آخر العظماء

3 كانون الأول 2014 | 00:52

سعيد عقل، بدون شك، آخر حبة في عنقود الأدب الرفيع، وقد يكون للبنان سهم في عبقريته، بعد أن أحبّه حبّاً لا تتسع له قلوب العاشقين، تغلغلت فيه عظمات لبنان، فأصداء قوافيه انتصارات فخر الدين، وهيبتها (طلّة) الشهابي الكبير. (توزعته هموم المجد)، فإذا هو "أحيرام" عاد يسعى بيننا، او (قدموس) نفض عنه أسطورة الموت، وراح يزرع في لبنان أمواج الحياة.
إننا – يعلم الله – لعاجزون عن رثاء هذا المارد بمثل لغته، فنحن لا نملك قلمه النحّات، ولا خياله الطائر، ولا ابتكاره (النابغ)، ولا فكره الوثاب.
وهبْ أننا نملك بعض ذلك، فأين منا فروسية الكلمة وشجاعة اللمعات؟ يكفي أنه كان في أدبه حالة خاصة، واتجاهاً بذاته، أنشأ مدرسة أدبية مستقلة، هي الصهوة وهو فارسها، رنيناً، وسكراً، وجمالاً، ومجالاً.
والحقيقة، أنني لا أعرف شاعراً مثل سعيد عقل: يُجسّد الخيال بالواقع ويرسم الواقع بالخيال في عبارة واحدة، حتى إنك لتجد تحت كل كلمة في قصيدته... قصيدة.
قال في لبنان:
هُنا على شاطئ أو فوق عند رُبى تفتّح الفكر، قُلت الفكر نيسان.
فانظر الى هذا الزواج بين (التفتح ونيسان). أتقول: عرس الربيع؟ وأقول لك، إن هذه العبارة تتعدى كل عبير، وتمر بين الاستعارة والكناية، وبين الواقع والابتكار، بعبقرية لا تسرق من القديم ولا تتهافت مع الجديد، ولك في ديوانه منها، أخوات كثيرات.
يكمن الفرق بين سعيد عقل وشعراء الصورة، في أنه لا يكتفي بابداع الصور الرائدة الراعدة... بل كان يضعها في (برواز)، إطار لغوي بطولي، تصعب ولادته على غير يديه، إنه – يا رعاك الله – سحر مقيم في نبوغ، إنه "هاروت" الذي يعييك تحديده ويستحيل عليك تحليله.
عرف سعيد عقل القرآن كما عرف التوراة والإنجيل، وعرف فرجيل ودانتي، كما فهم اغناطيوس وغريغوريوس وباسيليوس، وإفرام ويعقوب ويوحنا فم الذهب، ودرس توما الاكويني وأغوسطينوس، وعرف هوميروس وفيثاغورس وأرسطو وسقراط، كما عرف الغزالي والفارابي والمعرّي، ناهيك بنهضات اسبارطة وقرطاجة وصيدون، فجمع إلى شاعريته الماردة، تاريخ الثقافات وفجر الحضارات، وانزلها من فكره وروحه الى هدير صوته وانفعال كفيه، فاهتزّ هو لها وهزّ الناس بها.
بدأ سعيد عقل من جبيل وصور وعظمة فينيقيا، الى آثينا وروما وجبروت باخوس – بعلبك، ووصل الى أبعد لمعة حضارة في آخر شاطئ من شطوط الأوقيانوس، وآمن – حتى الانخلاع – بلبنان، منطلقاً لهاتيك الحضارات، وباعثاً لتلك المدنيات، فغدا سادناً من سدنة الفكر "المجنون"، الذي هو إحدى مرايا العبقرية، وصدق فيه قول (La Rochefoucauld):
"من يحيَ بدون جنون، ليس حكيماً قدر ما يظن".
ولو لم يجنّ سعيد عقل بلبنان، لو لم يكتب بلغة الفروسية التي انفرد بها، لو لم يعط لاعمق تفكير أعلى تعبير، لبقي شاعراً كسائر الشعراء، لا يطعّمون شعرهم بنكهة الحضارة، ولا ينفخون فيه روح لبنان، ولا يسرجونه لوثبات العصر، ولا يضعون على رأسه غار الكبرياء.
أما الذين يأخذون عليه محاولته وضع الحروف اللاتينية ازاء الأبجدية، فأقول لهم، إن سعيد عقل يعلم تمام العلم أن قلب الأبجدية (الحروفية). لا يقلب (اللغة). فاللغة تحتاج في انقلابها، الى تغيير الحضارة نفسها، لا الأبجدية وحدها، ولا يخفى هذا الأمر على مبدع متعمق في اللغة، ممسك بناصيتها كسعيد عقل الذي هو واحد من أمراء الضاد صرفاً ونحواً، بعكس ما يفكّر فيه المدّعون من صبية العربية الأغرار.
ونعم، بعد موت سعيد عقل، المفكر الشجاع، واللغوي المتمرد، والشاعر المشعّ، واللبناني الرئتين، ابتلع البحر الشراع، وانطفأت شرارة الحرف، ولم يبق على شاطئ فينيقيا الحضارة، زورق لبنان واحد.

شوقي حماده
(عضو المجمع اللغوي)

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard