رحيل - فاتن حمامة كانت "كلّ النساء"!

19 كانون الثاني 2015 | 00:27

قامة سينمائية كبيرة هوت: فاتن حمامة التي جسّدت تاريخاً مديداً في العطاء الفني. الممثلة الأسطورة لم تعد من عالمنا. صاحبة الوجه اللطيف من الزمن الجميل تغادرنا فجأة بلا وداع. "خلّي الوداع من غير قُبل عشان يكون عندي أمل"، كان يغني محمد عبد الوهاب، عبقري الموسيقى الذي ظهرت فاتن الى جانبه في أول اطلالة لها على الشاشة ("يوم سعيد"، 1940).

رحيلها ليس رحيلاً عادياً. انها صفحة تُطوى. صفحة من تاريخ مصر، من سينماها، ومن جمهورها الشغوف بسيدته المدللة منذ منتصف القرن الماضي. بمجرد أن نذكر القرن الماضي، تحضر الى ذاكرتنا المنكوبة والمملوءة بألف صورة وصورة من واقعنا العنيف عشرات الاطلالات المثيرة التي كانت لحمامة منذ تربعها على عرش السينما في مصر، ايام كان الفنّ يعني شيئاً آخر. لقّبوها بـ"سيدة الشاشة العربية" مع أنها لم تكن يوماً بحاجة الى أكثر من اسمها ووجهها كي "تبرق بريقاً يأخذ بالقلوب والألباب، حتى يُخيّل إليّ أنها لا تستطيع السقوط"، كما كتب عنها مرةً صالح جودت.
مع رحيل فاتن حمامة يوم السبت الماضي عن 83 عاماً إثر سكتة قلبية، يُطوى الى الأبد تاريخٌ كامل كان لا يزال يلقي بظلاله على أرض الكنانة. نتكلم عن تلك السنوات المجيدة التي صارت في الباحة الخلفية لذاكرتنا، بعيدة جداً وقريبة تماماً، على غرار "السيدة"، التي جعلتنا ننسى على مر الزمن متى رأيناها في المرة الأخيرة، وكيف وأين، على الرغم من حضورها القوي في وجدان السينما المصرية. آه، قد يكون اللقاء الأخير بها، افتراضياً، جرى عبر ذلك الفيديو الذي انتشر على الانترنت، حيث نرى عبد الفتاح السيسي يقطع خطابه وينزل من منصته ليلقي التحية على الممثلة الراحلة، في نوع من موقف سياسي يقول إن الفنّ المصري الجميل هو هذه، ولا شيء غير هذه! "فاتن حمامة أرقى صورة عن الفنّ المصري، موقظةُ أخطر شعورين في المُشاهد: الإعجاب والذنب"، كتب عنها أنسي الحاج في أحد مقالاته.
فاتن حمامة دخلت اليوم الذاكرة السينيفيلية، وهي معبد الصور وكهفها. إلاّ أنها لا تزال حيّة في قلوب الكثيرين ممن رافقوا مسيرتها التي بدأت في أربعينات القرن الماضي. لا شك في أن السينما المصرية تذرف برحيلها دمعة لم تذرفها الاّ في لحظات قليلة، يوم ودّعت سعاد حسني أو أحمد ذكي. ففاتن حمامة ذات التاريخ الناصع في الحياة والفنّ كانت محل تقدير الغالبية واحترامها. كانت الأرفع شأناً في الوسط السينمائي المصري، والأعلى أجراً حتى تاريخ ابتعادها عن الشاشات، والممثلة الأكثر موهبة على امتداد سنوات.
صحيح أن فاتن حمامة غابت وستغيب الى الأبد، لكن عشرات الأفلام التي شهدت ولادة موهبة استثنائية في التمثيل لن تخبو البتة، وستكون مادة لقراءات جديدة ومعاينات مستمرة، وخصوصاً من الجيل الجديد الذي يجهل فنها ولا يعرفها كما يجب. مثّلت في مئة فيلم، أقلّ بقليل، وضمّت الى سجلّها اسماء معظم الذين صنعوا العصر الذهبي للسينما المصرية، من يوسف شاهين الى صلاح أبو سيف مروراً بخيري بشارة وداود عبد السيد وسعيد مرزوق. لكن عملها في إدارة المخرج المصري اللبناني الأصل هنري بركات أعطاها الرصيد والزخم والصدقية. عن ممثلته الحبيبة، قال بركات في إحدى المرات: "وجه فاتن هو الشعر، هو الموسيقى، لا مثيل له، ولا بديل منه للتعبير عن معانٍ أبغيها". الأفلام التي انجزها بركات مع فاتن هي أيضاً أفضل أفلامه، علماً أنه قدّم سبعة وثمانين فيلماً في نصف قرن: "دعاء الكروان"، "الحرام"، "الخيط الرفيع"، "حبيبتي"، "أفواه وأرانب"، "لا عزاء للسيدات" "شيء في حياتي" و"ليلة القبض على فاطمة"...
في مقابلة مع "النهار" أجرتها زميلتنا مي منسى، قالت فاتن حمامة: "في كل دور أدّيته امرأة أعرفها، ولا أعني أني أعرفها شخصياً، بل أعني أنها قريبة مني، أحس بوجودها فيَّ. من الأدوار التي خلفت فيَّ أثراً كبيراً فيلم "الحرام" الذي مثّلته عام 1965 وعُرض في مهرجان كانّ، والرواية تدور حول طبقة من الفلاحين تحكم طبقة أقلّ منها. المرأة هنا هي الرمز الذي جمع بين الطبقتين". حين مرضت، الجميع كان من حولها: "في الشدة يلتقي الناس بعضهم مع البعض"، "عزيزة دور أحببتُه لرسالته الانسانية الموفقة بين الناس". أمّا عن دورها في رائعة "دعاء الكروان"، ثاني أفلامها المهمة مع بركات، فقالت في المقابلة نفسها: "المحور الأساسي في "دعاء الكروان" لم يقم على الفوارق بين سيد وخادمة، بل هي البدوية تتساءل أيهما أقوى الحب أم الانتقام لتبلغ ذاك اليقين أن الحب ينتصر لا محالة. العبرة ليست مني، إنها من الدكتور طه حسين. هذه الستينات والرؤية المختلفة".
هذه الابنة لأستاذ رياضيات من المنصورة اكتشفت السينما في سنّ مبكرة. في الرابعة من العمر، كانت تقف أمام المرآة لتمثّل. في السادسة، اكتشفت آسيا داغر على الشاشة، فتكرست عندها رغبة عميقة في التمثيل. منذ ذلك الحين ظلت تردد أن التمثيل قدرها. أرهقتها السينما لكنها استجابت هذا القدر لأنه قدرها: "أحببته وأخلصت له فأحبّني. فما أجمل من التحضير للدور والدوران من حوله مرات ومرات لتثبيت طبعه ومزاجه حتى المخاض، فالولادة".
الكلّ كان يرى فيها مشروع ممثلة، أولهم والدها! أما والدتها، فكانت لا تفوّت مناسبة لإشراكها في مسابقات جمال للأطفال. ذات مرة، وصلت صورة لفاتن حمامة دامعة العينين الى يد محمد كريم، فأعجب بها. يروي كريم: "من النظرة الأولى قررتُ صلاحيتها للدور بنسبة 50 في المئة. ومن النظرة الأولى أيضا أعجبت بالطفلة وجلست أتحدث معها ساعات، فأيقنت أنها لا تصلح للدور بنسبة 100 في المئة فحسب، بل أنها أكبر من الدور الذي رشحتها له (...)".
اضطلعت بنحو عشرة أفلام وهي لا تزال قاصراً. رافقها الجمهور في كل مراحل نموّها ونضجها، وشاهدها وهي تكبر أمامه، حيناً في "كانت ملاكاً" في العام 1947 الى جانب ماري كويني، وحيناً في "أبو زيد الهلالي" الذي أخرجه عز الدين ذو الفقار، المخرج الذي اقترنت به بلا بركة الأهل، وكان يكبرها بـ12 عاماً.
يُروى أنها يوم رأت المشاهدين يصفقون لآسيا داغر شعرت بأنها هي المعنية بهذا التصفيق. فهي بدأت طفلة في "يوم سعيد" لمحمد كريم، ووقفت الى جانب محمد عبد الوهاب في "رصاصة في القلب"، وكانت مؤهلة لتصبح "شرلي تامبل العرب". بعد أفلام عدة، وكانت لا تزال فتاة قاصراً، التحقت بالمعهد العالي للتمثيل. لفت تمثيلها يوسف وهبي، فأسند اليها دور ابنته في "ملاك الرحمة"، تألقت فيه وهي لا تزال في الخامسة عشرة، وعاودت الكرة مرةً أخرى معه في "كرسي الاعتراف". اشتغلت مع صلاح أبو سيف في "لك يومٌ يا ظالم"، وهو من الأفلام التي أسست للتيار الواقعي في السينما المصرية. في العام 1950، شاركت في باكورة مخرج شاب اسمه يوسف شاهين "بابا أمين"، والتقته بعدها بأربع سنوات عندما أنجز المعلّم الراحل فيلمه الشهير "صراعٌ في الوادي". نالت العديد من الجوائز، وشاركت في مهرجان كانّ أكثر من مرة. عن إحدى مشاركاتها، تتذكر: "اليوم الذي تلا عرض فيلم "ابن النيل" لشاهين، خرجت الصحف تتحدث طويلاً عن الفيلم، وأسعدني أن تتحدث الصحف عن بلادنا وعن صناعة السينما عندنا حديثاً طويلاً طيباً. ولم يعد يهمني أن ينال الفيلم بعد ذلك جائزة أم لا".
بعد طلاقها من عز الدين ذو الفقار في العام 1954، تزوجت فاتن من عمر الشريف. التقيا أثناء تصوير "صراع في الوادي" لشاهين. تتمة الحكاية معروفة جداً. حمامة التي كانت ترفض التقبيل، قبّلت عمر الشريف في هذا الفيلم ووقعت في غرامه، وعاشت حلماً لم تُرد له أن ينتهي! ومع ذلك، انتهى في العام 1974 بطلاق جديد. في مقابلة مع عمر الشريف في مجلة "باري ماتش" الفرنسية، قال: "منذ انفصالي عن فاتن حمامة لم أعش مع امرأة حتى لأسبوع واحد. لم أحبّ سوى مرة واحدة في حياتي. ليس لأني لم أكن مهيّأ للوقوع في الحب ثانية، بل لأن ذلك لم يحصل. تزوجت في عمر الحادية والعشرين، وبقيت مع زوجتي أربعة عشر عاماً. كنت في عمر شاب جداً. طلّقتُ لأني غدوتُ مشهوراً وكنت أعيش في الخارج وألتقي نساء رائعات. علمتُ أني سأتألم إن لم أستسلم للإغواء. فكرتُ أنه من الأفضل أن أترك زوجتي في ذاك الحين طالما انها كانت لا تزال شابة ويسعها اعادة بناء حياتها".
مرت مسيرة فاتن حمامة بمراحل مختلفة، صعوداً وهبوطاً. ولم تبقَ على حالها في كل مراحل نضجها وتطورها. تقول: "بعد أن تكون أفلام الحب والعشق أدت خدمتها في قدر الممثل، لا بد أن يتحول في أفلامه الى مصلح اجتماعي. لذا، بدءاً من الستينات، باتت لي رؤية مختلفة على الأدوار المعطاة لي، ومنها "الخيط الرفيع"، "أمبراطورية ميم"، "أريد حلاً"، و"ليلة القبض على فاطمة" وسواها، وكلها أفلام أعتزّ بها من غير أن أنسى ما حملته اليَّ عشرات الادوار الاخرى من 1940 الى 1993 مع فيلم "أرض الأحلام" من مسؤولية وفرح وعزاء". الأدوار التي كانت تؤديها باقتناع راسخ؟ "أيّ امرأة عادية، فاطمة، عليّة، نساء من حولنا، من قدرنا، من مجتمعنا. ذاك ما جعلني أرفض الأدوار من الخارج، فما شأني بجانيت وسوزان وكوليت و...؟ أفهم حياة عزيزة وفاطمة وحمدية. نساء أستطيع أن أمثلهن وأخدمهن".
في العام 1993، أي قبل أكثر من عقدين، اختتمت فاتن حمامة مسيرتها بفيلم داود عبد السيد "أرض الأحلام". قصة نرجس التي تضيّع جوازها قبل ساعات قليلة من سفرها الى أميركا للالتحاق بأولادها. من أهم الأفلام التي مثلت فيها أيضاً: "يومٌ حلو يومٌ مرّ" لخيري بشارة، "أريد حلاً" لسعيد مرزوق، "أمبرطورية ميم" لحسين كمال و"سيدة القصر" لكمال الشيخ. فاتن حمامة نوّعت كثيراً في أدوارها وخياراتها، وانتقلت من الطفلة المدهشة والفتاة الغلبانة الى الصبية الناعمة فالأم المناضلة. بيد أنها أطلت دائماً بصورة المرأة المصرية المتحضرة المواكبة للعصر، وساهمت عبرها في تشكيل ذائقة المصريين.
"الدرب التي قطعتُها مدى ستة عقود ونيف لم تكن ورقة في الريح"، تقول الممثلة التي دخلت قلوب الملايين بلا استئذان. "مع تقدم الاختبار وتطور الأدوار صرتُ على بيّنة من الشخصيات التي في إمكانها أن تؤدي خدمة للجمهور. صرت أتلهف اليها وأفصّل شخصيتي على قياسها لعطاء أعمق. اجتهدتُ لكسر الأنماط السائدة كي يكون الدور متواصلاً مع الحياة التي نعيشها بهمومها وخيباتها ومطالبها".

hauvick.habechian@annahar.com.lb

قالوا عنها

أحمد ذكي والرغبة الهاربة

"فاتن حمامة من أعزّ الناس إلى قلبي من الناحيتين الانسانية والفنية. لسيدة الشاشة العربية الكثير في نفسي. أتمنى العمل معها. التقينا مراراً، لكن بحكم الفارق في السنّ نبحث عن العمل الذي يجمعنا، ونحن في صدد ذلك".

داود عبد السيد و"أرض الأحلام"

"دافعي لـ"أرض الأحلام" كان انجاز فيلم لفاتن حمامة. العمل معها يعني التعامل مع جزء من تاريخ السينما المصرية. أشعرني ذلك بشرف ما. كنّا اتفقنا على مشروع معاً وحاولتُ أن أعثر لها على موضوع يلائمها، وفي ذلك صعوبة سواء لطبيعة السنّ والشخصية أو لذوقها وقبولها بالموضوع. الى أن عثرت على الفكرة وأعجبتها وبدأنا العمل على السيناريو مع كاتبه هاني فوزي، وهو أول عمل يكتبه للسينما. وتغيّر الموضوع كثيراً بين أول نسخة قرأتها السيدة فاتن والسيناريو الذي تم تصويره. صحيح أني كنت أبغي فيلماً لفاتن حمامة، إنما لي أيضاً، أن تظهر فيه شخصيتي. ولو كنت أكثر حرية في هذا الفيلم لجعلتُ منه شيئاً آخر مختلفاً قليلاً. لكن فاتن حمامة نجمة وكان يهمّني أن أصل معها دائماً الى حل وسط ونصنع الفيلم الذي يرضي كلينا".

محمد خان واللقاء الأول

"أول مرة التقيتُ فاتن حمامة كان ذلك في أحد فنادق تونس أثناء مهرجان قرطاج السينمائي حيث عُرض "يومٌ حلو يومٌ مرّ" لخيري بشاره الذي قدّمني اليها وتجرأتُ وقلتُ لها إنه لو حالفني حظ العمل معها فأريدها في دور قاتلة. فكان ردّها السريع الذكي "طالما هناك أسباب...". بعد سنوات عدة، بحثت عن رقم تلفوني، لتتصل بي وتهنئني على فيلم "أيام السادات". رحلت عن دنيانا لكن أفلامها باقية".
محمد كريم واكتشاف طفلة:
"لقد كان نبوغها منقطع النظير، وكانت إلى جانب ذلك عملاقة في طاقتها البشرية التي فاقت الحدود. كانت تعمل من السادسة مساءً إلى السادسة صباحا من دون أن يبدو عليها التعب".

حسن داوود والوجه الملائكي

"فاتن حمامة الأكثر بقاء هي في عمر الأوج ذاك، بذلك الوجه الملائكي الخالي من أيّ شائبة مهما ضؤلت. الوجه ذو الجمال المحض، والمنزّه حيث لا يعمد أحد من معجبيه إلى اشتهائه أو جعله موضوعاً لعبث تخيلاته (...) فقط الملكات يتاح لهنّ هذا القدر من الوجود في حياة الناس".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard