يسوع

25 كانون الأول 2014 | 00:00

من نحتفل بعيد ميلاده اليوم كان طفلاً مثل أطفال هذا الزمن، يحب اللعب والمرح، إلا انه ما كان يحمل هاتفاً جوالاً، وما كان قد ذاق طعم الشوكولا، ولا تلقىّ هدايا إلا يوم ولد لمّا جاء مجوس ثلاثة من بلاد فارس حاملين له ذهباً ولباناً ومرّاً، وتحذيراً لأهله أن يذهبوا به بعيداً من غضب حاكم يريد به سوءاً، فحملته أمه ويوسف النجار الى مصر. وحين عاد صبياً صغيراً فاجأ الجميع بمعرفة عميقة لأشياء كثيرة، كأنه يتذكرها، فما كان يحتاج الى معلم أو كتاب.

وكان يلعب مع رفاقه بعد أن يساعد والده في دكان للنجارة. وذات يوم سأله صديق: أتصنع أبواباً؟ أساعد والدي، وأنا أحب الأبواب المفتوحة ليدخل النور. فقالت بنت صغيرة: وفي الليل لمّا ينزل الظلام، نقفل الأبواب حتى لا يتسلل الى الداخل. لا تخافي الظلام، قال يسوع، انه وجه النور الآخر، وما فهم رفاقه ماذا قال.
وفي أحد الأيام الدافئة جاء يحمل قطعاً من خشب رائحته طيبة... تعالوا نبني بيتاً من خشب، قال. وأخذ الصغار يضعون قطعاً فوق قطع، وكان بيت سقفه من أغصان زيتون فلسطين، وله باب واسع دخلت منه الشمس فأضاءته. وفرحوا وسألوه: من علمّك أن تبني بيتاً جميلاً كهذا؟ أجاب: أما بنيناه معاً؟ فأنتم مثلي تعرفون، إلا أنكم نسيتم... حاولوا أن تتذكروا، فكل ما أعرف تعرفون. ووقفت البنت الصغيرة مسرعة قائلة: تذكرت طلبت أمي أن أشتري لها بصلاً، وركضت الى السوق...
وفي البساتين، تحت أخضر الأغصان، وفوق أخضر حامل عطر زنابق الحقول وفرح الفراشات حكى لرفاقه عن الاخوة التي تجمع الإنسان بكل المخلوقات وعن الشمس التي تهدي الحياة الى أخضر النبات فينقلها الى الكائنات في شركة اختبار جميل وبسيط فوق كوكب يضم الجميع بحب.
وكما كل الصغار كبر يسوع وصار رجلاً حكيماً، معلماً، وله تلامذة يتبعونه ويستمعون الى كل ما يقول، تارة يفهمون وطوراً يتساءلون. ومن علاقته معهم ومع كل من عاصره في هذه البقعة من الأرض استفاقت الفنون الجميلة على مر التاريخ، وظهرت المخطوطات التي أرّخت مراحل حياته ودوّنت تعاليمه، الى أيقونات رائعة رسمت علاقته بأمه وبتفاصيل مؤثرة من حياته الغنية. وكانت التراتيل البيزنطية والغربية والموسيقى الكلاسيكية التي حكت نغماتها صدى مروره فوق كوكب الأرض، كذلك خشبات المسارح وشاشات السينما، فكان مصدر إلهام في كل العصور لكل الفنون التي ساهمت في تطور الوعي البشري... إلا انه كان يعرف أن الدرب طويل طويل.
... ولما ركضت تلك الصغيرة لتشتري بصلاً لأمها ، ضحك يسوع كثيراً وشعر بحب كبير لرفاقه عارفاً ان آلاف سنين ستمر قبل أن يبلغ البشر معرفة جوهر كياناتهم فيتذكرون. وعلى رغم هذا استمر في المغامرة وقال لرفاقه الصغار: لنلتقِ غداً عند الشاطىء لنبني قصوراً من رمال. وعلت أصواتهم فرحاً وتفرقوا.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard