"هيدا بيتك": حكاية حياة ومأساة وأمل

24 كانون الأول 2014 | 00:34

لم تكن حياة الشاب بشير سمعان سهلة، ولا حياة شقيقه مارك أفضل حالاً. لو أراد مخرج هوليوودي تصوير قصتهما، لخرجنا من صالات الشاشات العملاقة ساخرين من مبالغة في التعقيد.

بعد عيد ميلاده الخامس عشر، فقد بشير والدته التي نهش جسدها السرطان. لم تفارق الابتسامة وجه بشير الشقي، المؤمن، المحبّ. أحب أصدقاءه ومحيطه وشقيقه، ومادّة الرياضيات أيضاً حتى صار أستاذاً فيها، أصغر أستاذ في "مدرسة القلبين الأقدسين – السيوفي".
ولكن في سنواته الجامعية الأولى أصيب والده بنوبة قلبية أودت به، فانتقل بشير وشقيقه مارك الى جعيتا، حيث عاشا مع خالتهما وجدتهما. رغم تلك المأساة، لم يفقدا إيمانهما بحياة جميلة سعيدة.
تلك الأيام كان بشير يدعو رفاقه الى منزل خالته لتناول عشاء أو تمضية سهرة معاً. وكلّما سأله صديق "فيّي إشرب؟ فيّي علّي الصوت؟" يرد بشير بضحكة: "ولو؟! هيدا بيتك". وبالتزامن مع درسه الرياضيات بدأ بشير التدريس ليؤمّن الحاجات اليومية لشقيقه الأصغر. بعد الليسانس تابع دراسة الماجيستير وحقّق أحد أحلامه: شهادة درسات عليا من فرنسا. ولم يكن ذلك كلّ شيء.
12 آب 2014، اجتمع بشير بأصدقائه ليحتفل بعيد ميلاده في جعيتا. حضّروا اللحمة والتبولة، التقطوا لهم صوراً، وتذكّروا أجمل لحظات حياتهم أيام المدرسة. كان بشير يردد: "هيدا بيتك". ولم يكن ذلك كل شيء.
اليوم التالي، استيقظ بشير وراسل أصدقاءه، شكرهم على حضورهم، وجدد صوره الفايسبوكية وقبل أن يغادر المنزل، حدّق في جدته العجوز، قبّلها وودعها.
بعد ساعات: جنون ومأساة ودموع وذكريات سوداء. فاجعة. غرفة التحكم المروري و"إليازا" تنشران عبر "تويتر" صوراً لسيارة محطمة في البترون. كومة حديد لا تشبه سيارة في أي حال. الاتصالات الى هاتفه من كل مكان علّها تحمل خبراً مطمئناً. ولكن لا شيء! "راح بشير". الجدة المصدومة لم يتحمل قلبها فراقه فلحقته بعد أقل من ساعتين. يتطلع مارك الى خالته بحزن لا يوصف. صارا وحيدين. قد تمّ كل شيء.
في المأتم، كان الشقيق مارك يردد: "هيدا بيتك"، وسط ورود بيضاء، ودموع لوّنها ألم الفراق. "هيدا بيتك" صار اسم الجمعية التي قرر أصدقاء بشير إطلاقها. ليست جمعية للسلامة المرورية، فالجمعيات المماثلة كثيرة، ولا يمكن حد حياة بشير بحادث لا يشبهه. همّ بشير الأساسي كان التعليم، لذلك وضعت الجمعية لها هدف تأمين الدعم المادي لكل ولد غير قادر على متابعة دراسته لضيق ذات اليد. هكذا كانت البداية، وانطلق العمل كتجمع صغير، بلا تعقيدات ولا تردد.
"هيدا بيتك" تتعاون قدر المستطاع مع المساعدات الاجتماعية في المدارس. تقوم بما هو واجب على الدولة ربما، وواجب المؤسسات الروحية والتعليمية والرهبانيات الغنية أيضاً. لكن أليست هذه حالنا في لبنان؟ مبادرات فردية تملأ فراغ الكبار. مبادرات شفافة، تحيي من أحببنا وتعطي أملاً في غد أفضل.
معاملات العلم والخبر جارية، والمشاريع كبيرة. و"مؤسسة الكشاف" في مدرسة السيوفي تدعم "هيدا بيتك" الى حد كبير. بشير أحب هذه المؤسسة التي أمضى فيها أكثر من عشر سنوات. سيرة حياة بشير المؤثّرة، المحزنة، تبعث على التأمل، ولكن على الأمل أيضاً. وسيرة مارك الجبّار وخالته الوحيدة وتعاملهما مع جنون الحياة القاسية تكاد تعصى على التصديق. سيرتان تدفعان بكل من عرف بشير في حياته وموته، داعماً للجمعية.
قبل عيد الميلاد بدأ عمل "هيدا بيتك" بأسلوب شبابي لافت وروح جامعة نفتقدها في مجتمعنا. حلم بشير الأكبر سيتحقق حين يرى من حيث هو الآن، ولداً يكمل دراسته، وآخر يتسلم منحة لتفوّقه في مادة الرياضيات، بفضل حلم بشير وقصة حياته.
أصدقاء بشير سألوا: "لماذا يا الله؟" فأجابهم: "هيدا بيتك"!.

صفحة "هيدا بيتك":
https: www.facebook.com/haydabaytak

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard