تحت الضوء - تانيا صالح: نجاحي نوعيةُ الجمهور لا عددُه الفنان الحقيقي لا ييأس ونحن نفتقد الحب

10 كانون الأول 2014 | 00:56

ليت اللقاء مع الفنانة تانيا صالح جرى في بيت مري، حيث منزلها الهادئ بين الأشجار وهواء كانون، لكنّها آثرت، مشكورة، تحمّل بيروت الزحمة الرهيبة لنلتقيها في "النهار". مرّ عليها وقتٌ لاح فيه حلم الدولة ممكناً، فصدحت بأغنياتٍ تحاكي المدنيّة وترسِّخ نواة الازدهار. راح عملها يثور في وجه المحسوبية، ويشقّ مساراً مغايراً عن المألوف. جديدها، "شوية صور"، إدراكٌ بأنّ الحب حاجة البشرية للارتقاء وتوق المرأة الى الدفء.

هي جزء من ذاكرة جيلٍ آمنت بصورة أقلّ سوداوية لوطنٍ يتخبّط في المأساة. نسألها عن ميلها الى الرومنطيقية وإعلاء قيمة الحب، فيما هي في الأذهان صوتٌ "مخرِّب"، هادر، رافض، لا يملّ من وضع الإصبع على الجرح؟ أهو اليأس من بلدٍ يسلب الفرد أدنى المقومات، أم أنها الرغبة في التغيير وسدّ الطريق أمام التصاق الصورة الواحدة بالفنان، كأن يكون ساخطاً طوال الوقت أو غارقاً في العواطف؟ تانيا صالح من اللواتي والذين يملكون أذناً صاغية تُقرِّبهم من الآخرين خلال الحوار. تتلقّف السؤال على مهل، وتجيب: "ليس اليأس سبب رغبتي في موضوع غنائي جديد. الفنان الحقيقي لا ييأس، وإن فعَلَ لا يجاهر بيأسه كي لا يكون ذريعة ليأسٍ على المستوى العام. أخشى تكرار نفسي، فتصبح موضوعاتي مُستهَلكة. أردتُ أنّ أعبِّر عن حاجة الإنسانية الى الحب وضرورة السعي إليه. لا أختصر الحب بعلاقة الرجل والمرأة. الحب يجمع الناس مهما تفرّقوا واختلفت اقتناعاتهم. حب الحياة وحب الأرض وحب الآخر. كم ينقصنا اليوم، كون الكراهية تطفو والحقد ينتشر. لستُ غريبة عن غناء هذا الموضوع. تضمّنت ألبوماتي السابقة أغنيات تحاكي الوجدان، كذلك أعمالي مع نادين لبكي. الفارق أنّ الحب يطغى في "شوية صور"، لكنه هو الآخر حبٌ خارج النمط. أمقتُ الأنساق والإيقاع الجامد، ولا أريد أن أكون أسيرتهما. أمّ كلثوم غنّت مصر من غير أن يُزَجَّ بها في خانة. ليس المقصود أني لن أغنّي أسى لبنان بعد اليوم. سأفعل، من غير أن أتورّط بالتكرار".

بحثٌ وسخرية تجري في الدم
ولكن، ألا ييأس الفنان؟ بدأنا بالحديث عن الزمن، وكم هو في أحيان عصي على المديح. اختبرت تانيا صالح تجارب جعلتها تدرك أنّ الحياة خليطٌ من أفراحٍ وأوجاع. واختبرت شعور الإنسان حين توشك حفرة بعمق خمسين متراً على ابتلاعه، وتكاد صورٌ سوداء أن تسلبه العقل. ترفض اليأس طالما أنّنا جميعاً نحتاج الأمل، ولأنّ الفنّ الحقيقي مسؤولية. المهم، بالنسبة إليها، إعلاء شأن المحبة كونها طيف الإنسان في الأبدية ودوام الاستمرار.
نتذكّر صباح الراحلة وسط حبّ الناس. "لا شيء آخر يبقى"، تقول، ونحن نوافقها بهزّ الرأس. على سيرة الحب، نجد أنّ السخرية لم تغب عن "شوية صور" على رغم انسيابه الرقيق، كأنها (السخرية) "إدمانٌ" يسري في الدم. يشعرها فعل النقد بالاكتفاء. تنظر أبعد من الجاهز، لا تُهدهِد ولا تربِّت على الأكتاف. تقدِّم أغنيات أشبه بسينما الواقع ليس هدفها الانتشار غير القائم على الوعي. لم تتناول الحب كمادة تسترضي الأذواق، بل لأنه "جزء من بنية اجتماعية يعوزها النقد". الحب في أغنياتها ليس ذاك الممجَّد المترفِّع عن أي خلل واضطراب. هو أيضاً مصالح وأولويات وكثيرٌ من التجاوز والتقلّب. ربما لأنها لم تعرف الحب الصافي، فانعكس عدم إحساسها به على أغنياتها. كل شيء، وفق قولها، قابلٌ للنهاية، "حتى إنتَ"، في إشارة الى الرجل الذي يخال نفسه سيّد المرأة. في "حسابك بعدين" مثلاً، يظهر الحب مبنياً وفق مصالح تفسد العلاقة بين الطرفين. نسألها ما الذي دفع بالحب ليتصدّر الألبوم، الآن وفي هذا الظرف؟ طالما كان محرِّكها، تقول، سواء حب الأوطان أم الإنسان. أغنياتٌ عدة بدأتها سابقاً ولم تجد لها سبيلاً نفسياً الى الاكتمال. هو البحث الذي تعيشه ولا ينفكّ يعنّ في الرأس. بحثٌ عن الأعماق والأسئلة التائهة. بلدٌ يتأكله الفساد، مجلس نوابه مغتصَب، وكرسي جمهوريته شاغر، فكيف نستمرّ إن ضاع الحب وراح البغض يحركنا، عوض أن تكون المحبة قوّتنا وسط هذا الضعف؟".

الانتشار في مسعاه الى جمهورٍ غير مصفِّق
يَسرُّ القلبَ كلامٌ لا يكرر المسموع كل يوم. قد تتفاوت أعمال تانيا صالح في درجات العمق، بيد أنها ليست حتماً كالأعداد المنتشرة. نسألها الآن عن مدى انتشار هذه الأغنيات، وما نفع عملٍ إن قَلَّ حضوره بين الناس؟ تميّز بين الانتشار الهادف وذاك العشوائي الذي لا يغيِّر الأحوال: "ليس همي الانتشار الناتج منه بناء القصور وتكديس المال والتباهي بأضواء زائفة. الفن نداء الخير والصَلاح. لا أتكلَّم من أي منطلق شيوعي. كلّ ما في الأمر أنّ أسماء أحبّها كالكندية جوني ميتشيل والفرنسي جورج براسانس، دليل فنٍّ صافٍ لا تشوّشه الأطماع. لستُ فنانة بَلاط، ولن أكون. أفضّل أن أسير بين الناس من غير أصابع تشير إليَّ وكاميرات تتعقّبني. يعنيني الوصول الى الشخص الصح. لنتخيّل دعوةً الى تظاهرة تطالب بحُكم مدني، كم سيكون عدد المشاركين؟ على الأرجح قليل، مقارنة بتظاهرات الأحزاب والطوائف. الانتشار عندي هو هؤلاء الذين يملكون وعياً يخوّلهم التمسّك بالدولة المدنيّة مثلاً، من غير أن يروا الأمر أشبه بهذيان. يعنيني وعي الفرد. ما نفع المصفّقين إن كان الوعي مفقوداً؟ أخشى على أغنياتي من الانطفاء، وأسعى الى فنّ لا تنتهي مدّته. ليست أولوية أنّ أغنياتي غير منتشرة عبر الراديو، وفيديو كليباتي لا تُعرَض صباحاً ومساء عبر الشاشات. لن يعنيني هذا الانتشار في غياب مستمع يدرك جوهر الأغنية والمعنى خلفها. النوعية لا الأعداد".

بلدٌ محطَّم يعظِّم ضياع الأغنية
عُرفَت تانيا صالح بأعمالٍ تحكي التشرذم من غير الوعظ والإرشاد. أما اليوم، ونحن دون الأسفل، فماذا يبقى؟ "بلغتُ مرحلة رحتُ أسأل نفسي ماذا أفعل؟ إن استعدتُ اليوم كلاماً عن الوحدة الوطنية، فسيُقال إنني أنتمي الى واقعٍ آخر ليس حتماً واقعنا المفكك. التغيير أكثر تعقيداً مما نظنّ. أبشع الاغتيالات مرّت على لبنان، وأكثر أشكال الاحتلال عنفاً وعنجهية. من السذاجة إقناع الناس بأنّ الوحدة الوطنية قائمة، والتوجّه إليهم بخطاب "يا عمر كلِّم علي". "أيّا وحدة وطنية يا شباب؟". الأغنية الوطنية ضائعة في بلدٍ لا أمل فيه بالعلمانية والنظام المدني وتساوي الفرد في الحقوق والواجبات. كيف يولد فنٌ هادف ويبلغ غاية عليا، فيما البلدان محطَّمة والقيم مصادَرة؟".
محقةٌ في أنّ الظلمة قاسية والنفق طويل. لن نعيدها مجدداً الى اليأس، فسبق أن قالت إنه لا يجوز في حال الفنان. يحملنا الحديث الى الاستفسار عن جرأة طرح الموضوعات، إن لجهة دعوة عمر بن الخطاب للكلام مع علي بن أبي طالب [في اعتبار أنّ السنّة أكثر عدداً من الشيعة، وعليهم استيعابهم]، أو لجهة الدعوة الصريحة في "هي لا تحبّك أنت" (من شعر محمود درويش) للفعل الجنسي، عوض مزاعم الحب الأفلاطوني. تضبط حدود الجرأة بعدم المسّ بالآخر أو شتمه أو إلحاق الأذى به، وما سوى ذلك متاح. "ليس المقصود الدعوة الى خلع الثياب مثلاً، وربط الحب بالغريزة. في "شوية صور"، تحضر صلة صارخة بين الحب وعاهات المجتمع. يمكن المرأة أن تكون قوية وقادرة على القرار، والرجل أن يكون شريكاً مفيداً، لا الآمر الناهي. في "رضا مش راضي"، أُبيِّن حال المرأة الضعيفة الخائفة من زوجها طوال الوقت. أليس هذا مجتمعنا؟ على المرأة التحرّر، علماً أني لستُ نسوية على الإطلاق".
ثمة أسفٌ يُحبِط الفنان غير المتورِّط في الأعمال السهلة: انعدام الدعم. تنتقد صالح احتكار "روتانا" إنتاج الأغنيات، وترى أنّ الموسيقى العربية باتت على إيقاعٍ واحد بعدما أدهشت الموشحات العالم. وجدت مَخرجاً: "التمويل أونلاين، وهو دعمٌ شبابي حصلنا عليه بعد استفتاء الناس، فجمعت مبلغاً تمكّنت عبره من تغطية تكاليف الألبوم، والحملة الإعلانية وفيديو كليبين وضرورات أخرى".

"إيدنا بصبّاطك" وتوضيح اللغط
لا يمكن لقاء تانيا صالح من غير سؤالٍ عن موقعها الـ"فايسبوكي"، "إيدنا بصبّاطك"، الذي أثار لغطاً وقسم الناس بين مؤيّد ومعارض. تستغرب "سوء الفهم" الذي رافق "البوست"، وتوضح: "أبطال الجيش يُذبَحون، وثمة مَن يُزايد على القائد جان قهوجي. جيشنا أنقذ الوطن من أمثال أحمد الأسير وانتشله من مستنقعات طرابلس، وعزف أغنيات الوداع لصباح، فيما أصواتٌ تصادر انجازاته وتصوّرها هزيلة. أؤيد حكماً عسكرياً موقتاً، طالما أنّنا لا نتساوى في التعليم والطعام والمواطنة. لم أروّج لانقلابٍ ولم أرفع الحذاء على أحد. ما قصدته أنّ الظلاميين أشبه بالصراصير ولا بدّ من دوسهم بالأحذية، والجيش يفعل".

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard