ابعدوا كأس نظامكم الانتخابي عن المغتربين

3 كانون الأول 2014 | 00:53

نظام لبنان الانتخابي أحد أكثر الانظمة الانتخابية تخلفاً في العالم. وهو مفصل لإبقاء الطبقة السياسية الفاسدة تتحكم بكل صغيرة وكبيرة. وعلى رغم طائفيته وعدم عدالته، وعدم تمثيله لمصالح الناس، ورغم اعتماد كل الاساليب اللاخلاقية لاعادة انتاج الطبقة نفسها التي أوصلت لبنان الى هذا المنحدر الخطير، يريدون تعميمه على المغتربات ليعيد ربطنا بعجلة التخلف التي هربنا منها.
فمن يعيش كل عمره في بيروت مثلاً يستعمل طرقاتها ومدارسها ومجاريرها ويتردد على محلاتها. يتنشق هواءها ويشرب من مائها. يسقط في حفرها ويعلق في عجقة سيرها... لا يحق له انتخاب بلديتها التي تتحكم بأموره اليومية، بل عليه أن يذهب وقت الانتخاب لينتخب بلدية مسقط رأسه أو رأس والده التي لا تؤثر ابداً في حياته وحياة اولاده. والشيء نفسه بالنسبة الى المختار والنائب. هكذا ناخب هل يهتم كثيراً بتحسين وضع غيره، من خلال اختيار الاحسن، اذا كانت أوضاعه سيئة؟
كنت أسكن في منطقة ماريلاندز. وكنت انتخب هناك. مجرد ان انتقلت الى منطقة بلمور صرت انتخب فيها. وهدف النظام هو المشاركة في محاسبة المسؤولين واختيار الافضل الذين يؤثرون مباشرة في حياتنا وحياة أولادنا. والافضل لمنطقتك هو الافضل لا شك لكل استراليا. لذلك نتقدم هنا ونتأخر في لبنان.
النظام الانتخابي اللبناني العفن والمتخلف، يريدوننا أن نتبناه في هذه البلاد المنفتحة، المتقدمة في نظمها وفي ديموقراطيتها. تصوروا انني علي انا الذي غادرت لبنان منذ حوالى الاربعين سنة، أن أشارك في اختيار نائب بعيد عني مسافة 15 الف كلم تقريبا، وبعيد عن همومي اضعاف، اضعاف هذه المسافة. واذا كان هذا النائب لم يقم بواجباته تجاه الناخب المقيم، وتجاه منطقته القريبة التي يعيش فيها، فهل يعقل أن يقوم بواجباته تجاه المغترب البعيد؟ وما هي الأسس التي سأختار بموجبها من يمثلني؟
النظام الانتخابي المقترح سيزيد تشرذم الجالية وتفككها واختلافها على مسائل لا تهمها ابداً. وستعود الانقسامات العائلية لتترسخ بأبشع صورها، وستطغي المناطقية والطائفية والمذهبية. وفي أحسن الاحوال ستقودنا الانقسامات السياسية ما بين 14 و8 آذار بعصاها. أو نغرق في خلافات من نمط قوات ضد تيار وطني حر أو "حزب الله" ضد المستقبل... هل هذا يعني اني ضد انتخاب المغترب؟ ابداً. فالمغترب يساهم مساهمة فعالة في اقتصاد لبنان. والذي يدعم اقتصاد بلد ما، يجب أن يكون له رأي في ادارة شؤونه السياسية. كيف يتحقق ذلك؟
خلال زيارة الرئيس ميشال سليمان لاوستراليا، قدمت له، مع ثلاثة اصدقاء آخرين، بياناً ذكرنا فيه بعض ما نعتبره من القضايا التي تهم الجالية. من ضمنها ضرورة اعتماد نظام انتخابي نسبي وضرورة أن تنتخب الجالية ممثليها في المجلس النيابي... وقد ابدى الرئيس وقتها تفهماً كبيراً لما ورد في بياننا. والتصور هو التالي: الجالية اللبنانية في كل اوستراليا هي دائرة انتخابية واحدة. تخصص بعدة مقاعد في المجلس النيابي. وطبعاً مع مبدأ النسبية، تختار ممثليها بناء على لوائح تتنافس حول خدمة قضايا تهم كل الجالية اللبنانية في اوستراليا كما تهم علاقاتها مع لبنان وتحمل رأيها في كيفية تطوير النظام السياسي اللبناني.
فالنائب المغترب، الذي عاش في مجتمعات متقدمة، متطورة وفي ظل نظام انتخابي راق، لا شك في استطاعته ان يطعّم الحياة السياسية في لبنان حتى ولو كان ينتمي الى التيارات السياسية نفسها الموجودة في لبنان. ومع امثاله من نواب الاغتراب، والذين يجب ان لا يقل عددهم عن الثلث في اسوأ الحالات، يمكنهم تشكيل قوة ضغط لدفع الحكومات لمكافحة الفساد والاعتناء بالمواطن المقيم من خلال الدفاع عن المصلحة العامة.
أما الانتخاب بناء على نظامهم الحالي، وبناء على خلافاتهم المذهبية والسياسية والعشائرية والقبلية وبناء على تقسيماتهم الادارية المتناسبة مع قياساتهم فماذا ستغيّر؟ كل ما ستغيّره انها ستزيد خلافاتنا وانقساماتنا وتشرذمنا وستنقل لنا أمراضهم، المستعصية على الشفاء، والتي اعتقدنا اننا شفينا منها. واذا كان نظامهم الانتخابي الذي فرز مَن تعرفون من سياسيين جرّعوا لبنان هذه الكأس المرّة. فأبعدوا عنا هذا النظام وابعدوا هذه الكأس ليبقى للبنان بعض الامل في الحياة.

جورج هاشم
كاتب لبناني يعيش في اوستراليا

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard