مجتمعنا - في لحظة انخطاف عابرة انتفضتُ على "فايسبوك" فإذا بي أكتشف الحياة!

18 كانون الأول 2014 | 00:00

إنتفضتُ على نفسي، في ذلك النهار الصيفيّ الطويل، وقلتُ على مسمع من بعض الأصدقاء وأفراد العائلة، "كفى! يجب أن تتوقّف هذه المهزلة المُستمرّة منذ أكثر من 7 أعوام. ولا بدّ لها من أن تتوقّف في لحظة الانخطاف العابرة هذه، لاسيما انني إستعدتُ رُشدي بعدما أفقدني حُب الظهور صوابي وجعلني أترنّح على صدى الجرصة والفضائح!".

كنتُ، وبفضل الساعات الطويلة التي جرت العادة أن أمضيها على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك"، أتقنتُ فنّ "تسويق يوميّاتي" دقيقة بعد أخرى، حتى تمحورت أيامي على "نشر الغسيل" المُخجل الذي كنتُ، لأعوام طويلة (طول يوم الجوع!) أصبحتُ بطلته التراجيديّة تارةً و"المُسليّة حتى السماجة" طوراً.
فجأة، قرّرت أن أخوض مُغامرة أطلقتُ عليها عنوان "العودة إلى دورة الحياة"، ورحتُ أبحث عن نفسي وعن حياتي، بعدما تخلّيت عن الواقع من أجل الأوهام و"الأصدقاء" الافتراضيّين، الذين ما زلتُ بعد 7 أعوام من عرض يوميّاتي أمامهم، لا أعرف مئات منهم في الواقع، وربما لا أتعرّف عليهم إذا ما لمحتهم في الشارع! وخصّصتُ دفتراً صغيراً لتلك الاكتشافات التي ستُصادفني ما أن أعود إلى الحياة، بعدما اخترتُ أن أضيّع ساعاتي الثمينة في "التلصلص" على بعض الأصدقاء ولمَ لا الأعداء؟ وأيضاً لأوثّق لحظاتي والمشاهد المُنبثقة من "فيلم حياتي"، وكأن لا شيء أبعد من واجهاتي الافتراضيّة الضارية مع حبيب أو آخر، اخترتُ أن "أعلّمه درساً وأؤنبه" من خلال Status "مدوٍّ، وان لا شيء أكثر "عمقاً" من عرض مفاتني في صورة تعكس "المايوه" الذي "دكّيت نيفتي" ليُزيّن جسدي المعروض "مجّاناً" أمام الآلاف، وان عشقي للأضطلاع بدور "الضحيّة" أحياناً، من خلال كلمات مؤثّرة أدوّنها لأحصد مئات الـ"لايكات" وجمل مُشجّعة تأتي على شكل، "هه! هو الخسران!"، هو حديث الساعة الذي "يُغطّي" على الأخبار العالميّة التي تليق بنجوم هوليوود!
فجأة، أوقفتُ هذه المهزلة وعدتُ إلى الحياة، وكم ندمتُ على السنين الضائعة هذه التي أبعدتني عن كل ما هو ملموس، على الرغم من اعتقادي آنذاك بأنني كنتُ "عم بعرف الشاردة والواردة، وما عم بفوتني شي!".
في الأيام الأولى، واجهتُ الفراغ الرهيب وبدت أيامي طويلة، مُملّة، لا سبيل إلى التخلّص من ثقلها الذي "استقرّ" على صدري! وصار لا بدّ من إيجاد الحلول الخلاقة لأقتل الوقت وأنسى الفراغ الذي ملأ أيامي بسكون أرعبني بدايةً، وسُرعان ما تحوّل أجمل سيمفونية عزفتُ عليها أحلامي الجديدة.
رحتُ أقتربُ من الناس الذين استعضت عن حضورهم ماضياً بـ"التمترس" على الشاشة التي تصلني بـ"عالم الأوهام"، وأكثرتُ الاتصالات بالأصدقاء الذين نسيتُ وجوههم، على الرغم من كوننا كنّا نتواصل باستمرار عبر الـ"فايسبوك"، وصرتُ أتمعّن في عيونهم وتعابير الوجه، بعدما شعرتُ بشوق إلى كل ما يُعيدني إلى الحياة بدورتها التي نسيتها لـ 7 أعوام. وصارت اللحظات التي أمضيها مع الناس أكثر أهميّة بالنسبة، إلي ورحتُ أتعامل مع كل مشهد من حياتي وكأنه المشهد الذي أضيفه في روايتي الشخصية، التي لم أعد أجد ضرورة في "تعليق كلماتها وصورها" أمام الآخرين، لأحصد من جهّة إعجابهم، أو لأستفزّهم، وأيضاً لأبرهن لنفسي بأنني محبوبة وشعبيّة، وأن حياتي "Cool". وصارت اللقاءات مع الآخرين أكثر تشويقاً، إذ انني صرت أركّز على كل من يقف أو يجلس قبالتي، فلا "أزبله" وأتجاهله من أجل معرفة ماذا يحصل "داخل التلفون"، وأعترف أنني صرت أكثر مقدرة على إطلاق الأحكام السلبيّة على كل من يتجاهلني من أجل الغوص داخل هاتفه النقّال، وأعتبر المسألة قلّة احترام، على الرغم من كوني كنتُ مذنبة في هذا "المقطع" تماماً مثلهم.
ومع الوقت تحوّلت كل صورة ألتقطها مقطعاً قصيراً من قصّة حياتي، ولم تعد مئات الصور التي أعشق التقاطها يوميّاً خوفاً من هرب الأيام، صلة الوصل بيني وبين الآخرين، بمعنى انني لم أعد أصوّر الّلحظات بغية "شوفة الحال" أمام الأصدقاء الافتراضيّين. صارت هذه الصور نوادري الصغيرة، التي أنسجها قصّة حميميّة تليق بي وليس بالبطلة الافتراضيّة التي تصورتُ لأعوام أنني كنتها! كما ان الكتابة التي كنتُ أهملتها لصالح العالم الافتراضي الذي عشقته حتى الادمان، عادت لتتصدّر يوميّاتي، وفي لحظة جنون خلاق هتفتُ أمام أفراد العائلة، "لقد عدتُ إلى الكتابة وإلى مُغازلة اللغة العربيّة التي أعيشها مرضاً يوميّاً لذيذاً منذ 20 عاماً".
الساعات الطويلة التي "ظهرت" أمامي بقامتها "المُهدّدة" الآن، وقد ودّعتُ العالم الإفتراضي، صارت ملعبي الكبير الذي رحتُ أكتب عليه أفكاري الخلاقة الجديدة التي كان لا بدّ لي من أن أبحث عنها في داخلي كي لا أموت من الملل، الملل الذي "خدّرته" ماضياً بواسطة "فايسبوك". كما عدتُ إلى الرسم الذي لا أتقنه ولكنه هوايتي التي تُبعد عنّي شرّ الإنهيارات العصبيّة المحتومة! كما صرتُ أجد متعة لا تُقاس بالكلمات في الغوص في أفكاري لأستعيد ذكرياتي وقصصي التي عشتها ماضياً، من دون الحاجة إلى الإعلان عنها عبر صفحتي الخاصة على "فايسبوك".
عدتُ إلى إكتشاف الشمال، مسقط رأسي، و"عشيقي" الأول الذي أخونه كثيراً مع عشّاق "حقيقيّين"، وإلى التعرّف إلى قراه، فأقف "وجهاً لوجه" مع ناسها وحكاياتهم المنسية. كما صارت الأيام هادئة لا يتخلّلها "حب المُنافسة" أو القلق والضغط وال"ستريس" وعناصر أخرى يولّدها الإدمان على الحياة الإفتراضيّة. عدتُ إلى أيامي، التي صرتُ أجد متعة بالغة في الرقص على صدى سكونها ، وهذا البطء الجديد الذي يملأ روحي حكايات أرويها لنفسي من دون الحاجة إلى توثيقها "علناً"، و"يا لجرصتي التي لم أعرف كم كانت تحجب النور عن خصوصيّتي"!
كما عادت القراءة إلى يوميّاتي كعودة العاشق الذي ملّ الهجر، فكان الشوق هو النديم الذي أوصله إلي، وصرتُ أجد سعادة "دفينة" في البحث عبر "غوغل" عن مواضيع "أنبشها مدري من
وين!". وحديقة منزلنا القروي في الكورة صارت الشاهدة على نزهاتي الطويلة بين "سكّانها" وأشجارها وتلك التفاصيل الصغيرة التي تنتمي إلى عالم نُطلق عليه إسم "الطبيعة".
أمسى همّي مع مرور كل يوم، "حياكة" حياة حقيقيّة متوسلة الشغف إياه الذي توسّلته لأرسم إفتراضيّاً، حياةً لم تكن موجودة الا في مُخيّلتي، إذ وجدتُ ماضياً سعادة غريبة في تصوير نفسي بطريقة ليست ضرورةً حقيقتي، بل ربما كانت الحياة التي حلمتُ يوماً في أن أعيشها، فإذا بـ"فايسبوك" يسمح لي بأن أوهم نفسي بأنها موجودة.
أوقات الفراغ أمست مهمّة جداً في حياتي، فلا أمضيها في العالم الإفتراضي بل أستعين بها لأكتشف الشوارع وأزور الأصدقاء وأستمع إلى أحدث الإصدارات الموسيقيّة، وأكتب يوميّاتي في دفتر لن أسمح لنفسي بأن أعرض "مادّته" في العالم الإفتراضي، كما جرت العادة سابقاً. وأعترف بأن التركيز على حياتي وعلى يوميّاتي يتطلّب مجهوداً كبيراً، لأنني أعتبر أنني أنحت حياتي بعدما عشتُ سنوات "مُسمّرة" خلف شاشة الكومبيوتر أو الهاتف النقّال أعيش اللاشيء وأغوص في أروقة الأوهام.
ولكن المجهود الذي أوظّفه لأخلق هوايات جديدة ولأملأ الفراغ الذي كان يُخيّل إلي ان "فايسبوك" ملأه، يتحوّل ساعة فأخرى من الإكتشافات العظيمة التي "تُسيّج" حياتي الجديدة. وها أنا أجلس مع أفراد العائلة والأصدقاء والمعارف، وأنظر مُباشرةً في عيونهم وأطرح عليهم الأسئلة وأمضي الوقت معهم في اللهو والتنكيت" والـ"مُسايرة".
شهران ونيف وأنا بعيدة عن عالم إعتقدّته يُقرّبني من الحياة فإذا بي أكتشفُ انه في الوقت كان يمنعني عنها. وها أنا أعلن بصوت مدوّ، "أنا لن أعود إليه!"، وكأنه العاشق الكاذب الذي عشتُ معه قصّة "مُزيّفة"، لا علاقة لها بقصص الحب لا من بعيد ولا من قريب.
الواقع أجمل "يا جماعة"... و"استروا شو شفتوا منّا!".

hanadi.dairi@annahar.com.lb

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني