"أحمر بالخط العريض": بئس الأحقاد والعُمر غفلة

24 كانون الأول 2014 | 01:10

يعزّ على فاقد حبيبٍ مُشاهدة دمعٍ فاضت به المُقل لحظة ضمِّ مُشتاقٍ بعد فراق. يحلّ الميلاد مناسبةً لاسترجاع حميميةٍ مفقودة، ولا يكتمل بغير الجَمع. ندري أنّ الوحدة مرعبة، وفي زمن العيد يشتدّ الشوق. ما اعتدنا انتظاره ليلة رأس السنة تحقق الأربعاء.

أراد "أحمر بالخط العريض" ("أل بي سي آي") أن يبعث فرحاً في نفوس مقهورة. الواقع أنّ ما جرى تعدّى كونه التفريح، إذ اخترق ماضي أفراد عاجزين عن النسيان ولمَّ الشمل بعد شبه استحالة. أبعد من مساعي البرنامج الى إنجاح حلقة استثنائية سُميت "من العمر"، طفت حاجة الى إعلاء الإنسانية فيما يسود البغض، واسترجاع قيمٍ أصبح سهلاً الدوس عليها. آن لجليد النفوس أن يُكسَر، إذ مرّت سنوات على تفاقم طبقاته في الأعماق. يمكن الإنسان الصفح على رغم القلب المُدمَّر، فالحلقة أرخت، الى التأثّر الصادق، عِبرة ودافعاً للتفكُّر. الحياة قصيرة، ولا نفع يُرتجى من دوام العداوة، ومطاردة الآخرين بالسخط واللوم وتنصيب الذات أهلاً للمقاضاة واسترجاع الحق.
بئس الحرب في كلّ الأزمان، كم نخرت قلوباً وعوّدت وجوهاً على الحزن. سيكون مؤلماً أن تُستعاد الجراح وتُنكَأ أمام عيونٍ، بعضها يلوم وبعضها يعاقب وبعضها يكتفي بالدمع. أرادت الحلقة للمواجهة أن تكون بحجم تراكمات العُمر. مالك مكتبي أمام أشخاصٍ يختزلون الكائنات الملوَّعة بالانتظار. العم انطونيوس، ككثرٍ تحلّ عليهم الأعياد وسط وحدة قاتلة، قال لمكتبي إنّ القلب احترق، ولا أمل بلقاء بناته بعد فراق. تجاعيد الوجه كأنها الجراح التوّاقة الى حنان. غلّبت الروح الجميلة محاولة السؤال الملحّ تعكير الأجواء. اللحظات الشبيهة بالمطر بعد عطش التراب ليست لأسئلة تتعلّق بالجاني والضحية. لا بدّ من أن رحلة مريم من المكسيك الى لبنان فتّحت الأعماق على صورٍ مُرّة. بان جهدٌ أثمر جمع الأب ببناته، ولاحت قسوة خلّفتها المسافة والتضرُّج بالجفاء. كأنّ البُعد فكك الأوصار، وحدثت محاولات شبيهة بما يُفتَعل من أجل إسعاد الآخر.
لا مفاضلة ما بين المصائب، فكلّ صاحب قهرٍ مهدود الحال. إنما شمس الدين رمضان جبّارٌ بما تحمّل ولقّن ابنه فادي، من غير قصد، الآلام. لم تُبقِ الحرب فرحاً في زاوية. وجد فادي نفسه في المكان البعيد من غير عائلة ووطن. صودف أنّ الأم مسيحية والأب مسلم والتقاتل لا يرحم. أرادت الحلقة أن تُعالج الجرح بالكي. من شأن الوصف، مهما تفوّق في البلاغة، أن يخرّ عاجزاً أمام بعض اللحظات. بدت شهقات الأم مدهشة، كأنّها من هزائم الرثاء لا روائع اللقاء. كيف تُلام وهي المكوَّنة من غريزة يسمّونها الأمومة، صوّرت لها خلاص ابنها بإبعاده كلياً من هذه البلاد؟ أروع ما في الحلقة لحظات صافية تُرجئ العتاب، وترفع جلسات المحاكمة الى موعدٍ آخر. لماذا يا ماما؟ لماذا يا بابا؟ لماذا يا وطن الأموات؟ لا لشيء، بل لأنّ الأم رفضت موت ابنها برصاصة طائشة، فهجّرته الى أقاصي الأرض، ليعود باحثاً عن أصلٍ وفصل. ولأن الأب ظلّ مُنتظراً، حتى إن حلّ اللقاء ركع يستسمحه ويرجوه ألا يرى على وجهه أشباح الدمع. ليت الكيّ بلغ منتهاه وحدثت مواجهة الزوجين معاً. نتفهّم وجعاً أقوى من أنانية بهذا الحجم.
الحلقة من أجل بقايا أملٍ نبحث عنه. أوجاع المعذَّبين إذ تغدو أوجاعنا، تفوُّق فريق العمل ومتعة التعب.

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard