لِمَ نُجاهِر بخسائرنا وأنتَ رفضتَ الاستسلام خياراً؟

12 كانون الأول 2014 | 00:00

ليس من شأن تذوُّق الفَقد أن يوطّد علاقة المرء بكل مَن رحل. بعضٌ في العمق يحضر، كما أنتَ، بالبقاء المُتجسِّد الناصع، أو بالرحيل بوجعيه الهادئ والمتوحّش. لا أدري كيف مرّت سنواتٌ تسع لئيمة ساخرة على حالٍ بائسة، وأنتَ لو كنتَ لهززت في مكانٍ وأطلقتَ قلمكَ في مكانٍ آخر.

بقيتَ، حتى حين، الأقرب إليّ ممن حفروا في النفس جرحاً لانطفاء أجسادهم المتوهّجة بعد الشباب والحماسة، وفي كلّ سنةٍ، طغى شعورٌ ظلّ يرفض أنكَ غادرتَ، ويخشى أنّ كانون الأول سوف لن يستمرّ في اختراع المطر، بعدما ذرفنا كل الدمع. ثم صدّقتُ، مُكرَهة، أنّ الموت يحدث فعلاً، ناخراً العِظام، ناكئاً الجراح، وحائلاً دون أدنى فرح. في ذكراكَ التاسعة، أفتقد حضوراً من مزيج الإنسانية وأشكال الصخر الصلب، فيكون لي قوّة فيما أنا محض هشاشة، وأملاً فيما الرعب من المُنتَظر يكاد يدفع الى الانتحار.
هو مطلق اليقين بأنّ الراحل فيك جسدٌ، لا الأثر والخُلاصة. ذلك ما يخفِّف هول الفَقد، فأنتَ، بعد السنوات، باقٍ بقاء مَن خلّفوا خسائر برحيلهم لكنّهم دائمون على رغم ويل الشوق حين يشتدّ ووجع الارتطام بذكرى مشتركة. لآخرين أن يكتبوا رذائل السياسة وعبث الحرب ومواقفكَ لو كنتَ، وأنا سأكتب الإنسان الذي أشعر بإدراكه عن قُرب، فيتراءى في العقل وقْعاً من دوام الضحكة والطلة المندفعة والتقدُّم الى الجميع بطيب التحية والامتنان على الجهد. نحن حين نشتاق الأحبّة نشاء لو نمدّ أيدينا الى حيث هم، ونأتي بهم الى حيث نحن من أجل أحضاننا الباردة. ونشاء لو نتسلّق الغيم عساه يوصلنا الى سماءٍ لسنا نراها كلّ يوم، ونتقاتل تحت مساحتها، ونسقط من فرط الأسى. سماءٍ أخرى لابتسامات الموتى.
تُضيء بعد السنوات وتشعّ، ليس فحسب بالصور والقَسَم، بل بالتجلّي في الوجدان. صيَّرت الحرية قدراً، فيما لاحت للشعوب ترفاً بعيداً وأضغاث حلم. تبدَّل كل شيء، وراح الأخضر يُذعِن لليابس، وأصبحت الأوطان بقايا خراب، والإنسان قسا. مَن خسرناه ليس أنتَ وحدكَ، بل حاجتنا الى حماسةٍ كنتَ تدبّها فلا نركع. كنا في تلك المرحلة شباباً نضراً أراد ابتلاع الحياة بلقمةٍ واحدة. كنا رغبتكَ في أوطانٍ حرّة وأجيالٍ لا تنهار. وجدنا ذات صباح أنّ الأماني غيرها واقعية أننا من دونك وعلينا أن نتدبّر أمرنا. ليس ذلك تبجيل الراحل والتغنّي بمزاياه في ذكراه، بل تمسُّكٌ بقولك إننا ولدنا أحراراً وسنعيش هكذا.
جعلتَ في العميق إشكالية الحرية تتجذّر، ودرّبتنا على أن الرأي شأنٌ مقدَّس. ظلّت "النهار" حلماً لأنها نَفَسُك، أراكَ فيها حيث أستدير، كما كنتَ يوم القَسَم، جاعلاً الأبدان تقشعرّ من جمالية اللحظة. ليتك نجوتَ كالناجين، لما استطاع غدرٌ أن يحرق لنا قلباً. ننهض لأنكَ رفضتَ أن يكون الاستسلام خياراً.

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard