادها الخمسة. في التسعينات، تعاونت سيدة الشاشة مع المخرج داوود السيد، وقدمت معه آخر أفلامها الكبيرة، "أرض الأحلام"، وفيه لعبت دور "نرجس" التي تستعد للهجرة إلى أميركا لتلحق بأولادها، غير أنها تفقد جواز سفرها قبل السفر بساعات، وتجهد في البحث عنه في الأماكن التي ذهبت إليها، وتلتقي خلال هذا البحث بساحر يجوب ملاهي المدينة، وتتعرض لمجموعة من المتاعب في ليل القاهرة، وعندما تعثر على الجواز قبل الرحيل بساعة، تحجم عن السفر، وتقرّر البقاء في بلدها.
على مثال نرجس في "أرض الأحلام"، بقيت فاتن في وطنها، وتابعت بحذر التحولات الأخيرة، والتزمت الصمت طوال فترة حكم محمد مرسي، قبل عودتها من جديد لتشغل المساحة التي تستحقها عندما كرّمها الرئيس الموقت عدلي منصور في احتفالية "عيد الفن" في آذار 2014. بعدها، تحدثت سيدة الشاشة مطوّلاً إلى رئيس تحرير "المصري اليوم" مجدي الجلاد في حوار مصوّر، واستعاد الجمهور العربي معها ذكرى "الزمن الجميل". بعد فترة جيزة، حضرت فاتن حمامة لقاء المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي مع الفنانين. في ذلك اللقاء، لفت توجه السيسي إليها وحدها من بين كل النجوم، وتقدم إليها لتحيتها حيث تجلس، في خطوة تشهد لمكانتها الرفيعة في قلوب جميع المصريين والعرب.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard